الثلاثاء، سبتمبر 01، 2020

إطفاء حريق كسلا .. بإغراقها في مياه البحر المالح

 

إطفاء حريق كسلا .. بإغراقها في مياه البحر المالح

نداء التغيير

من منطلق طموحاتنا المشروعة، في دولة المواطنة المتساوية، الدولة المدنية، لا القبلية أو الأمنية، نعتقد أنّ تبعات الرضوخ للشطط القبلي بولاية كسلا على مستقبل النسيج الاجتماعي بالمنطقة وظلالها السالبة على ربوع البلاد، ستكون اكثر فضاحةً من فرض هيبة الدولة، وأحكام القانون مهما كلف الأمر.

طالما أنّ الوالي المكلف كفؤ وليس عليه مأخذ، فإنّ إقالته خنوعاً لنزعة قبلية بغيضة، تعتبر دق أول مسمار في مشروع بناء دولة  "الحلم"، دولة القانون.

نعتقد أنّ أضعف مسئول تنفيذي، إن وفر له القوة الأمنية الكافية والمدربة، مع أربعة قضاة وستة وكلاء نيابة، خلال أسبوع ما تسمع في كسلا إلاّ أصداء أشعار الحلنقي وعبد الوهاب هلاوي علي صخور جبال التاكا الشامخة، والشاهدة على التجاوزات غير اللائقة في حق أهالي مدنية كسلا، المتعايشين منذ أكثر من قرن، في حضور هذه السطلة الأمنية والقضائية، أي "ملكي" يطلق رصاصة واحدة يروع الآمنين، أو يشعل عود ثقاب لإحراق الممتلكات العامة، يسلم لمنكر ونكير ضحى و(بالقانون) على قول حميدتي، واي مواطن يحمل كلاشاً، عليه أن يتحسس طوريته، ويبحث عن منجله.

دعونا عن المثالية الزائدة، في أيّ بلد من بلدان العالم، من يصوّب رصاصة، على مواطن، يردى قتيلا قبل أن يقتُل.

كسلا ملك للدولة السودانية، وليست لأهلنا للهدندوة، نعم هم أسياد الحاكورة، لكن المواطنة والحكم ينبغي أن يبذل ويكفل لكافة أبناء الشعب السوداني، ولا توجد قبيلة مهما علا شأنها، وعظمت رجالها، أن تكون فوق سلطة الدولة.

وأعتقد هذه قناعة مجلس الأمن والدفاع الوطني، والحكومة الانتقالية كذلك.

ما يجري في كسلا عمل كيزاني منظم.

القانون يكفل لمعارضي الوالي حق التظاهر السلمي، والإعتصام المدني، والحوار البناء.

بإمكان مجلس الأمن الدفاع الوطني، أو الحكومة الإنتقالية، إعادة كسلا إلي ولاية البحر الأحمر، على أن يكون واليها الحالي نائبا لواليها، وما كسلا ومثيلاتها، إلاّ ولايات ترضية عشائرية، من موبقات أخوان التمكين الرذلاء. كسلا والقضارف كانتا جزءاً من إقليم البحر الأحمر، الأنموذج في التعايش السلمي الحضاري، وصل الأمر في هذا الإقليم، إلى العزة بالإثم القبلي المستقبح!

إنتصارا لمبدأ دولة المواطنة المتساوية، وترسيخا لمعيار الكفاءة الفردية لشاغلي المناصب الدستورية والوظائف العامة، لا ينبغي ممارسة الضغط على والي كسلا لتقديم إستقالته، وحتى إن فعل من تلقاء نفسه، يجب أنّ ترفض.

ما يجري في كسلا عمل "كيزاني" ممنهج، ونوع خطير من أنواع الجريمة المنظمة، لابد من التعامل معه بحسم، لترسيم الحدود الفاصلة بين الجد والهزل، والحفاظ على مكتسبات ثورة ديسمبر المجيدة، والقائمة على العدالة كإحدى مرتكزاتها، وليست من العدالة في شيء، الرضوخ لرفض فلول "كيزانية" متربصة، بتكليف مواكن سوداني كفؤ ونزيه، تقليلا من شأنه القبلي؟

إن أراد مناهضو والي كسلا الحوار، فذك حقهم الدستوري، ولا نظن هنالك من يتجرأ على رفع عقيرته في حوار موضوعي، ليقول أنّ كسلا حاكورة حصرية للهدندوة، ولا يحكمها إلاّ هدندوي، هذا الطرح رعديد من أن يقف على ساقين، ومعلوم أنّ هذا المفهوم القبلي القمئ، نبت وترعرع في كنف النظام البائد المجرم في حق الوحدة الوطنية، وآن الأوان أن يجتث بلا رحمة، ولا تهاون.

31 أغسطس 2020م

هل حقاً نحن كسالى أم "مطاميس"؟

 

هل حقاً نحن كسالى أم "مطاميس"؟

أثار فيّ ابن الدفعة، والزميل سابقاً بصحيفة السودان الحديث، الأستاذ الخلوق البدوي يوسف، الابن النجيب والبار لقضروف ود سعد، بتناوله الشيّق والموفق لسِمسِم القضارف وسَمسَها، أثار فيّ خواطر وشجون ظلت عصية على النسيان، عنيدة في مغادرة الذاكرة، المثقلة بالشجون الوطنية.

ترجع الخاطرة العابرة والعِبرة التي أبت أن تعبر إلى بداية مقدمنا لانجلترا، حيث جمعتنا الظروف بصديق إيريتري اسمه تسفاي، وجدناهم هم والصوماليين أقرب الشعوب إلينا، ينظرون إلينا ويقدروننا بصورة مبالغة، هذا التسفاي، متى ما تطرقنا لهموم أوطاننا، ضرب كفٍ بكفِ مستغربا مننا كسودانيون، كيف لدينا راضٍ مثل القضارف "وواطاة" مثل سَمسَم ونهاجر إلى أوروبا! قال لي أنه عمل موسمياً بمشاريع سَمسَم الزراعية، ورأي السمسم الخرافي رأي العين، وتمّكن من توفير المالي الكافي لهجرته بأسرع مما تصوّر في المنافي، ثم إتجه من القضارف إلى الخرطوم، ظناً منه أنّ الخضرة محصورة في قلع النحل ومفازة وسَمسَم ودوكة والحوّاته، وظل يمد عنقه، يتطلع إلى نهاية المشروعات الممتدة بلا نهاية، والتي تكاد تلامس الأفق، لم يصرفه عن هذا التأمل في اللوحات الطبيعية، إلاّ مشاهد قطعان المواشي الشبعى، ولم يكن يصّدق نفسه، أنه وصل الخرطوم برفقة الزرع المفرهد، والضرع الممتلئ.

وتذكرت نشدنا في أولى إبتدائي

غنمي ترعى             طول اليوم

وسط المرعى            طول اليوم

وهي شبعى        طول اليوم

ومما عزّز تقيم صديقي تسفاي السالب للشعب السوداني، أعداد محترفي الحرف الهامشية الذي هاله رؤيتهم في أرصفة الخرطوم، في ظل توفر الفرص الواعدة في القضارف، قالي لي، شُبان مفتولي العضلات يبيعون المياه الباردة، ويفرشون "اللُصق" على التراب وفي الهجير اللاهب.

كلما أعاد عليّ صديقي الإيريتري تسفاي، مشهد الخُضرة الخرافية في شرق السودان، لم يتردد في وسمنا كسودانيين بالكسل "والطماسة"، لدرجة كاد أن يشكك في ثقتي في نفسي كإنسان يجب علىّ عدم تضيع الفرص المتاحة أينما ومتى ما سنحت، إلاّ أنّه مشكوراً، عزّز من ثقتي في إمكانات بلادنا، وثرواتها الطبيعة النادرة، وثبّت قلبي على مستقبلنا الواعد، وغدنا المشرق.

عرض عليّ صديقي تسفاي، مشاهد لنفائر عائلية في بلاده لإزاحة الحصى الذليلة، ونقل الصخور المسكينة من حيازات زراعية لتجهيز بضع فدادين على سفوح الجبال، فقيرة التربة، ضيقة المسارات، ليقول لي أنّ أصحاب مثل هذه الحيازات المتواضعة محظوظين، حينها أدركت، كنت أنا أضرب كفٍ بكف، إشفاقاً عليهم، ومستدركاً حجم الإخطاء الفادحة التي ترتكبها الطُغم الحاكمة في بلادنا، وتساءلت أين تذهب هذه المنتجات الزراعية المهولة؟ ولِم لا تغير من واقع حالنا؟

من يمتلك الإجابة والحلول، فليتفضل بها علينا، لعلنا نهتدي، أو أن نجد من الزراعة هدى.

شكراً عزيزي أستاذ البدوي يوسف

وألف شكر صديق تسفاي

// إبراهيم سليمان//

23 أغسطس 2020م

 

هل سمعتم بدكتور إبراهيم كوجان؟

 

هل سمعتم بدكتور إبراهيم كوجان؟



أسعدني الحظ اليوم، بالتعرف هاتفياً، بزول جميل، ومثير حد الإدهاش، رغم أنّ اليوم السبت، يوم عطلة، إتصلت عليه بتثاقل دون سابق معرفة، وما كنت أظن أنه يسرد، لعلمي المسبق بإزدحام أوقات أمثاله من المحترفين الأطباء، ناهيك عن مضاعفة ضغط كوفيد ـ 19، والمملكة المتحدة تتأهب للصد للموجة الثانية من فايروس كرونا، وسبب إتصالي به، أنني علمت من صديق عزيز أنه أحد أسالفه (آدم هلال) هو من إفتتح مركز اللّعيت جارالنبي الصحي في نهاية الخمسينات، رغم ذلك لم أكن متحمساً للإتصال به، لإحباطي من تعالي بعض الأطباء وإنعزال الكثيرين منهم في حدود (زمالات حواكيرهم المهنية).

كنت مسترقي على مقعد السيارة منتظر الأولاد تنهوا تسوقهم، رد هذا الرجل الطبيب المثير والجاد على رقم هاتفي الغير معّرف لديه، بعد ثلاث رنان دون زيادة، من قولة Hello من طرفه، والسلام عليكم من طرفي، الإنطباع الأولي أجبرني على "إستعدال" قعدتي، وإعتبرت أنّ صديقي الذي أوصاني الإتصال به، جادٌ في توصيفه لهذا الشخص الاستثنائي، والله العظيم، ظللت أتحدث، أو بالأحرى أتستمع لهذا الشخص، فاغراَ فاهي، لحوالي نصف ساعة متصلة، وكأني في غيبوبة، فاقداً الإحساس بالزمان والمكان، إستمع إليه وكأنّه ود حِلّتنا، أو زميل عمر.

وقعت في وكر رجل حكّاء من طراز فريد، وكلما إسترسل في الحكي الممتع، أجد نفسي فيما يقول، رغم إختلاف مسارات الحياة الأسرية والتعليمية بيننا، ورغم أنّه ود موظفي البندر، وأنا "قوازي" أبن مزارع من "الضهاري"،  وجدت أن والده عليه الرحمة كان مماثل لوالدي في الطبع، وجدت أنّه متخذ النجاح في التعليم ومناحي الحياة، بعد الأخذ بالأسباب، والتخطيط السليم والسعي الدؤوب، مسألة "رجالة" وأنه جاد حد الصرامة التي يحيل الفشل، إلى مآل مخل بالرجولة، رجل متعدد المواهب، يجمع بين المضادات بشكل محّير، فهو طيب قلب "نطّاس"، وكاتب قاص مبدع، وموسيقار موهوب، وتشكيلي لا يفارق مرسمه، وفوق ذلك كان ترزي أفرنجي ماهر، رجل جمع بين العلوم الآداب، ونجح في كل ما أقحم نفسه فيه.

أنهينا المكالمة المرّكزة وغير المرتبة، كتعارف أولي، وخرجت بقناعة، بأن أمثال هذا الرجل، لو هيئت له منصات للحديث للشباب الواعد والطموح، لأنار دياجهم، بمصابيح من ذهب، وقدّم لهم الوقود الكافي للتخطيط والنجاح المحقق دون كبير عناء.

أنه رجل ملهم، يتمتع بذكاء خارق، وطاقة لا يوصف، إجادته للحكي الطبيعي العذب وغير المتكلف، يناسب تخصصه كطيب قلب، يفشي الأفئدة دون جراحات ضرورية.

هذا الطبيب والكاتب القاص والفنان هو إبراهيم محمد كوجان.

أظن أنني وقعت في كنز مفتوح، عليّ أن أفرح به.

*****

إبراهيم كوجان هذا، كان أول الشهادة الإبتدائية في الفاشر، ولم يكن سعيدا بفقده 8 درجات من تكبيس المجموع، ودخل طب الخرطوم، وهو يذاكر دروسه على "تربيزة" ماكينة الخياطة، حين يكون متفرغا في إنتظار الزبائن، وقد تعّلم "الإمشكاكية" سراً دون علم والده عليه الرحمة، خشية أن يلومه إن فشل في التوفق في الشهادة السودانية، وعندما ضمن مقعدة في الطب، كل ما قاله له والده "أنت دا دربك مرق" وبإمكانك أن تواصل في الخياطة حتى حين فتوح الجامعات، لم يعمل "هيصة وزمبليطة" كما يفعل آباء "الشوفنية" اليوم، تخرج في كلية الطب متزامناً مع تخرجه في كلية الفنون الجميلة، وفي بداية حياته المهنية في بريطانيا، نال ثلاث زمالات الطبية الملكية في آنٍ واحد، إذ أنه كان ينهي الجلوس لإمتحان، ويحجز للإمتحان التالي، لأنه لا يريد تضيع الوقت في إنتظار نتيجة غير مضمونة، لذا نجح في ثلاث إمتحانات حسب مزاجه ووفق تقديراته للأمور.

أليس كوجان هذا مدهشا؟

هل قابلكم "زول" بهذه الطاقة الذهنية، والإستعداد النفسي، والإيجابية الخلّاقة، والإستقلالية الذاتية، وفوق ذلك التواضع الجم؟

وأضاف شاهد عدل

"نسيت أمر آخر .. كان من أبطال مدرسة دارفور الثانوية، يجيد كرة السلة والطائرة وتنس الطاولة وقد مثل المدرسة في الدورة المدرسية في عصرها الذهبي خاصة دورة الخرطوم.

بالله حواء السودانية ما والده؟؟

أول سؤال سأطرحه عليه في التواصل القادم، هو متى تنوى العودة لحضن الأم الرؤوم؟

//إبراهيم سليمان//

16 أغسطس 2020م

دوائر الوعي واللاوعي .. تحت دائرة النقد 1/5

 

دوائر الوعي واللاوعي .. تحت دائرة النقد 1/5

مقدمة:

رواية "دوائر الوعي واللاعي" للدكتور أحمد عامر جابر(دكتوراه الفلسفة في الفن، رسالة بعنوان: دور المؤسسات التعليمية والثقافية الأجنبية في تطوير الفن التشكيلي السوداني المعاصر، بريطانيا دراسة حالة، جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، 2016)، رواية واقعية محبوكة بحنكة، مكتوبة بلغة رفيعة ومفردة دقيقة، تحاكي أحداث الجزيرة أبا المأساوية في مارس 1970م وما ترتبت عليها من تحولات سياسية غيّرت الخارطة السياسية للبلاد، هذا السرد الروائي المتقن يعكس أيضا علاقة طائفة الأنصار بأئمتهم وأسيادهم آل المهدي (حسب التوصيف المستخدم). ويرصد السرد الفني الكثير من أدبيات العقيدة الأنصارية، وتراتوبية التواصل بين معتنقيها، وتعكس المتاهات الفكرية والعقائدية لجيل ما بعد "الضربة" لأبناء الأنصار.

دافعإهتمامي الشخصي بها، هو أنّ الأحداث محور السرد، كانت سبباً في هجرة أعداد مقّدره من الأهل والأقارب لجزيرة المهدي، تلبية للنداء "الإشاري" من قِبلأئمة الأنصار، والتي توقّفت بعد حادثة الجزيرة أبا، الأمر الذي جعل هذه الجزيرة "المقدّسة"، محطة لا يمكننا تجاوزها خلال تنقلاتنا من الغرب إلى البحر والعكس منذ معرفتنا دروب "النجعان" في نهاية الثمانينات.

ولولا الإرتباط الوجداني المتنامي بهذه الجزيرة الوادعة على الضفة الشرقية للنيل الأبيض وأهلها، والتي تمثل فسيفساء مصّغر لمكونات الشعب السوداني، لمّا تجرأت على محاولة تناول هذا العمل الروائي الفريد نقدياً، بعد أن تناولهاأساتذةفحول، ونقّاد أفذاذ لا قبل لنا بهم، من لدن الراحل الأستاذ/ أحمد عبد االمكرّم، والأستاذ عزالدين ميرغني، والبروفسير محمد المهدي بشرى، فقد تناولوا هذا العمل الرفيع إجمالاً، مما أغراني بعد تردد البحث عن الفتات في التفاصيل، والذي أجتهد ألاً يكون مخلاً، وأجهد نفسي الإلتزام بما ورد في السرد الروائي، وتحصين تناولي عما أعرفه عن النطاق الجغرافي وعلائق الأنصار بأئمتهم  وسادتهم، وعلاقاتهم المتينة والمتأصلة ببعضهم البعض.

 

 

دائرة لوحة الغلاف:

تتشكل لوحة الغلاف من ثلاث دوائر على خلفية بنيّة أو ترابية طينية، تتخللها أعلام حزب الأمة ذات الثلاثة ألوان الأسود والأحمر والأخضر على التوالي من الأعلى إلى الأسفل، إلاّ أنّ ألوان هذه الدوائر مختلفة في ترتيبها، فهي محاطة باللون الأحمر، الذي يحتمل الإشارة إلى أنّ هذه الدوائر، محاطة بالدماء، محفوفة بالتضحيات، وقد تكون المخاطر. ومن الملاحظ أنّ أعلام ورايات حزب الأمة وطائفة الأنصار على خليفة اللوحة، خالية من الحربة والهلال في وسطه، مما قد يدل أنّ العلم الحالي قد تم تعديله عن العلم وقت وقوع الأحداث. والمسافات بين الدوائر الحمراء والسوداء والخضراء، غير متساوية، قد تكون زمنياً أو لأبعاد أخرى.في بؤرة هذه الدوائر، كُتبت "رواية" باللون الأبيض، في رمزية للسلام والحب والصداقة، وهي الأوصاف التي نعت مؤلف الرواية نفسه بها. هذه اللوحة المختصرة والمعّبرة (الغلاف) عبارة عن لوحة زيتية للجزيرة أبا من أعمال المؤلف.

صورة المؤلف الشخصية على الوجه الآخر من الغلاف، من تصوير عواطف سليمان، ومن الواضح أنّهاأُلتقطت خصيصاً لهذا العمل الفني، وليست صورة وضعت عفو الخاطر على غلاف هذه الرواية، تظهر المؤلف يكمم فاه بثلاث أصابع من كفه الأيمن، واضعا السبّابة تحت عينه اليسرى، وهذه الوضعية تحتمل أنّ المؤلف قد شاهد الكثير، ورأى المثير ولا يريد أن يبوح بكل شيء.

يقول المؤلف وهو تشكيلي بارع، أنّ هيئة حرف وتصميم داخلي وخارجي من تصميمه، قد لاحظنا تنوع الخطوط المستخدمة، لكن مداركنا عجزت من إلتقاط الإشارات المرسلة من هذا التنوع أبعد من تبدل الحال، وعدم إستقرار الأحوال.

قبل ولوج أبطال الرواية مسرح الأحداث، يرسم المؤلف لوحات نصيّة كإرهاصات لحال البلد وأجوائها السياسية، لتجّسد صور المشهد العام الإستباقيلضرب الجزيرة الوادعة بالقنابل والمتفجرات، هذه الصور أفقية ورأسية ومعكوسة ومركزية وعامة وعابرة وجانبية، هذه اللوحات كتبت بلغة رفيعة يستعرض فيها المؤلف مقدراته اللغوية وإتساع آفاقه الخيالية، لذا جاء بعضها سرياليا معقّدا، وبعضها فوضويا متناقضاحد الإدهاش.

 

ماهية الدوائر:

غموض ماهية هذه الدوائر "الثلاث"، يدفع القارئ للهث وراء منعرجات السرد، لفك طلاسمها، وهى لا تخرج عن دوائر الشك واليقين، الدائر حول المعتقد الأعمى في "المهدية"، والكرامات الروحانية لأئمة الأنصار وأنجال الإمام المهدي وأحفاده، صراع المعرفة المجردة مع الخرافة، وهى لا تخرج عن مدارك الطفولة لشلة من أبناء الأنصار، إتخذوا من شجرة نيم وسطالحى محوراللقاءاتهم ونقاشاتهم الطفولية باحثين عن الحق بالحق، أساطير ومسلمات عقائدية تلقاها الراوي من رفاقه في شلة شجرة النيم، ومن "حبوبته" ووالده وأساتذته في المرحلة الأولية، تواجه تحديات مع توسع مداركه، وتسلل سبل معرفية ومصادر معلوماتية أخرى خَطِرةعلى دماغه المتفتّق. ينتقل مع الأيام وتتابع الأحداث من دائرة البراءة الطفولية، إلى دائرة النضج الرجولي المحرّض على التمرد.

دائرة المهدي الإقتصادية، التي أسسها الأمام عبد الرحمن بمباركة المستعمر الإنجليزي، وهى دائرة عمل طوعي "إشاري" شبه مجاني، هى أيضا بلا شك أ إحدى هذه الدوائر، لِما نالها من مساحة سردية كوميدية، أما الدائرة الثالثة المحتملة، فهى الدوائر الإنتخابية المغلقة، والتي يُصّدر لها نواب من المركز، ومنها دائرة الجزيرة أبا، التي أغلقت لمحمد أحمد المحجوب (المتفرنج) مرشح الإمام الهادي (المحافظ) في إنتخابات عام 1967م.

دائرة شخوص الرواية:

إختار المؤلف شخوص الرواية بما فيهم الراوي بدقّة، وحدد لكلٍ دورا واضحا، والأبطال محدودين جداً مما سهّل على القارئ الإمساك بخيوط الحبكة في جانبه المشهدي أو العروضي، فالبطل طفل نجيب سُمى الهادي على مسمى إمام الأنصار، يستمع للأساطير والبركات المهداوية من حبوبته أمكلثوم، ويتلقى المسلمات من والده وجده الدقم وأساتذته، وفي ذات الوقت يشحنه جده الدرّيب بالرأى المعارض، ويفّند المسكوت عنه في المعتقد الخرافي عن المهدية وأئمة الأنصار من وجهة نظره، وهو غالبا ما يكسب جولات الجدل الدائر بهذا الخصوص، وفيما بعد يستهدفه زمليه برعي الذي يكبره سناً ووعياً، بمعلومات تناقض المسلمات التي زُرعت في مخيلته، ليحوم الراوي بين الدوائر المتداخلة، في تنازع وحيرة من أمره.

دائرة شخصية البطل(الراوي):

ــ يجد الراوي نفسه قدرياً مسمى "الهادي" تيمناً بإمام الأنصار، وإستناداّ على الموروث الأسري المتعصب لآل المهدي كثيراً ما كان يجد نفسه مضطراً للدفاع عنهم، رغم لجاجة قناعاته. شاهد أعيان على ضربة الجزيرة أبا في مارس 1970م، صوّر مشاهد حيّة للمواجهات غير المتكافئة بين الأبطال الشهداء الذين يعرفهم معرفة شخصية، والآليات العسكرية وقاذفات القوات المسلحة السودانية المؤتمرة بأوامر جعفر النميري.

ــ  إعترف الراوي بعدم واقعيته في الحلم ببيوت مزخرفة لها شرفات كسرايا أبناء الأسياد بدون سبب.

ــ  يقول الراوي عن نفسه: "بإختصار إسماعيل كان هو الأقرب لي سناً وجواراً وطبعا" بطريقة فنيّة يتفادى الحديث عن نفسه، وإسماعيل هذا يصف الأنصار بالجماعة وليس بالطائفة، ويتهكم عليهم. إلاّ أن والد الراوي من أنصار الإمام الهادي، بينما والد إسماعيل من مؤيدي السيد الصادق، وبالطبع أنعكس هذا التباين في قابلية كليهما في الإنكفاء والتعّصب والإستعداد المبكر للإنعتاق.

ــ خاب أمل الراوي ولم يتم له المراد فيرؤية والتعّرف على أفراد أسرة الإمام بسبب الضربة التي وقعت مساء اليوم الموعود للمقابلة. ذلك الوعد الذي فاخر به رفاقه في شجرة النيم وسط الحي (محور لقاءات شلة الطفولة وحافظ سر نقاشاتهم البريئة).

ــ يكتشف الراوي أنّ أحلامه المتعلقة بآل المهدي أضغاث أحلام ونرجسية ووهم.

ــ بصورة ملحوظة، يحرص الراوي على تبيان الميمنة والميسرة في توصيفاته. يقول عن نفسه: "التقيت أنا الذي ساقتني رياح الأيام يساراً ويميناً ثم وسطا أو شرقا وغرباً بنجوى عبد الصادق.."

يحتمل هذا الترميز، مسيرة متاهات الراوي الفكرية، التي إنتهت به إلى الوسطية.

ــ يقول الراوي عن نفسه: "فجـأة غاصت قدمي اليمنى في طين موحل" أى انه غرق في مأزق عقائدي أصولي ومتعصّب.

يتبع ....

دوائر الوعي واللاوعي .. تحت دائرة النقد 2/5

 

دوائر الوعي واللاوعي .. تحت دائرة النقد  2/5



دائرة البناء السردي:

تبدو الرواية ضيّفة في حيزها وإتساقها الزمني، إذ ينساق السرد الروائي بصورة مسّطحة وليست سطحيةلهُنَيْهَةقبل بلوغ الذروة، والتي جاءت حادة ومكثّفة بالأحداث والمشاهد التراجيدية حد الإنفجار، ثم يتنفس القارئ الصعداء، لفترة قصيرة، قبل أن ينغمس مرة أخرى في إكتئاب الراوي بسبب فاجعته المتتالية في زملاء طفولته، نجوى عبدالصادق، الابنة الوحيدة لسائس الخيل التي فيما يبدوقد إنتكست عقائدياً وفكريا،ورحيل إثنين من أعزّ رفقاء طفولته، وهما إسماعيل وبرعي في الغربة وبنفس الطريقة المأساوية، الموت في حوادث حركة في فترتين متقاربتين، هذه الفواجع، أكبر مما يحتملها قلب بشر، لذا فإنّ رواية (دوائر الوعي واللاوعي) تعتبر رواية تراجيدية بإمتياز.

دائرة الأساطير المهداوية:

يرصد القارئ للرواية، الكثير من الأساطير والخرافة التي تكتنف العقيدة الأنصارية منها:

ــــ يقول الراوي "طريق الكرامات الذي حوّل كما قال جدي الدّقم فروع السنط وجذوع شجيرات العشر لسلاح!" وقد وضع الراوي أمامها علامة تعجب.

ــــ شجرة الحضرة في وسط الجزيرة أبا "كانت تقف في فناء بيت شبه مهجور شجرة سمعنا ذات يوم أنها مهبط أصل البشر، آدم وحواء، وهناك كان من يسمى الشجرة ب "شجرة الحضرة".

يشير السرد إلي تيّبس جذور هذه الشجرة التي حوّل بعضهم حطبها لنار وقود في ذات العام".

ربما يلّمح الراوي إلى بداية نهاية العقيدة الأنصارية، أو ضياع هيبة وقدسية الجزيرة. سيما وقد تردد قول: "أحسبوا أيام إمامكم".

ــــ يقول أحد شخوص الرواية: "وليمون جنينة سيدي ترى بركة كثيرة خلاص!" وضع الراوي أمامها علامة تعجب أيضا.

ــــ ترعة ساوي: "وهنا في الجزيرة المسجلة باسمه سمعت أن "ساوي" الترعة الفاصلة بين أحياء مركز الجزيرة وحىأرض الشفاء جنوبه كانت هي نقطة مفترق ما بين كنعان وأبيه ومن معهما".

وكنعان هو ابن نوح الذي رفض الركوب معه في السفينة.

ــــ أسطورة مركزّية جامع الكون. يقول الراوي: ".. فعلى مقربة مني كان  يقف جامع الكون الذي لم يسميه حفيد المهدي إعتباطاً."

ــــ أسطورة الجزيرة أبا. يقول الراوي "خاطرة تمثلت لي فيها الجزيرة أبا كخريطة كنتورية أو تخطيط سريالي لعين آدمية. عين تلوح لي في الأفق الشرقي بمحازاة نجم مذنب بداّ يظهر في تلك الأيام تاركا في الناس شعور مبهم."

شرب الراوي هذه الأسطورة، فإنعكست في أحلامه الطفولية. والأفق الشرقي هو كبري الجاسر، ثغر الجزيرة التي عبرت منها القوات القاتلة، ويعتقدون أنّ "الإمام الغائب" سيأتي من تلك الناحية.

يعتقد بعض شخوص السرد، أنه يأتي يوم يكون فيه شوال من تراب الجزيرة أبأ تمن قنطار ذهب، ويرون أنها مثل المدينة المنورة مقاصدة قبة في السماء فيها الدعوة مستجابة.

ــــ صلاة الإمام عبد الرحمن في الهواء ".. صلى ركعتين شكرا لله على تلك المصلاة، .... أضافت انه عاد بعد صلاته مشياً على الهواء إلى داخل الطائرة .."

ــــ بركة رؤية الإمام. من المقولات المتداولة وسط الأنصار عند إستقبال الإمام "الإمام جاالشافو الله أدا" وقد وصف الراوي هذا الهتاف بنشاز، قد تكون من وجهة نظره. وكذلك يقول الراوي: ".. آثرت الجموع عندها نيل بركات بإلقاء نظرات في وجه الإمام قبل مغادرته."

لذا ليس غريباً أن تزغرد النساء حبوراً ونشوة برؤية الأطفال الذين رأوا الإمام عند ترجله مع عائلته عن مروحيته.

ــــ أسطورة اسم المهدي الانكتب في بيض الجداد وورق الشجر وفي الحجر!

ــــ أسطورة طي الأرض لمدمدم، الرجل الصالح.

دائرةالحيز المكاني:

ــــ ترسم الرواية صورة طبوغرافية وإجتماعية واضحة المعالم لجزيرة المهدي، تصوّر مسجدها الكوني كسُرة الأرض، وغارها المقدّس كقدسية غار حراء .. يحوم السرد حول قصرها المنيف وتنبش أثاثها الفكتوري ذي الطراز الروماني الفخيم، .. تجوب الرواية حدائقها الغناء المشابهة لحد كبير حدائق الهايدبارك محتوىً وتنسيقا .. تترجم نغمات طبولها وآلاتها الموسيقية الغربيةالصنع .. تكشف عن مخابئها السرية ومطارها المبارك .. تقف تحت شجرتها المقدّسة، شجرة الحضرة .. تعّرف بأعلامها من أهل البيعة ..أبرز نسائها .. أشهر مجانينها وأوليائها الصالحين .. فرسها المؤصل ود جبسن، وفرسانها وشهدائها .. طرقها الرتيبة وجسرها الأسطوري وترعها الرطبة.. أسماء أحيائها المباركة .. قراها وأريافهاالتي تدور حول كوكبها دون إمتعاض.. تعّرف بقبائلها، قبائل المهاجرين والأنصار.. تصف شكل وأنواع أحذية أهلها، التي تعكس حالة بؤسهم .. تفّند مزاج ساكنيها .. تدافع عن ترابها الذي يساوي ذهبا .. ترسم بيوتها الباهتة، "المزبلة"والمشتاقة للطوب الأحمر .. وتوضح كيف إزدانت وتوشّحت بريش طاؤوسي عند زيارة الملك فصيل برفقة المحجوب لها، تضرب بالقنابل، ولا يزال دوي أصداء "اللاءات" الثلاث تتكسر في سماء العالمين العربي والإسلامي .. صمودها تحت وابل المتفجرات، وتحديها للقنابل التي همدت في ترابها المبارك ..يصفها الراوي بالنرجسية، وهىتبدو كذلك رغم صورتها الوادعة، فهى مركزية الهوى، محورية المزاج، لا تترك شيئا من القدسية والطهر لسواها من بقاع الأرض، تزاحم البقاع المقدسة في الحجاز ..وربما يقصد الراوي بطرف خفي نرجسية أسيادها.

يتبع ....

دوائر الوعي واللاوعي .. تحت دائرة النقد 3/5

 

دوائر الوعي واللاوعي .. تحت دائرة النقد 3/5



دائرة الوصف الجمالي والترميزي:

ـــــ بصورة ملفتة، حرص الراوي على التشبيهات البيئية، سيما التوصيف الشجري، في تقريب هيئة وشخوص الرواية، وهو تدليل على وعيه وإهتمامهالبيئي، وربما إرتكازاً على أنّ الجزيرة كانت في الأصل عبارة عن غابة سنطية مطيرة،

ـــــ يقول الراوي: "وكان الفارق بين الإثنين بعد الحسب والنسب أو الجاه هو أن للفكي عيسى بشرة بلون لحاء شجر الطلح بُعيد الشروق بينما بشرة الإمام بلون لحاء السنط في عين النهار."

والسنط هنا قد يشير إلى الإصالة بالنسبة للجزيرة، والنهار ربما يعني التقدم على الشروق، أي أن الإمام الهادي متقدم على الفكي عيسى الهوساوي في أشياء كثيرة غير الحسب والنسب والجاه.

ـــــ يصف المؤلف صورة معكوسة في مشهد البلاد كفاتحة للسياق الزمني للأحداث، يقول: "رجل طويل بلون ساق نخلة جاف يرتدي جلباباً قصيراً وحذاءً من جلد نمر قديم."

هذه إحدى المشاهد السريالية المضحكة والمتناقضة، يبدو لنا رجل يخلط بين الدين (الجلباب القصير) والبرجوازية المهترئة (جزمة من جلد نمر) يتسوّل سياسياً بهاتين الصفتين، فتأمل؟

ويستمر في ذات النهج، موظفاً الأشجار والثمار في التوصيف حين يقول: "وفي تلك الأثناء مر بجوار الرجل شاب بلون البلح "البركاوي"

وإذا حاولنا ربط الوصفين، فلون ساق نخلة جاف، ولون البلح البركاوي، كليهما لون فاتح، أي أنّ الشخصيتين من جنس واحد، وهو أقرب للون بشرة أهل الشمال النيلي.أحدهما يتسول، والآخر يعطي بسخاء.

نقول هذا، لقناعتنا، بأنّ زمن الراوي البريء، الذي يرمي الأوصاف على عواهنه قد ولى.

ـــــ مرة أخرى يلجأ المؤلف إلى توظيف الأشجار في توصيف شخوص عابرين على مسارد الرواية حيث يقول: "بناحية الكنيسة المجاورة شمالاً شاب بلون الأبنوس المنحوت،".

حدد هويته أنه جنوبي، يصوره على أنه يدور في فلك شرطي المرور ويتعامل بردة فعل على ما يقوله غيره، هو ترميز لا يحتاج إلى مزيد شرح.

ـــــ يصف الراوي جدته الثريا قائلا: "تلك السيدة الآخذة من نخيل النيل الباسق طوله! ومن شجر أبنوس البلاد الريان صلابة عود وبهاء لون!"

فعلا هذا الوصف يستحق علامة تعجب جاد بها الراوي في نهاية الوصف. وهو وصف، ولا أورع.

ـــــ يشير الراوي إلى متاهة أزياء الفرقة الموسيقية للإمام، حيث يقول: " .. يرتدي أعضاؤها زيا شرق ــ غربي أبيض متمثلاً في بناطلين وأقمصة بأكمام طويلة، وأحذية سوداء مع عمائم تتدلى من جنباتها أعلام حزب الأمة. وأحياناً كان يلبس أعضاء الفرقة تنوراتأسكتلندية خضراء مع أحذية سوداء وجوارب بيضاء تمتد لأول الركب! وكان العم شايبو يضع ذات الأعلام في أكثر من موقع وبأكثر من حجم على شكل جبة ال "على الله".

علامة التعجب التي وضعها الراوي بعد وصف النوع الأول من زي الفرقة الموسيقية، تشير بجلاء إلى متاهة الهوية والإنتماء الثقافي للأنصار، ومحاولة أئمتهم إبقاء رِجل على الإصالة، وتقديم أخرى إلى الحداثة، وربما نوع من التملّق الناعم للتاج الملكي البريطاني.

ـــــ يصف المؤلف إرهاصات حالة البلد قبل أحداث الجزيرة أبا الكارثية في مارس 1907م، أما داخل الجزيرة "المقدّسة"، فوصف حالتها جاء على لسان الراوي، في رمزية فنيّة، إرتقى بهذا العمل الروائي إلى مصاف الإبداع العالي، حيث قال الراوي واصفاً الأقدار التي زجّت به كطفل ليكون شاهداً على ولادة أحداث غيّرت مجرى التاريخ ربما للأبد، قال:

قلت "ما هذا"؟ ما هذا؟ ربما هي فتاة حديثة العهد بالولادة تضع مولوداً! نعم لابد أن يكون الأمر كذلك. ويستمر في سرد وقائع التلصص الطفولي القدري على ولادة فتاة بكرية، يقول الراوي: "وها هي قد تلبدت بالغيوم مجدداً وأظلمت. إذن ليس بوسع أحد رؤيتي. لابد أنها ستمطر بعد قليل." ويضيف: بينما كنت أسترسل في كل هذا وذاك بدأ النسيم يعبث مجدداً بالأشياء ليأخذ أطيب ما في قوارير النساء ليخلطه بروث البهائم ورائحة العشب الندي ويؤلف بين كل الأشياء. في بادي الأمر ظننت أنه شيء طبيعي كالذي يحدث دائماً في هذه الجزيرة الساكنة. فطبيعياً ما كان ينفحنا النيل الأبيض بنسمات تحمل معها خليطاً من روائح الطحلب والسمك الطازج مع شذى عطر ما بخلفية أريج ثمار الليمون والبرتقال واللارنج."

هذا المشهد المعقد، شكّل للراوي أبو كبّاس على حد وصفه، وهو يستغرب عدم معرفته بالحبلى الغريبة التي لم يسمع بها، وما دراه أنّ الدنيا أنثى، تلد بلا درّة؟.

ـــــ يستمر الراوي في التجلي الجمالي: "إذن حاصري أيتها الغيوم بذرات نداك جحافل النجوم وليتلألأ لدّنك اللازوردي في حضرة النور الإلهي الزاهي، نور الحكمة، مصدر كوني، فهذه الجحافل تأفل وأنا لا أحب الأفلين. قلت!"

اللازوردي أي الأزرق السماوي اللامع حسب تعريف وكيبيديا،هنا يبدو لنا أنّ الراوي يحّرض الغيوم لتحاصر النجوم ليتجلى سيده أو جزيرته المقدّسة.إلا أنه يستسلم لحتمية زوال الرموز الروحية مهما تعاظمت، وهو يعبّر عن بغضه الشخوص العابرين، حين يقول "أنا لا أحب الأفلين" أى يؤكد رسوخ معتقده، وتبرؤه من عبادة الأشخاص.

هذا الترميز الوصفي العالي والمعّقد، يحتاج وقفة مطولة لتأمل تركيبته الجمالية، وأبعادها الروحانية، وتدارك فحوى التعجب والإستغراب.

ـــــ يصف الراوي مشهد إستشهاد فارس مغوار وفرسه المقدام على جسر الجاسر، ثغر الجزيرة المتبسم قائلا: ".. ونبل فرسه الأصيل الذي سقط بجانب صاحبه على الجسر حيث حاكى ماء النهر بجنبيه عسجد سماء أصيل تلك الجمعة!"

أى أن ماء النهر، عكس لون سماء الأصيل الذهبي (عسجد) على سطحه، ولا يستطيع ماء النهر محاكاة عسجد السماء إلاّ إذا كانت صافية من الغيوم، كما ليس بإستطاعة النهر أن يعكس عسجد السماء، ما لم يكن حزينا مستقر السطح. مما قد يعني وضوح الحق والباطل في تلكم المعركة.

ـــــ يصف الراوي شمسية الإمام، التي تحوّلت في لمح البصر إلي أداة للردع قائلا: "لأن الشمسية قد تحولت من قبة قماش أخضر فاتح كانت تجول في الفضاء كفراش غيط حائر قبل ثوان لعصا من نوع خاص."

هذا الوصف لا يخلو من خيال خصب.

ـــــ يقول أحد شخوص الرواية وهو يصف ذكريات لحظة مؤلمة : "والله يا أنصار الله كل ما أطرا يومي داك شعر راسي بقوم لي فوق مثل جلد أب شوك البطران".

تقريب مشهدي موفق للغاية.

ـــــ يصف الراوي مشاعره وهو يستمع لمجاهد أنصاري جريح و راكز المعتقد بقوله: "لكني في ذات الوقت استسلمت لأجواء فرح آثر حفزه ابتسامه رضا هلت كقوس قزح على وجه الرجل المصاب الذي زادني تعقيبه على قول سابقه "المؤمن مبتلى!" حبوراً جعلني أشعر بأنني قريب منه بأدنى من قاب قوسين."

ـــــ بعد يوم الضربة، يجتر الراوي مفردات تعودت أذناه على سماعها منها "روح الحى سبيبة وروح الميت تبلدية".

وحسب السياق الحدثي، فالسبيبة هنا تشير إلى التخفي وعدم الوضوح، والتبلدية عكس ذلك تعني الإنكشاف وإستحالة أن يخطئها المستهدِف، سواء إن كانت شظية أو متفجر، أو رصاصة قناص أو يد المنون.

ـــــ يقول الراوي: "أما أنا فقد كنت أجلس على مصلاة الجلد التي هيأها من آخر أضحية".

هذا الوصف يبدو متكلف "للفروة"، كأثاث له مكانة خاصة في كافة بيوت الأنصار والأسرة المتديّنة، سيما وقد ورد ذكرها "الفروة"في موضع آخر.

ـــــ يصف الراوي العقيدة الأنصارية ب "السلفية الطابع"، لا نظن أنّ الأنصار يرتضون بهذا التوصيف، كما لا نظن أنّ سلفية اليوم يقبلون بأنصار الإمام المهدي ضمن حيازتهم الدينية.

ـــــ بعض كلام الدّريب بلهجة البقّارة يحتاج شرح وتوضيح.

يتبع ....

//إبراهيم سليمان//

6/أغسطس 2020م

دوائر الوعي واللاوعي .. تحت دائرة النقد 4/5

 

دوائر الوعي واللاوعي .. تحت دائرة النقد 4/5



دائرة سيف "النصر" الأسطوري           

ــ من الأساطير المهداوية الراسخة، أنّ الإمام المهدي قاتل الكفار بسيف مهدى له من النبي (صلى الله  عليه وسلم)، إتخذ كلٍ من جده الدرّيب المشكك في العقيدة الأنصارية وصديقه برعي، من هذه الدائرة مدخلا لمحاولة إنتشال الراوي من دائرة اللاوعي إلى دائرة الوعي.

ــ إزدادت الشكوك في ماهية هذا السيف، بعد الجدل المثار حول إهدائه للملك جورح الخامس من قبل الإمام عبد الرحمن خلال زيارة سفر الوفد. دائرة السيف هي دائرة متداخلة بين الوعي واللاوعي، يقول الراوي: "إزاء هذا تراوحت مشاعري بين ثنائية الوعي واللاوعي! الآن وعيي يسود على لا وعي! والآن! نعم، الآن وعي يقول بعبارة جدي الدّقم "السيف سيفين! سيف هول الله وسيف هول عبد الله".

ــ إحتار الراوي في ماهية السيف الذهبي الذي يقال أنه عُثر عليه ضمن المضبوطات بعد إغتيال الإمام الهادي، فقد قيل أنّ الإمام إستشهد أثناء مقاومته محاولة إعتقاله بالسلاح الناري وليست ببركة سيف النصر المزعوم أنه هدية من النبي (صلى الله  عليه وسلم) لجده الإمام المهدي، حيرة الراوي مردّها إن كان الإمام الشهيد يعتقد في صحة هذا الإدعاء، فمن الأولى أن يقاتل به عند المحك الأخطر في حياته، بدلاً عن السلاح الناري.

هذا التشكيك، أدخل الراوي في عصف ذهني وحيرة خلال حيز زمني ليس بالقصير من طفولته. هذا التشكيك الضروري للوعي بدد له صورة نجل المهدي التي رآها في منامه ممتطياً صهوة فرسه "ود جبسن" وممتشقاً سيف النصر. يستدرك الراوي قائلاً: "لكني لم أتخيله أبداً متجهاً عكس الشمس بسيف أبيه كما أخبر برعي."

أى في نظره أنّ الإمام قد إنتكس وخجل من مواجهة شمس الحقيقة.

دائرة التضارب والتناقض:

ــ نقل الراوي عن مصدر خارجي ضمن المضبوطات مقتل الإمام الهادي "سيف مقبضه من الذهب الخالص ومكتوب عليه هدية من الملك جورج الخامس للسيد عبد الرحمن المهدي سنة 1925"

المعروف تاريخياً والمتداول، أن سفر الوفد كان عام 1919م، رغم الإشارة ضمن السرد الروائي، أنّ السيف سيفان، فالسيف الهدية الثانية غير معروف تاريخياً، وما هى مناسبة إهدائه من قبل نفس الملك بعد ست سنوات من الهدية المعادة للسيد عبد الرحمن أثناء الزيارة التاريخية؟ وليس مستبعداً أنّ الجهات الضابطة قصدت التشكيك في قدسية سيف النصر، بقولها الضمني، أنّ الإمام الهادي فضّل سيف الملك جورج على سيف المزعوم هديته من النبي (صلى الله  عليه وسلم) لذا لم يحمل الأخير معه، وفضّل القتال بالسلاح الناري من القتال بأي من السيفين،كما من الجائز قصدالجهات القاتلة تبرير إطلاق النار على الإمام لأنه قاوم بالسلاح الناري.

ــ يذكر الراوي أنّ بعض الأنصار يصفون الإمام عبد الرحمن ب "صاحب الروح" ويعتقدون أنه المسيح عيسى بن مريم، ويقول: "من أقوال جدي الدّقم التي صادفت هوى في نفسي وقتها وصفه الإمام الهادي ب "صاحب الروح". هذا الخلط إن لم يكن من الراوي، يظهر عدم جدّية العقيدة الأنصارية، إذ أن هذه الصفة غير قابلة للتوريث عقائدياً.

ــ يذكر الراوي أنّ عبارة "الله أكبر على من بايع وأنكر" من أتباع الإمام الهادي في ذم أتباع السيد الصادق الرافض لتولي عمه زعامة الحزب والأنصار معاً. والدرّيب يراهم رأسين لابسين جبة واحدة. وفي موضع آخر يوضح السرد أنّ الهتاف كان يردد في وجه النميري الذي تنّكر حسب وجهة نظرهم لعقيدة أبيه وحق جوار أسرة الإمام، كان ذلك في مدنية أم جر على النيل الأبيض في مستهل زيارته التاريخية التي مهّدت لضرب الجزيرة أبا في مارس 1970م.

المعروف أنّ إنشقاق حزب الأمة إلى جناحين كان قد حدث خلال إنتخابات عام 1967 وإنقلاب النميري كان في مايو 1969 فإن تكرر ذات الهتاف، قد يعني أنّ السيد الصادق في نظر أنصار الإمام الهادي في مرتبة عداوة النميري.

ــ في موضع يقول الراوي: "في صباح الثلاثاء 31 مارس 1970 بدأ يتناقل من صمد في داخل المدينة معلومة تقول بتوجه المواطنين المتواجدين بمنازلهم إلى خارج الجزيرة.

ــ ويذكر في موضع آخر أنّ مقتل الإمام الهادي بسلاح ناري كان نهار الإثنين 31/03/1970م قرب مدنية الكرمك.

والصحيح أن هذا اليوم يوم الثلاثاء وليس الإثنين، ولأهمية هذا اليوم التاريخي، ليس مستبعداً أن أنصارالإمام الهادي تعّمدوا تزوير هذا اليوم لأسباب روحانية تتعلق بأفضلية يوم الإثنين على يوم الثلاثاء.

يتبع ....

//إبراهيم سليمان//

6 أغسطس 2020م

دوائر الوعي واللاوعي .. تحت دائرة النقد 5/5

 

دوائر الوعي واللاوعي .. تحت دائرة النقد 5/5

دائرة الشكوك والإستفهامات:

تشكك الرواية على لسان شخوصها في عدة حقائق وترتاب من عدة مسلمات لدى أنصار الأمام المهدي، منها:

ـــ يشكك جد الراوي الدريّب في مهدية المهدي، وهو في معتقده ليس أكثر من كونه "زولاً صالح من ناس الله وفارساً فحل".

ـــ التشكيك في نزول "سيف النصر" من اللدن النبوي (صلى الله  عليه وسلم).

ـــ التشكيك في إهداء الإمام عبد الرحمن سيف جده "سيف النصر" للملك جورج الخامس.

ـــ تشكك الرواية في "شرف الرأس واللسان ال ما بيصل البطن والكرعين" أي التشكيك في شرف آل المهدي الذين لا يتشرفون بأصولهم من جهة والدة السيد عبد الرحمن المهدي.

ـــ التشكيك في تّديّن الإمام عبد الرحمن

"لذلك كان يرى برعي أن يرتدي نجل المهدي طربوشاً كباشوات مصر لكن ليس مكاوية كعلماء دين!"

ـــ التشكيك في مقتل الإمام الهادي، تشير الرواية، إلى أنّ مقولة "الإمام الغائب" أطلقها السيد الصادق المهدي والشريف الهندي وبعض أبناء الإمام والإسلامين، لأغراض سياسية، وكذلكالإعترافبإستشهاد الإمام ونقل رفاته إلى ام درمان.

ـــ نشيد الأنصار يشكك في أنصاريتهم، ويصفون أنفسهم بأنهم تُبع للإمام.

"نحن جند الإمام، تابعين الإمام، لي إصلاح الوطن، ولي النفوس العظام"

ـــ تكّذب الرواية المعروضات التي عرضتها سلطات مايو على أنها مضبوطات في غرفة نوم الإمام الهادي بقصره بالجزيرة أبا بعد إجتياحها.

ـــ تشكك الرواية في نوايا آل المهدي وموقفهم السالب من التعليم النظامي لأبناء الأنصار.

ـــ تطرح الرواية شُبهة مكر إستقطاعي من آل المهدي حيثياتها تزوير بيانات عمال الدائرة بدافع تعقيد تعّرف ذويهم عليهم فيما بعد.

دائرة الإستفهامات:

شأنها وشأن أي عمل روائي متقن، تطرح رواية (دوائر الوعي واللاوعي) عدة تساؤل، ملقاة على قارعة الأسطر، وما خلفها، وعلى القارئ أن يلتقطها ويبحث لها عن أجوبة. من هذه التساؤلات:

ـــ يطرح السرد الروائي إستفهامات حول أجور ورواتب عمال دائرة المهدي الإقتصادية، التي يقال أنها دفعت للإنجليز فداءً لإستقلال السودان؟

ـــ يطرح السرد الروائي إستفهامات حول الأصول العقارية لآل المهدي بلندن؟

ـــ يطرح السرد الروائي تساؤل حول متى وكيف إكتسب الإخوان المسلمون خبرات قتالية أهلتهم لتولى التخطيط والقيادة العسكرية خلال مواجهة الأنصار مع النميري في مارس 1970م؟

الإجابة على هذا التساؤل يعود فقط إلى الشهيد محمد صالح عمر، عضو جماعة الإخوان المسلمون والذي التحق بالمقاومة الفلسطينية الجناح العسكري لحركة فتح. رجع الي السودان في عام 1969 بعد وصول جعفر نميري الي السلطة بمساندة من الشيوعيون في 25 مايو. انضم لمعسكر أنصار الامام المهدي في الجزيرة أبا بالنيل الأبيض. استشهد في مارس 1970م أثناء المعركة بين الأنصار وجيش الحكومة بمدينة ربك علي النيل الأبيض.

ـــ يطرح السرد الروائي تساؤل حول المسؤول من مقتل الإمام الهادي، خلال أربعة أيام فقط من بدء المواجهات (صلى بأنصاره صلاة الجمعة يوم 27 مارس في جامع الكون وقتل يوم الثلاثاء 31 مارس)، هل هم الإخوان المسلمون الموكل إليهم القيادة والتخطيط، أم الأنصار الموكل إليهم توفير المقاتلين؟

ـــ تطرح الرواية تساؤل حول عدم إنفجار معظم القذائف الملقاة على الجزيرة أبا في مارس 1970؟ أهى بركة المكان، أم أنّ الضرب كان بمتفجرات رخيصة الثمن، معطوبة التصنيع؟

ـــ يطرح السرد محاولة الشيوعيين تجيير فكرة دائرة المهدي الإقتصادية لصالح الطرح الإشتراكي الوجه الإقتصادي للشيوعية، كمدخل لإستهداف أبناء الجزيرة أبا بعد الضربة.

ـــ تطرح الرواية تساؤل حول لماذا حوّل الإمام الهادي والمحجوب زيارة الملك فيصل للسودان، إلى شأن  وتكّسب حزبي ضيّق؟

ـــ تطرح الرواية تساؤلات شتى حول إستغراب وأسى أبطال الرواية من وعي نجوى عبد الصادق السياسي والإنساني؟

خارج كواليس مسرح الأحداث:

الفصل الأخير من الرواية خارج الحيز الجغرافي، حيث قفزت المشاهد من أحياء أم درمان العريقة إلى ركن المتحدثين في حديقة هايدبارك، وشوارع وسط لندن، و بعد حيز زمني قارب الثلاث عقود من وقوع أحداث المشاهد الرئيسية، في تقديرنا أنّ مضمون هذه الخاتمة، تبدو و كأنها عروض خارج الكواليس لأبطال الرواية، بعزلٍ عن "الكومباس" و كان من الأفضل أن تكون نواه لعمل روائي منفصل مكّمل للدوائر، سيما وأنّ المشهد يبدو مختلفا رغم محاولة تقريبها، حيث يظهر في الخلفية أشخاص عابرون بملامح لا تتسق مع المشاهد السابقة.

كل من يقرأ الرواية، سيتعاطف مع الإمام الهادي في مواجهة عدوانية النميري، وإستخدامه للعنف غير المبرر في إستهداف المدنيين العزل في الجزيرة أبا، وقد لاحقهم خارج الجزيرة عدواناً وبغيا، ويتضح أنّ المواجهة بين الإثنين عقائدية أكثر من كونها سياسي.

عن هذه الرواية الفريدة المحتوى، المضغوطة السبك، يكمن كتابة سفر موازي لحجمها نقداً وتشريحاً، وهى ذات مشاهد وفصول وشخوص درامية، تحّرض على تحويلها إلى عمل سينمائي توثيقي، وتستحق أن تدرّس لطلاب النقد الأدبي بأقسام اللغة العربية، لما تحتويها من جماليات تصويرية وترميزية موظفة بصورة فنيّة ممتعة رغم تراجيديتها.

ـــــــــ انتهى ــــــــ

6/8/2020م