الخميس، أكتوبر 24، 2019

د. سعاد موسى .. تتألق عالمياً في سماء أفريقيا


د. سعاد موسى .. تتألق عالمياً في سماء أفريقيا

 
لا يعرف طعم النجاح، إلاّ من تكّبد رهق السهر، ولا يدرك قيمة التفوق، إلاّ من ذاق طعم الإحباط، ولأن ينجح المرء من أول محاولة، فإن ذلك محال أن يكون ضربة حظ، أو من حسن الصدف، الكثيرون من المبدعين يُكْتَشَفون  بالصدفة، وقد يكون متأخراً، نظن أنّ الدكتورة النابهة سعاد مصطفى موسى، ابنة مربي الأجيال، التي تربّت في ربوع مدينة الفاشر، وانغمست في العمل الطوعي الإنساني في غرب السودان ووسطه وشرقه، منذ بواكير تخرجها من جامعة الخرطوم، كما عملت في ذات المجال في منطقة القرن الأفريقي، قبل أن تهاجر مع أسرتها إلى المملكة المتحدة، نظن أنها واحدة من مبدعات السودان وأفريقيا والعالم، في مجال سبر أغوار العلوم الإنسانية، هيأتها طبيعة البنية الاجتماعية الدارفورية، وأسعفتها مقدراتها المبهرة في مجال البحث السوشيلوجي العلمي، والاهتمام بالتنمية الريفية، وتنمية المجتمع، لتستكشف الرابط بين المرأة والحرب، فتعكس الأبعاد المخبأة والدفينة للصراعات المسلحة في اقليم دارفور، وتلكم التي أوقدت اوارها حكومة الانقاذ في عموم السودان، كنموذج لمعضلات القارة الأفريقية.
في أبريل 2018م، أصدرت الباحثة سعاد، والتي نالت درجة الدكتوراة من جامعة برادفورد بالمملكة المتحدة عام 2011م، كتاباً طبعته ونشرته دار جيمس كيري، احدي الدور العالمية للنشر الأكاديمي ببريطانيا، لتدشنه جامعة اكسفورد في اكتوبر 11، 2018. هذا الاختيار الإبداعي المزدوج والموّفق، المعّنون: (hawks and doves in Sudan's armed conflict. Alhakkamat Baggara women of Darfur) المترجم الي "صقور وحمائم في الصراع المسّلح في السودان، الحكّامات في دارفور"، رغم تعقيده، حثّ اللّجنة المشرفة على جائزة الكتاب العلمي Aidoo-Snyder الأمريكية على منح كتابها، من بين قائمة مختارة من كتب عالية القيمة، سديدة المنهج، تعالج شؤوناً افريقية عدة، منحه الجائزة المتفردة لهذا العام 2019م على مستوى العالم كأعتراف عالمي لدور وقدرات الكاتبة الأفريقية الفذة، كما دشّن منتدى أجندة مفتوحة، الكتاب في إحتفالية مؤثرة بحضور الجالية السودانية بلندن، وذلك قبيل أسابيع قليلة من إعلان هذا الفوز غير المفاجئ، للذين إطلعوا على محتواه السياسي الفلكلوري، ومنهجه الصارم.
استطاعت الدكتورة سعاد مصطفى موسى، عبر هذا الكتاب الماتع، رغم بعض الإبعاد المأساوية، والمفارقات المنطقية، إستطاعت أن تعيد قضية دارفور ومحنة أهلها، إلى الواجهة العالمية، هذه المرة ليست بأبعادها الإنسانية فحسب، والتي لا تزال جرحٌ ينزف، وإنما من خلال لفت الأنظار إلى أنّ هناك أيضا باحثات متمرسات وجادات من بنات الإقليم وعموم الهامش، من هنّ قادرات على الإسهام في صقل التجربة الإنسانية في أفريقيا، من خلال النظرة الموضوعية للظواهر السالبة، بغية توجيهها إلى مسارها الإنساني الإيجابي والمفيد.
فرّق الكتاب بين الإثنية ethnicity  والعرقية race، وأوضح كيف أنّ سلطنات دارفور السابقة كانت، تتبنى التعددية الثقافية، وأنّ التمثيل السياسي للمرأة، كان حلقة أساسية ضمن هرمية السلطة، وفنّد بدايات الحروبات في دارفور، وأرجّع دوافع تطورها إلى سياسات النخبة الحاكمة، التي قصدت وأوجدت فراغاً مهنياً، ومحدودية سبل كسب العيش خاصة للشباب، وتحويلها دارفور، إلى مورد بشري للتجنيد العسكري الرخيص. من هنا يبرز دور الحكامات، المتمحور حول التحشيد للفروسية والكرم والأخلاق الحميدة، ولكن نظام الإنقاذ اجتذبه االدور التحشيدي والتعبوي للحكامة، فاستغله في حرب الجنوب، وحروباته في الهامش، من خلال تنظيمهن مع الشيخات، والاحتفاء رسمياً بهن، وتسليط الأضواء عليهن، ورفع شأنهن إعلامياً، والسيطرة على الإدارات الأهلية، وعقد فعاليات لإعادة توجيه رسالتهن، بحيث تتماشى مع خطاب الإسلام السياسي البراغماتي. هذا التحول الذي أحالهن إلى صقور محضة، واخفت أدوارهن كرسل فاعلين للسلام، رهناً بالظروف والمناسبات.
لم تغفل الكاتبة كيف أنّ الحكومة المركزية ضربت مجتمع دارفور في كرامته وثقافته، وخلصت إلى أنّ الحكّامة وظيفة خلقتها البيئة والمجتمع، كصوت إستغاثة وحماية لكيان العشيرة، وتطورت إلى رمز للإبداع والكفاءة.
جاء في حيثيات اللجنة المانحة للجائزة بشأن عمل سعاد موسى ما يلي:
"يعتبر (كتاب) صقور وحمائم لسعاد موسى، عملاً مثيراً للإعجاب، دقيق ومبدع، يمزج أساليب منهجية سوف يظل يتردد صداها في مجاليّ الدراسات الإنسانية وتلك المشفوعة بالبينات كليهما، الكتاب طموح في تخصصه وتطلعه، ويرتكز على وضوح حول مخاطر الإمساك بفهم متعدد ومعّقد للمناهج المختلفة، والتي تكون أحياناً عصية على الافهام البديهية لمفهومي "المرأة" و "الحرب" في السودان المعاصر (وما يليه). تقدم سعاد موسى صورة واضحة لتاريخ ومسارات حروب دارفور، وهشاشة مفاهيم العرق والنوع والجندر والقومية في تلك الحروب. "صقور وحمائم" كتاب جريء، يرصد دور المرأة في الصراعات، وتأرجحهن كنساء صانعات سلام أو ضحايا في الحروبات.
يتيح كتاب سعاد موسى، مدخلا فريدًا، ورؤية ثاقبة لجزء من العالم، تعبر فيه العديد من الأوساط عن آراء قوية، عالية النبرة، ولكنه يظل في واقع الامر غير متاح، إلاّ لقليلين جدا. من خلال قراءتها الدقيقة لأنثروبولوجيا الهويات، والانتماءات، والقوميات، وتفاعل السياسات الجزئية والكلية في المنطقة، تسّلط سعاد موسى الضوء على شخصية غير متوقعة، كلاعب في تعبئة الحماسة الإثنية، والصراعات القومية داخل الدولة. يرّكز هذا الكتاب على فئة من النساء من ذوات الأصول العربية، في مجتمع دارفور، المعروفات بالحكّامات، اللاتي تتم تربيتهن، ورعايتهن ليكنّ شاعرات مغنيات، ويحظين باحترام وتأثير كبيرين، يسمحا لهن بالتحدث علنًا عن القضايا السياسية. فيمكنهن أن يكنّ مادحات، كما يمكنهن أيضًا تدمير السمعة (متى أردن). بالنسبة لسعاد موسى، تعود سلطة الحكّامات إلى ما قبل فترة الحكم الثنائي، عندما كانت العديد من النساء يشغلن مناصب سياسية عالية، وعلى الأخص في سلطنة الفور. يثير عمل سعاد موسى المفصّل بدقة حول محتوى وسياق أشعار الحكامات، التي تم جمعها وتلخيصها بين عامي 2006 و2016، يثير أسئلة مهمة حول المواقف التي تنطلق منها الحكامات حين يعبرنّ عن انفسهن.
كتاب صقور وحمائم يدور حول القوة، (والفاعلية) التي تتمتع بها الحكّامات في الدفاع عن مُتَصَوَّر ذكوري عسكري معين، باعتباره جوهر الهوية الوطنية (الإثنية)، وحول الدور الذي لعبه خطابهن، في النزاعات المسلحة في المنطقة. بينما كان من الممكن أن تكون الحكّامات حمائم للسلام، إلاّ أنّ التزامهن بسياسة دفاعية للعشيرة (بقصد الحفاظ على سلامتهن الخاصة)، جعلهن من صقور الحرب.
في نهاية المطاف، تكافح الحكّامات في ظل اقتصاد وطني متعثر، يضع ضغوطًا خاصة على معظم المكونات المحلية، حيث يحظين بتقدير كبير، ويجبرهن على المساومة بأصواتهن، بشكل فعال، في مسرح عسكري أوسع، يعتبر بعضاً منه من صنعهن. بوجه عام، إذن، يتساءل الكتاب عن ما هو الدور الذي يمكن أن يلعبه أيّ فرد، سواء في دقّ طبول الحرب أو نشر رياح السلام."
يعتبر الكتاب إضافة عظيمة للبحث العلمي في مجال العسّكرة، من بين مجالات معرفية أخرى، كما يقف كتاب صقور وحمائم بمثابة عمل فكري، صارمٍ منهجياً، ومثيرٍ للتساؤل سياسيًا؛ كما يعتبر عملاً ومنجزًا من الطراز الأول في مجال الدراسات النسويّة الأفريقانية." إنتهى.
رغم بحوثها العديدة، باللغتين الإنجليزية والعربية، كتاب الصقور والحمائم، والمنتظر ترجمته إلى اللغة العربية، كأول منتوج فكري متكامل لها، هذا الفتح البحثيّ غير المسبوق في نطاقه ومنهجه، بلا شك سيشكّل منعطف غاية الأهمية والتأثير في حياتها الأكاديمية والمهنية، وبكل تأكيد هذه الجائزة المستحقة، لأول ثمرة نضجت بمثابرة على دفئ شمس السافنا، خلال عقد من الزمان، من البحث والرصد المتابعة والتحليل، بكل تأكيد، ستولّد طاقة فكرية مهولة للدكتورة المتفردة سعاد مصطفى موسى، تناسب مشكلات الإقليم المعقدة والمتحركة، وتواكب المرحلة التحولية لسودان المستقبل، المتطلع لأدوار كبيرة ومميزة للمرأة، تشرّف أخواتها وزميلاتها النسوة، بطول القارة السمراء وعرضها.
يتمدد كرنفال احتفالنا بالدكتورة سعاد مصطفى موسى، لحين عودتها من بوسطن بالولايات المتحدة الأمريكية في نوفمبر القادم بعد إستلامها جائزة Aidoo-Snyder وبعدها، عليها أن تتحزم لتبعات هذا الإستحقاق العلمي والإنساني، وسط أهلها المهمشين في دارفور وربوع السودان، وأخواتها على مستوى القارة الأفريقية، التي نالت الجائزة باسمهن بكل فخر.
ebraheemsu@gmail.com
//إبراهيم سليمان//


الاثنين، سبتمبر 30، 2019

عدم إتساق


عدم إتساق
في البدء نرجو التنويه إلى أنّنا ننتقد الحكومة الإنتقالية بشقيها السيادي والتنفيذي من باب واجبنا الرقابي، ضمن رسالة السلطة الرابعة، بغية تقويم مسارها إن هي حادت عن جادة الإتساق مع الوثيقتين الدستوريتين، بيد أنّنا نناشد الثوار وعامة الشعب أن يمنحوا هذه الحكومة الفرصة الكافية، والمساحة المستحقة للإضطلاع بمهامها، وألاّ يبخلوا عليها بالدعم المعنوي والسند الرقابي والنقد الأمين، مع العلم بالضرورة أنهم قد ورثوا تركة مثقلة بالفتوق والإهن، وأنهم ليس لديهم عصا موسى، أو يمتلكون مفاتح خزائن قارون.
-      {1} –
بما أنّ أولى أولويات حكومة حمدوك، وقف الحرب وإحلال السلام المستدام، فإنّنا نرى أنّ الزيارة التي قام بها السيد رئيس الوزراء إلى مصر مؤخرا، أولى بها دولة تشاد، لدورها المؤثر والمباشر على الصراع المسلح في دارفور، ووجود أكبر عدد من اللاجئين السودانيين في معّسكرات شرق تشاد، والبالغ عددهم حوالي 44 ألف لاجئ، زد على ذلك تشريف الرئيس التشادي إدريس دبي بالشهادة على الوثيقة الدستورية بقاعة الصداقة يوم 17 أغسطس الماضي، والمشاركة في عرس البلاد، مع معظم رؤساء دول الجوار السوداني، بينما إستكبر الرئيس المصري السيسي، وترّفع عن حضور هذه المناسبة التاريخية، ولن نتجافَ عن الحقيقة إن قلنا أنّ عدد مقّدر من المراقبين، يرون أنّ مذبحة فض إعتصام القيادة العامة، ما هي إلاّ محاكاة لسيناريو فض ميدان  رابعة العدوية، نصح به السيسي البرهان خلال زيارته المريبة قبل أسابيع من المجزرة.
بكل تأكيد أنّ الإحتفاء المصري الرسمي الباهت بحمدوك، لا يتسق مع أول زيارة لدولة رئيس وزراء الثورة المتفردة، مما يؤكد أن صورة الخرطوم، في ذهنية القاهرة لم ولن تتغير.
ولن نبالغ إن قلنا أن الشعب السوداني، لم ولن يتوقع أو ينتظر خيراً من مصر الرسمية، وأنّ حكومة حمدوك ليست في حاجة لدعم مصر في ملف السلام لموقفها السالب من قضية دارفور، ولا تزال فضيحة سحق اللاجئين العزّل في ميدان مصطفى محمود ماثلا.
نتمنى أن تكون دولة تشاد هي وجهة راحلة حمدوك المقبلة، ونأمل أن يقوم وفد سياديّ بزيارة تفقدية إعتبارية عاجلة لللاجئين السودانيين بالمعسكرات بشرق تشاد إتساقاً مع أولويات المرحلة والحكومة الإنتقالية، الحميمية المتكلفة من حكومة حمدوك لحكومة السيسي الذي وصف حراك ثورة 19 ديسمبر الظافرة بالاضطرابات، لا تتسق مع إحتلال مصر لحلايب وشلاتين، وهي مجاملة مجانية تتجافى الإتساق  مع المزاج الثوري وأولويات المرحلة.
رغم فرانكفونيتها، نعتقد أنّ الإهتمام بدولة تشاد، ينبغي أن يتسق مع الإهتمام المرتجى بدولة جنوب السودان وأثيوبيا، لتماثل وتقاطع الكثير من المصالح الشعبية والقومية معها.
-      {2} –
يكون سوءاً  في التقدير، وخطأً في الحسابات، إن تعّمدت الحكومة الإنتقالية المماطلة في تعيين ولاة الولايات، وتسمية نواب المجلس التشريعي المؤقت، إلى حين الوصول إلى إتفاق سلام من الحركات المسلحة، ذلك رغم عدم إتساق هذا التقدير مع رفض مبدأ المحاصصة (المفترى عليه)، فإن السقوفات الزمنية لإحلال السلام قد ترتفع وتتمطى، زد على ذلك فإن تعيين حكام الأقاليم من رموز الحركات المسلحة، أو الرموز الحزبية الصارخة، بلا شك ستفسد العملية الإنتخابية، وتجهض التحول الديمقراطي المرتقب، وتأجج التحشيد العشائري المحتدم أصلاً.
لذا نرجو الإسراع في تعيين ولاة الولايات من قيادات قومية مدنية، سيما وقد جهر بعض الولاة العسكريين المكلفين مؤقتا بالمطالبة بهذا الأمر، لتنامي حساسية المواطن ضد الخطاب الخشن وطلّة الكاكي، والقبضة الأمنية غير المتسقة مع المزاج الثوري الهائج حتى الآن.
-      {3} –
في أول ظهور إعلامي رسمي له، صرّح السيد حمدوك ببرنامجه الإقتصادي، وألّمح  إلى اللجوء للإقتراض من البنك الدولي لتوفير التمويل اللازم لإنقاذ إقتصاد البلاد المتداعي، وهو يدرك حساسية الشارع السياسي السوداني، ضد أي روشتة تحت توقيع هذا الممول "المرابيّ" عديم الرحمة، باتت ستّات الشاي في سوق صابرين، يعرفنّ أنّ وصفات صندوق النقد والبنك الدولي، التي لا تخلو من رفع الدعم عن السلع والمواد الحيويّة، وزيادة الضرائب، وهي بالطبع لا تتسق مع سبل معالجة غلاء المعيشة في أية منحى، هذا التلميح من السيد رئيس الوزراء الموقر، غير متسق مع ما صرّح به مؤخرا وزير ماليته الدكتور إبراهيم البدوي، حيث أوجز ملامح برنامجه الإقتصادي في معالجة غلاء المعيشة، معالجة شح السيولة، الإعتماد علي النفس،  دعم عملية السلام، وظائف للشباب، هذه النقاط لا نظن هنالك من يختلف أو يضيف إليها، فقط نرجو من السيد البدوي، تسليط مزيداً من الأضواء على كيفية الإعتماد على النفس لإنعاش إقتصادنا المحتضر، بيد أنّ هذه الخطة المبشرة، غير متسقة مع تصريحه الأخير، والذي أشار فيه إلى أنّ فك الحظر الإقتصادي قد لا يمكن تحقيقه قبل عام، لأنه محبط ولم يكن مضطرا ًلمثل هذا التنجيم،  الذي من شأنه إضعاف قيمة الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية.
وإن كان السيد حمدوك، حريصاً على ألاّ يستقيل وزير ماليته، المدرك لخطورة "كيماوي" البنك الدولي الخطر على حالة بلادنا المرضية، وجلدها الرهيف، وألاّ يدق مسمار على عنق حكومته وسط هتافات الشارع "لن يحكمنا البنك الدولي" عليه أن يبتعد عن الحلول الجاهزة، واللجوء إلى المعايير الإقتصادية الصارمة دون إعتبار لما يتسق من مزاج المواطن السوداني.
-      {4} –
إعتدنا مجبرين مشاهدة رأس النظام البائد وهو يرقص في مناسبات إفتتاح منشآت متواضعة، كمحطة وقود بشارع الستين، وشاهدنا مرغمين أحد ولاة زمانه الغابر يشهر سبّابته مكّبراً ومهللا في إفتتاح إشارة مرورية بعاصمة ولايته، ورصدت كمرات تغبيش الوعي، أحد مساعدي المخلوع وهو يبتسم فرحا بإفتتاح مطعم باذخ لأحد رموز النظام، لكل ذلك نرى أنّ إفتتاح رئيس المجلس السيادي الفريق عبدالفتاح البرهان لمسلخ (جزارة) تخص القوات المسلحة، لا ينسلخ عن أدبيات النظام المدحور، وغير مستّق مع الإنتقالية الثورية، والتي من المأمول أن تكون من سماتها العمل الصامت، والإبتعاد عن تضخيم الذات و"الفشخرة" بالمنجزات.
وليس بعيداً عن ذات السياق، فإننا نرى أنّ مشاركة بعض أعضاء المجلس السيادي في الندوات العامة، قد تستغّل دعائياً من قبل الجهات المنظمة، ولا تتسق مع الصفة السياديّة، ناهيك عن إحتمال الخلط  فيما يطرحونه بين الرأي الشخصي والموقف الإعتباري.
-      {5} –
تعليق حكومة حمدوك أزمة الوقود على شماعة التهريب، دون تقديم الأدلة والكشف عن الجناة، ما هو إلاّ إجترار غير مهضوم لما كان يقوله النظام البائد، هذا التبرير غير متسق مع التقارير المصّورة التي تؤكد وجود أزمة مفتعلة في مصفاة الجيلي، وعلى وزير الطاقة إبتكار الحلول الناجعة لإنسيابية تدفق الوقود لكافة الولايات، ومحاربة الفساد، والتي نظن ليست من بينها إغلاق الحدود على الورق، وبصورة إنتقائية مع بعض دول الجوار.
-      {6} –
توّقع الإمام الصادق المهدي فشل حكومة حمدوك، التي بدأ تشكيلها فعلياً من منزله بودنوباوي، خلال زيارة الأخير المدهشة له، والتي وصفها الإمام المزيور بالإجتماعية، توّقع فشلها وإستعدادهم لإنتخابات مبكرة، على حد تصريحه، رغم عدم إتساقه مع وثيقتيّ المرحلة الإنتقالية، من الواضح أنّ هذا الرجم التنجيمي الرغائبي بالغيب السياسي، هي أماني عذبة للإمام وحزبه، ولا تتسق مع تعهدات الإمام المسبقة  بدعم حكومة حمدوك لتحقيق الأهداف التي يتوق إليها الشعب السوداني في النهضة والازدهار، كما أنّ هذا التوّقع المحبط والذي لا يخلو من غرض، لا يتسق مع توقعاته الباكرة بعبور هذه الحكومة إلى بر التحوّل الديمقراطي، عندما كانت جنيناً يتخّلق في دهاليز مكونات قحط، من الواضح أنّ حصاد زيارة حمدوك تلك لمزار ودنوباوي، لا تتسق مع التكلفة السياسية المتوقعة على الأقل حسب تخمين الشارع السياسي السوداني.
-      {7} –
البيان السياسي الذي تم توقيعه بين الحركة الشعبية شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، والحزب الإتحادي الديمقراطي الأصل بزعامة الميرغني، يوم 25 سبتمبر الجاري بالقاهرة، لا يتسق مع الجفاء الثوري المبدئي للحركة الشعبية شمال تجاه مكونات النادي السياسي القديم، ناهيك كون حزب الميرغني الطائفي ظل حزباً متوالياً وشريكاً أصيلا لحزب المؤتمر الوطني المجرم والفاسد، ومواقفه من محن وإحن شعوب الهامش مخزية للغاية، وهو حزب طائفي برجوازي ليس له عمق جماهيري وسط الغلابة وضحايا الحكم المركزي، هذا البيان يعيد إلى أذهاننا إتفاقية "الميرغني قرنق"، والتي أججّت الإستقطاب والتحشيد السياسي قبل ستة أشهر من نهاية الديمقراطية الثالثة.
نأمل أن تجد وجهات نظرنا المتجردة هذه، طريقها إلى مسامع من يهمهم الأمر.
ebraheemsu@gmail.com
//إبراهيم سليمان//

السبت، سبتمبر 14، 2019

د. عائشة موسى .. لماذا تنكر وتكره التهميش؟


د. عائشة موسى .. لماذا تنكر وتكره التهميش؟

خلال حوارها مع توفيق مجيد عبر قناة فرانس 24 وعندما سألها مقدم البرنامج: "تقصدين المهمشين، قالت الدكتورة عائشة موسى، عضو المجلس السيادي، قالت: وأكره هذه الكلمة، الناس بستخدموها  كتير، وحتى هم صاروا بقولوا نحن من المناطق المهمشة، مهمشة جغرافياً أنا بالنسبة لي على الأقل، على حد قولها، وأضافت لكن ما  في إنسان مهمش، طالما هو قاعد في الدنيا دي، يبقى هو ما مهمش ولا أي شيء، كانت الحكومة أو الحكم لم يكن عادل أو لم يكن صحيح، سقط عنها أو ما إنتبه لبعض الأشياء"، متمنية أن يكون تهميش الأجزاء المعيّنة من السودان لم يكن عن قصد.
بالجد هذا الكلام كان صادما جداً من د. عائشة، والتي لم يعرف الشارع السياسي السوداني عنها الكثير، قبل توليها عضوية المجلس السيادي، وقد فقدت الحياد بقولها هم أي المهمشين، مقابل نحن (المركز) وكان الأجدر بها أن تقول إخواننا أو أبنائنا أو أهلنا، علاوة على أنها تقر بالجرم المتراكم مضموناً، وتكره مصطلح التهميش، والذي أصبح ضمن نسيج القاموس السياسي المرحلي شاء من شاء وأبى من أبى، فقد صدرت عدة مطبوعات، وعُقدت عدة مؤتمرات وورش تنويرية باسم التهميش والمهمشين، وأُسست عدة منظمات مجتمع مدني، وصدرت صحف إلكترونية ومواقع أسفيرية للتصدي لهموم ذات الشريحة التي تمثل الغالبية العظمى من مكونات الشعب السوداني، فلماذا تكره هذه الكلمة، وهي كراهية لا تشئ بحب الواقعين تحت يافطته بلا شك، وهم الثوار المدنيين، وحاملي السلاح، والذين لم يخرجوا على الدولة إعتباطا ولم يحملوا السلاح بحثاً عن الموت العبثي.
ومن العجب أن تقر بالظلم، وتجتهد في إيجاد المبرر للحكومات المركزية المتعاقبة منذ الإستقلال، وهو مبرر أوهى من حبل العنكبوت، إذ تردّه إلى عدم الإنتباه من الجهات المجرمة، والتي ظلت تمارس الظلم والتهميش، وتسّخر مقدرات البلاد لجهات بعينها، وتمّكن إثنيات محددة على الثروة والسلطة بصورة ممنهجة وفجّة، مع سبق الإصرار والترصد، أقّر بها وتقزز منها كل صاحب ضمير حيّ، ووجدان سليم.
لقد فقدت الدكتورة عائشة الحياد، من حيث أرادت، وتمادت في الإنحياز حين نصّبت نفسها محامية وإجتهدت في إيجاد مبرر للظلم، ووقعت في التناقض حين أنكرت وأقرّت، وخيّبت الآمال لحسبانها من فئة المهمشين جغرافياً وإثنيا، شاءت ذلك أم تنكرت، وزادت الخيبات برفضها العودة إلى "سنار"، والغريبة في الأمر ذكرت أكثر من مرة خلال حوارات إعلامية معها في السابق، أنّها تعيش على هامش زوجها الراحل الأديب الكبير محمد عبد الحي، وشهدت كريمتها بذلك، فكيف تكرر المفردة أو المصطلح، وتكرهها في ذات الوقت؟
فالتهميش الذي تكرهه عضو المجلس السيادي، جريمة كاملة الأركان، ووقائعها ظلت تتكرر منذ الإستقلال، وأدوات الجريمة لا تزال ملقاة على طرقات ربوع الهامش، وأسماء ضحايا الحقبة الأخيرة ضاقت بهم سجلات محكمة الجنايات الدولية،، ولن تتسع ردهات محاكم الضمير الإنساني مهما وسعت لشهود الجريمة من شعوب العالم، وأحدث وأدمغ شاهد على القصد الجنائي من النخبة المركزية على ممارسة التهميش، هو الضحك على "دقون" قادة الجبهة الثورية في أديس أبابا مؤخرا، وشهدت شهود قحت على نفسها على تلكم السلوك السياسي مجافي التقدير وعديم والإحترام.
أشك أن دكتورة عائشة موسى قد أنصتت إلى الرسالة الخامسة من خطاب دكتور محمد الأصم التاريخي في يوم العرس الوطني في 17 أغسطس الماضي، حيث قال:
"إلى غرب السودان – دارفور – إلى شرقه إلى جنوب كرفان والنيل الأزرق إلى شماله ووسطه إلى الريف السوداني إلى كل مواطنة ومواطن سوداني فقير، مريض، غير آمن، مهمش، هذه الثورة ثورتكم وأنتم يجب أن تكونوا أول من يقطف ثمارها، المواطنة المتساوية والخدمات الحكومية المتساوية والتمثيل المتساوي مع التمييز الإيجابي المستحق هو ما يجب أن نعمل جميعاً من أجل تحقيقه وبناءه."
بهذا الإنكار المشين، شرعت دكتورة عائشة في نقض غزل ثورة 19 ديسمبر المجيدة، فلولا التهميش والظلم الإجتماعي، والإيثار الإثني والجهوي والتمكين الآيدلوجي، لما كانت العدالة ثالث الأثافي لشعار هذه الثورة الفتية، والفاحص لعضوية المجلس السيادي، وتشكيلة وزارة حمدوك، يدرك بسهولة أنها جاءت كمحاولة لتكفير آثام التهميش السلطوي، دون إحتجاج أو إعتراض من الضالعين في الجرم بالإصالة أو بالوكالة. لقد إنتهى عهد "مباراة" الحقائق مهما كانت فجّة، وأقبل عهد الصراحة والوضوح وتسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية بلا أقنعة.
الإعتراف بوجود الهامش الجهوي، وإنكار وجود المهمشين، لا يساعد في إدارة التنوع بفاعلية، لتحقيق العدالة الإجتماعية المنشودة، وهي الضامنة الوحيدة لتحقيق تطلعات الشعب السوداني، في الإستقرار والترقي والرفاة، ذلك أنّ الكراهية المعلنة للمهمشين، والتبرير الواهي لمصوغاته، بلا شك ستخلق حواجز نفسية سالبة، ونأمل أن تعيد د. عائشة موسى حساباتها لتقبل هذا المصطلح الراسخ في وجدان عشرات الملايين من الضحايا، والبحث الجديّ لمعرفة دوافعه الحقيقية وعدم الإكتفاء بالظنون، وبصفتها عضو المجلس السيادي، نأمل أن يعد ببذل الجهد للقضاء عليه، بدلاً عن الإكتفاء بالتمني، ونأمل أن تعود إلى "سنار" وأن تحذر الإقتراب من نسق تصريحات أخوات نسيبة.
يبدو لنا أن الدافع لحالة الإنكار هذه، ومبعث المجاهرة بالكراهية، هما مسعى لإرضاء القيادة المركزية لقحت، صانعة القرار السياسي في الوقت الراهن، والمتحكمة في مصير البلد والعباد من وراء الحجايل (الكواليس)، وهي قيادة مركزية قلبا وقالبا بإمتياز.
من حق عضو المجلس السيادي الموقرة، أن تتحفظ على مصطلح التهميش، إما أن تكرهه فنظن أنّ هذا الموقف غير موفق، ذلك أنّ المهمشين هم أكثر ضحايا النظام البائد، وأكثر من دفع ثمن ميلاد هذا العهد الجديد الذي هيأ للدكتورة عائشة موسى الجلوس على أحدى المقاعد السيادية، وبكل تأكيد، في مخيلة وحسابات الذين رشحوها أنها منهم، بيد أنها تقول هم، ونظن في مخيلتها، الآخرون هم الجحيم.
ebraheemsu@gmail.com
//ابراهيم سليمان//


السبت، أغسطس 24، 2019

هل لدى المجلس السيادي تابوهات؟


هل لدى المجلس السيادي تابوهات؟
يعلم الجميع أنّ الوثيقة الدستورية، والبيان السياسي، اللذان تم توقعيهما في 17 من أغسطس الجاري بين قوى الحرية والتغيير، والمجلس العسكري الانتقالي (المحلول) لم يغفلا إجمالا عن شيء مما يدور في خلد المواطن السوداني، ولكن تفصيلاً، هنالك تساؤلات لا تزال يلتفها الغموض، ولا ندرِ على وجه الدّقة، من المعنيّ بالإجابة عليها، المجلس السيادي، أم حكومة أحمدوك؟ أم التشريعي المؤقت؟ أم أنّ هنالك تابوهات، ممنوع الإقتراب منها وممنوع التصوير، نطرح التساؤلات التالية، لعلمنا صعوبة فهم وإدراك النصوص الدستورية للمواطن العادي، ونعشم أن نجد الإجابات الواضحة من الجهة المختصة، ذلك أننا نتطلع إلى دولة مدنية قائمة على الشفافية، إحتراماً لإرادة الشعب.
·       ما هي إلتزامات الدولة تجاه أُسر الشهداء، جميع الشهداء؟
·       ما هو مصير حزب المؤتمر الوطني، ومآل المليشيات الأمنية المرتبطة به؟
·       ما هو مصير قوات الدعم السريع التي تشارك في حرب اليمن؟ حميدتي قال مؤخرا، الكلمة للشعب، وأنتم ممثلو الشعب.
·       هل يفتح المجلس السيادي ملفيّ مثلث حلايب وشلاتين ومنطقة الفشقة، أم إنهما خارج نطاق الفترة الإنتقالية؟
·       هل سيفتح المجلس السيادي الحدود مع دولة جنوب السودان على مصراعيها؟
·       ما هو موقف المجلس السيادي من تسليم رأس النظام السابق المعزول عمر البشير إلى محكمة الجنايات الدولية بلاهاي؟ طالما المحاكمات الصورية الحالية مختصرة على الفساد المالي؟
·       هل تقويض الحكومة الديمقراطية الثالثة في نظر السيادي جريمة مستعجلة أم خطيئة مؤجلة؟
·       ما هو مصير الحواكير والجنائن التي إستولى عليها الوافدين بدارفور، إذا إستطالت محادثات السلام مع الثوار؟
·       من هم المعنيون بمحادثات السلام المرتقبة، هل هم حملة السلاح فقط، أم هنالك آخرون، من هم وكيف يتم إختيارهم؟
·       ما هو مصير الممتلكات والمرافق العامة من ميادين وساحات شعبية التي إستولى عليها رموز النظام السابق، هل هذا الملف من شأن الجهاز القضائي أم المجلس السيادي؟
·       هل سيبت المجلس السيادي عاجلاً في مجانية العلاج والتعليم العام والعالي؟ أم أن هذا من شأن حكومة أحمدوك وحدها؟
·       هل ستستمر الولايات بذات التقسيمات السابقة طيلة الفترة الإنتقالية، أم متى يعاد النظر فيها؟
نعلم أنّ الكثير مما طُرح، قد حسم أمره في الوثيقتين، إلاّ أنّ المواطن العادي، بلا شك يبحث عن إجابات مباشرة وقاطعة.
ebraheemsu@gmail.com
//إبراهيم سليمان//


الجيل الراكب راسو .. سيّد نفسو من أسيادو


الجيل الراكب راسو .. سيّد نفسو من أسيادو

السابع عشر من أغسطس 2019م، يوم فاصل في تاريخ الدولة السودانية الحديثة، بعون الله وتوفيقه، إستطاعت إرادة الشعب الجبّار، أن تضع حداً لأكثر الحقب مأساوية وظلامية من مسيرة الأمة، ثلاثة عقود عجاف، لم يسترح فيها الشعب يوماً من الظلم والقهر والجبروت، وقد بلغ الغرور برموز النظام البائد، أن تحدّوا المشيئة الألوهية حين جاهروا قائلين: "الزرعنا، فليقلعنا" وقد كان، فمنهم من لا يصدّق حتى بعد حل المجلس العسكري الإنتقالي يوم أمس، وإكتمال عقد المجلس السيادي هذا اليوم، لم يصدّق، أنّ نظامهم قد مات، وأن حكمهم قد ولى دون رجعة، وأنّ الدوام لله وحده.
الآن يحق لنا، أن نشعر بالطمأنينة الحذرة، بأنّ لا أحد يستطيع أن يقتلنا مجاناً، أو أن يسحلنا بكل رخصة.
ولا أحد بإمكانه أن يسرق عرقنا ويعبث بمقدراتنا دون أن يخشَ المحاسبة.
ولا أحد من مجرمي النظام، بإمكانه أن ينام مطمئنا من الملاحقة، وإن كان في برج سامقٍ مشيد بطوب الفساد.
ولا أحد بإمكانه أن يرّوع الآمنين، في الهامش، دون أن يلتفت إلى الوراء.
ولا حاجة لطفل أو شيخ أو أمرأه مكسورة الخاطر، أن يعيش داخل الكراكير أو في جوف الكهوف، لأنه لا أنتنوف بعد اليوم.
وبإمكان فتيات الهامش أن يفزعن للحطب، ويغنين بملء شفاههن.
وبإمكان النازحين العودة لديارهم المهجورة دون إذن من أحد.
بإمكان المهجرين والمهاجرين قسريا، العودة إلى بلادهم، وملقاة ذويهم وأحبائهم متى وكيفما شاءوا.
وبإمكان التلميذ أن يحلم بمدرسة لا يجوع فيها ولا يُطرد.
وبإمكان الطالب أن يحلم بدراسة مجانية في جامعته.
وبإمكان الخريج، أن يطمئن ليس لدى لجنة الإختيار للخدمة العامة قائمة بأبناء البلد وأولاد اللذين.
وبإمكان المريض، أن يعشم في علاج ودواء قدر إستطاعته، وأنه كإنسان أشرف مخلوق على الأرض، وأنّ هنالك من يأبه لكرامته ومن يعرف مقدار آدميته.
وأنّ على التاجر ألاَ يدفع مليماً لجامع الضرائب قبل أن يتأكد من مشروعيته، وأين يذهب وفيما ينفق.
وأنّ على الفقير والمسكين، أن يطمئن ألاً أحد يحج لنفسه أو للموتى من ذويه من استحقاقه من مال الزكاة.
وأنّ على المزارع أن يطمئن، ألاً أحد يسترزق من عرق جبينه، وأنّه المستفيد الأول والأخير من عائدات محصوله ونتاج مواشيه.
وأن يطمئن المظلوم، أنّ العدالة محروسة والقانون مصان، وأنّ الجميع أبناء مصارين بيض أمام القضاء.
وأن يطمئن الجميع، أنً من بين ركائز البلاد الإحدى عشر كوكبا (المجلس السيادي) منهم من لا يساوم بدماء الشهداء، والذين ضحّوا بأرواحهم من أجل أن ننعم نحن الأحياء بالحرية والكرامة والطمأنينة والعدالة.
وأنّ من بينهم من لا يهادن إبن أنثى مثله من أجل دنيا يصيبها، أو آخرة يتوهم ضمانها.
وأنّ من بينهم من وطأ الجمرة وتجرّع المرارات وعانى الحرمان وذاق التنكيل.
علينا أن نطمئن، أن الحكم بالشعب وللشعب ولمصحة الشعب.
وأن يقتنع أبناء السادة، بأن الجيل الراكب راسو، سيّد نفسو من أسيادو.
ebraheemsu@gmail.com
//ابراهيم سليمان//


هل يعيد التاريخ نفسه في رهيد البردي؟


هل يعيد التاريخ نفسه في رهيد البردي؟

ما أن تنفّس الشعب السوداني الصعداء، بذلك الحدث الوطنيّ الكبير في 17 أغسطس 2019م والذي ميّز شعبنا المعلم عن بقية شعوب المنطقة الملتهبة، وأخرّص المرجفين في المدنية، وألجم الأنبياء الكذبة الذين بشّروا بفتنة كبرى وفوضى خلّاقة، لا تبقِ ولا تذر، ما أن ينفرط عقد نظام البشير الدموي والفاسد، في ذروة نشوة الفرحة بهذا الحدث المفصليّ في تاريخ الأمة السودانية، إنتبه الشعب السوداني لعرض درامي مثير ومقلق على خشبة المسرح السياسي، من بطولة رمز وطني شاب أسمه محمد حسن عثمان التعايشي وإخراج (قحت).
تمّثلت الحبكة في التناقض والنفاق السياسي، مقابل المبدئية والـتأثير الشعبي على مجريات الأحداث الساخنة، وصلت الحبكة ذروتها بإستقالة الدكتورة فدوى عبد الرحمن على طه، إنتصاراً لقناعاتها، وتضامناً مع طالبها وزميلها بطل المشهد، ورفضا لمبدأ المحاصصة في شغل مقاعد المجلس السيادي، وتأففا عن الخبث والمماحكة المكشوفة من قبل المنتج والمخرج (قحت)، ظن كثيرون أنها تمارس التهريج، لذا صعق خلق كُثر عندما إتضح لهم أنها جادة، مقدمة بذلك سابقة أخلاقية، ودرس سياسي غير مسبوق في تاريخ المشهد السياسي السوداني.
بعد بلوغ العرض الدرامي ذروته، وخلال زاوية الإنحدار الحادة، سقط خلالها عدة مرشحين، هم الاستاذة رشيدة القيادية بتجمع المهنين، والدكتور محمود آدم داؤود بجريرة صلته بالنظام البائد، وطه عثمان إسحق بجريرة عضويته ب (قحت)، وصعدت الدكتورة عائشة حسن موسى، من اللا مكان، وعندما أدرك المخرج (قحت) أنّ البطل من الصلابة لدرجة إستحالة تجاوزه، وأنّ حملة الهاتفين بأسمه كادت أن تشعل ثورة أخرى، رضخ صاغرا، ومما زاد العرض تعقيداً وتشويقا، في زمن ثوري ضاغط لدرجة الإنفجار، إعتصام البطل وإشتراطه عودة إستاذته وزميلته الدكتورة فدوى، والتي رفضت بدورها أن تزيح أستاذتها الدكتورة عائشة التي جلست على مقعدها بشيء من التعّجل والتخبط من قبل المخرج (المغرض) رغم كفاءتها وجدارتها بشغل المقعد السيادي، وإزاء هذا التعقيد، يتدخل الأجاويد، ليشق البطل طريقه مفروشاً بالإجماع الشعبي، والإلحاح الشبابي متوجاً للمقعد السيادي الخامس.
إتهم محبيّ البطل خلق كُثر، بحق وبدونه بأنهم من دبروا المآمرة ضد البطل، وكلٍ سارع للتبرؤ من التهمة، أول هؤلاء زميله المحامي محمد حسن عربي، الذي أكّد لي البطل شخصياً أنّ دليل براءته، نومه ملء جفونه عن شواردها، عندما حوصر من قبل أفراد أسرته، ورغم أن شهادتنا في البطل ليست ذات قيمة، إلاً أننا نؤكد بحكم المعايشة عن قرب ما أورده السيد محمد حسن عربي، أنّ ما يميّز البطل التعايشي هو التواضع والمحبة والإلتزام والكاريزما القيادية، ومن تواضع لله رفعه إلى حيث لا يحتسب.
وجّه عشاق البطل كذلك أصابع الإتهام لكل من محمد فول، وخالد سلك ومحمد زين عديله، وضمنياً الإمام وإبنته المنصورة مريم، ليتضح أنّ اليسار هو وراء كل هذه الدراما السياسية، بحكم أن البطل وسطيّ معتدل، ووطني صعب المِراس.
ما يعاب على المشهد، تسارع الآكشن، الأمر الذي صعّب على المتابع إستيعاب كافة أبعاد الحبكة، ثم أنّ كاريزما البطولة، فوّت على المتابع التعرف على بقية عضوية المجلس السيادي، فقد سحب البطل كافة الأضواء عن المشهد، الأمر الذي هيأ لبعضهم التسلل دون تمحيص كافٍ، ولم يجد المؤهلين منهم الفرص للطلة على الجمهور، أو نفاج لإستعراض عينة من مقدراتهم السياسية، ولا شك أن جنرالات السيادي أيضا قد تحسسوا قبعاتهم ونفضوا الغبار عن نياشينهم للتهيؤ لملاقاة هذا الأسطورة الشاب، والذي حوصر دور أحزاب عريقة متهمة بالتآمر ضده من قبل الشباب الثائر، وتراجع وإستقال الكثيرين من المرشحين فاسحين له الطريق، دون أن ينطق هو ببنت شفة، شاعرين بالضحالة أمامه.
إنتهى العرض الدرامي بصورة غير مقنعة، إذ أن عضو السيادي محمد الفكي سليمان، وزميل البطل في المجلس الأربعيني لإتحاد طلاب جامعة الخرطوم (2002 – 2003م) ممثل التجمع الإتحادي بتنسيقية (قحت) وهو أمر مخالف، وستظل سُبة في جبينه ووصمة عار في وجه المخرج، والأرحم له أن يستقيل، إلاّ أنّ النهاية تبدو سعيدة لعشاق البطل، الذي إنتصر على المآمرات وإجتاز كافة الفخاخ اللاأخلاقية، أجاد التعايشي دور البطولة المطلقة حرفياً ودرامياً، فالبطل لا يموت ولا يقهر، ودائماً تجئ مكائد الكومبارس ضعيفة ولا تصمد في طريقه، فالبطل كان يشق طريقه للسيادي بثبات، والجراء تعوي.
ونظن أن الطريق بات ممهداً للتعايشي لأن يترأس المجلس السيادي بعد إنقضاء فترة رئاسة الفريق البرهان، ليعيد التاريخ نفسه، بتولى زعيم آخر من منطقة رهيد البردي، قيادة البلاد في مرحلة مفصلية، لبناء سودان جديد.
ebraheemsu@gmail.com
//ابراهيم سليمان//

إستفهامات حيرى


إستفهامات حيرى
كم هو مؤلم أن ترى من يسترخص أوراح ودماء الأبرياء متربع على كرسي السلطة، وكم هو موجع ومؤسف أن ترى حصاد آلة القتل من الشباب والأطفال في تزايد دون مبالاة من المعنيين بحمايتهم، وكم هو مربك أن ترى المفوض بإستلام السلطة يتردد ويتهيب المسئولية، وكم هو محّير أن ترى وفد التفاوض يقّدم رجل ويؤخر أخرى لحسم ما تبقَ من ملفات، وكم هو مبهم ألاّ يعرف الشعب الصابر سبب المماطلة في تشكيل حكومة "الخلاص" الإنتقالية المرتقبة، وكم هو متعب ملاحقة وفود التفاوض عبر القاعات وعواصم الجوار، وكم هو مرهق معرفة شخوص وفود التفاوض ناهيك عن الإلمام بإمكانياتهم التفاوضية ومرجعياتهم السياسية؟ وكم هو مبهم أن تعرف من المعني بالحوار من زعماء ثوار الهامش، ومن المهمش؟ وكم هو مقلق أن تتنبأ باسم الجنرال الذي يترأس مجلس سيادة البلاد في الفترة المقبلة.
ومن يعرف سر إبقاء المجلس العسكري الإنتقالي على مليشيات النظام البائد، من دفاع شعبي، وشرطة شعبية وكافة كتائب الظل القاتلة والتي يصعب حصر مسمياتها؟ ومن يستطيع إقناع نائب رئيس المجلس العسكري الإنتقالي، أنّ رهانه على الإعلام المأجور، والأقلام المعروضة للبيع، لتلميع صورته، رهان خاسر، وتبديد لموارد البلاد فيما لا طائل منه، ومن يقنع ق ح ت التي تظن أنّ لا حرب بدون مني وجبريل، بأنّ لا سلام بدون الحلو وعبد الواحد، ومن ينبه ق ح ت أنّ الموافقة على تحريم الجنسية المزدوجة، هو تآمر ضد خمسة ملايين سوداني غيور، وحرمانهم من المشاركة في بناء الدولة المدنية المرتقبة؟
وهل الجنرال الذي سيتولى حقيبة الداخلية، يستطيع حماية أطفال المدراس من قناصات الأبراج والقلاع الكيزانية الشاهقة، وما هو السيناريو المتوقع؟ إذا ماطل الرئيس العسكري في تسليم السلطة للرئيس المدني في موعده؟ وبأي قانون سيحاكم القتلة والفاسدين من رموز النظام السابق؟ 
مجزرة الأبيض المؤلمة، ومن قبلها مجزرة السوكي، لا يحتاج المرؤ لكبير عناء، لمعرفة هوية الجناة المستفيدين من إثارة البلبلة، وإعاقة مسيرة التحول السلمي لسلطة مدنية، رغم ذلك لن يعفِ الشعب السوداني للمجلس العسكري سلبيته، وتستره على الجناة، وعدم مبالاته بأرواح أطفال المدراس الورثة الشرعيين لهذه البلاد، ولم يبرئ كذلك الشارع السياسي ق ح ت من عدم الجديّة في حسم ملفات التفاوض، والإسراع في تشكيل حكومية مدنية تضع النقاط على الحروف، وتوقف نزيف الدم السخين على الشوارع، لقد إتضح أنّ الحوار بين ق ح ت والمجلس العسكري من جهة، وبينها وتنظيمات الهامش المسلحة أصبح حواراً دائرياً يتسع قطره كل مرة، وتزداد منابره باضطراد، دون أجندة صمدية، ودون سقوفات زمنية، الأمر الذي ولّد اليأس وخلق عدم الثقة في سلامة قدوم الجنين من رحم الغيب.
تكرار المجازر الشبابية الموجعة للأفئدة، وتكرار البلاغات ضد قتلة مجهولين، يستوجب إعادة النظر في جدوى وأحقيّة العسكر بحقيبة الداخلية، المعنية بخلق الطمأنينة في قلوب الأمهات، وبسط الأمن في ربوع البلاد، إذ أننا بتنا مقتنعين، أنّ الوضع لن يتغير البتة، وأنّ قنص الأطفال كالأرانب، لن يتوقف ما لم يحدث تغيير جذري في عقلية من يتولى هذه الحقيبة، وكذلك حقيبة العدل والنيابة العامة، ولن تكون الدولة مدنية دون سحب هذه الحقائب من العسكر ومن الكيزان.
ebraheemsu@gmail.com
//ابراهيم سليمان//


الاثنين، يوليو 08، 2019

على الشباب الثائر .. أن يضع شعاراته تحت "المخّدة"


على الشباب الثائر .. أن يضع شعاراته تحت "المخّدة"
بات ملحوظا، أنّ وعي الشارع الشبابي السوداني، من جيل الألفية، قد وصل إلى مستويات متقدمة من النضج السياسي، وأنّ غيرته على مآل البلد وحماسته لتأسيس الدولة المدنية الديمقراطية الراشدة، التي حلم بها الآباء والأجداد في تنامٍ مستمر، وقد أصبحت هذه الشريحة متقدمة في رؤاها وإصرارها من مخضرميّ الساسة، وهم يمثلون الضمانة الأساسية، والتي يمكن الركون عليها في إعادة الأمور الي نصابها إذا دعت الضرورة.
وما نخشاه، أن يتحوّل ممثلي ق ح ت في مجلس السيادة والجهازين التنفيذي والتشريعي، إلى "درقات" تحول بين الشارع والعسكر، فمن الآن بدأنا نسمع: ليس بالإمكان أفضل مما كان!!
إحتفظت ذاكرتنا بكاراكاتير لم نجد أبلغ وأفضل منه للثائر الفلسطيني الراحل ناجي العلي، معلقا علي ثورة الحجارة التي إندلعت في الأراضي الفلسطينية المحتلة، عقب توقيع اتفاق أوسلو عام 1995م، الكاريكاتير يوضح الزعيم الراحل ياسر عرفات، واضعا كوفية علي رأسه على أحسن ما يكون، مبتسما ابتسامة متكلفة، يسير عكس السير وحيدا يلتقط حجارة الأطفال من شوارع الإنتفاضة.
سألت أحد قيادات التنظيمات التقليدية، عن سبب سحب أحد ممثلهم في وفد تفاوضي رفيع، قال لنا أنه حِنيّن، يندغم بسهولة في صداقات مع وفود التنظيمات الأخرى، هذا ما نخشاه، من عضوية ق ح ت في مجلس السيادة، لا نريد أن يخرج علينا أحد منهم، ليحاول إيهامنا بأن العسكر، قد آمنوا بثورة 19 ديسمبر، وأنهم أصبحوا شركاء خلصاء وموثوقون، وأنّ الجنرال الكبّاشي، قد أصبح حملا وديعاً، ولن يقول مرة أخرى، "وحصل ما حصل".
العسكر الذين صنعوا كولومبيا، وإختلقوا الذرائع لذبح الشباب الأبطال في ساحة القيادة العامة، وفض الإعتصام بالقوة المميتة، بعد التأكيد المغّلظ بأنهم لن يقدموا على مثل هذا مرة أخرى، ليسوا مكان ثقة البتّة، ومتوقع منهم تصرفات مماثلة في أية نفق مظلم يمر به الإتفاق، والجنرالات التي تتشدّق بإنتمائها لثورة 19 ديسمبر ليل نهار، وتذرف دموع التماسيح أمام الكميرات، هؤلاء يسّبحون بحمد الشعب الذي هيأت لهم النجومية، ويذبّحون أبنائهم في جنح الليل، هؤلاء ينطبق عليهم قول الشاعر، وَمِن نَكَدِ الدُنيا عَلى الحُرِّ... أَن يَرى عَدُوّاً لَهُ ما مِن صَداقَتِهِ بُدُّ.
الشباب الثائر، ليس عليه حماية مكتسباته من غدر العسكر فحسب، بل من واجبهم عدم السماح للفلول بمحاولة إحتلال الشارع السياسي، وإثارة البلبلة، وعرقلة إنطلاقة قطار التنظيف تمهيداً للبناء الوطني، والذين سيرفعون المصاحف على أسنة الرماح، محاولين تنشيط تجارتهم الكاسدة برأس مال الدين، والذين يحاولون إشهار "قميص عثمان" في وجه الجهاز التنفيذي، لإستعادة أمجادهم التي شيدوها على جماجم الشعب، ومن عرق جبين الغلابة، يجب أن يتصدى لهم شباب الثورة بمدنية متحضرة.
لذلك، يجب على قوى الحرية والتغيير، الاً يفض سامره قبل إجراء الإنتخابات العامة، وعلى الشباب الثائر، أن يخبئ شعاراته تحت "المخدّة"، وأن ينام بعينٍ واحدة، وأن يتحسس الجميع قبضته الثورية، مع إقتراب إنتهاء فترة رئاسة العسكر لمجلس السيادة، وحلول موعد تسليمها للمدنيين، لا نظن أن يتم التسليم بأخوي وأخوك، رغم وجود الضامنين الكبار، فالضامن الأقوى والأضمن هو الشباب الثائر.
وعلى شباب الثورة، أن يظلوا يقظين للطابور الخامس، المندس وسط قوى الحرية والتغيير، الذين عارضوا العصيان المدني، وتلعثموا في تأييد مليونية 30 يونيو التاريخية والفاصلة، والذين أصبحوا كالديوك، يظنون إن لم يصيحوا فلن تطلع الشمس، وسيظل الكون مظلماً.
ebraheemsu@gmail.com
//ابراهيم سليمان//


الأحد، يوليو 07، 2019

ولا تزال المعارضة القاصية صيداً سهلاً للنظام!


ولا تزال المعارضة القاصية صيداً سهلاً للنظام!

أن تختلف بشرف مع الآخرين، فهذا لا تثريب فيه، وأن ترفض أن تكون إمعّة، فذاك من شيم الرجال وخصال الكنداكات، وأن تأبى أن تكون من غُزيّة، إن غوت غويت، وإن أرشدت غُزيّة ترشد، ففي هذا قولان، المطلوب من الشرفاء خلال هذا الظرف الوطنيّ الدقيق الذي يمر به البلاد، أن يكونوا "فِسيّة ديك"، أينما مالت المعارضة، والمعنيّة بها قوى الحرية والتغيير، أن يميلوا معها، فالديك ليس ضعيفا كما يُفهم من سياق المثل، فهو حصيف، لا يعاند الرياح بفِسيّته، وبدلاً عن تغيير إتجاهه، نجده يسمح لفٍسيّته بالتأرجح مع متغيرات الطبيعة، بينما يظل مرفوع الرأس يراقب الأوضاع عن كثب، ذلك أنَ الثبات المطلق لا يليق بالشأن السياسي.
إستطاع المؤتمر الوطني الإستمرار في الإنفراد بحكم البلاد لثلاثة عقود، بمكر تمّثل في دّق أسفين في جسد المعارضة الهشّة، وزرع "ام القاسطون" وسط مكونات المجتمع السوداني، يقّدم هذا ويبعد ذاك، يبيع طرف، ليشتري طرف آخر، يمنح سكوك الوطنية لأُناس، ويوصم آخرين بالخيانة، لم يجد المؤتمر الوطني، من ليس له ثمن، أو من هو غير قابل للبيع إلاّ من رحم ربه.
وكلاء المؤتمر الوطني الغاشمين، لا يزالون يمارسون ذات الألاعيب الخبيثة، ومن حسن حظهم وبكل أسف، المعارضة السودانية حالها حال آل البربون، لم يتعلمون شيئا من تجاربهم الفاشلة ولم ينسون شيئا من خلافاتهم العتيقة. فالساحة الثورية الشبابية مليئة بأشباح الإنتهازي حسن إسماعيل، والكبار يستمرئون لعبة "الملوص" السياسي، دون إعتبار أنّ الوطن يغرق في بحورٍ من الدمع والدماء، ويستغيث بأعلى صوته، مثل هذه المماحقات الإنصرافية، تعّبر عن عدم تقدير المسئولية، "فالديك" القائد في مثل هذه المواقف، لن يحيد عن هدف إسقاط النظام، ولن ينصرف عن غاية تحقيق الإنتقال للحكم المدني الديمقراطي، هذه الغاية، لا تقبل التواصل السري مع وكلاء النظام، أو التودد الإنفرادي من المجلس الأمني الإنقلابي للحصول على مزية، تفل عضد المعارضة.
الوطن الجريح يئن من الألم، ويتأوه من العذاب، وبعض رموز المعارضة تنشغل بشجاراتها القديمة المتجددة، وليست مستعدة بعد للإستماع لمثل هذه الاستغاثات الوطنية الملحّة، والأخزى من ذلك، تجدها مستعدة للتصّدق بالتبسم في وجه عدو الشعب، والتجّهم على جبين حلفائهم في المعارضة.
ما يحزن، ويثير الأسى، أنّ رموز المعارضة لم تنضج أبدا مهما عركتها التجارب، لذا تجدها متى ما حصل إختلاف فيما بينها، لا تعرف واجهة غير التيمم شطر النظام الغاشم، نتطلع لأن نرى من يختلف بمسئولية، ويظل على جادة المعارضة الشريفة للقتلة والظلاميين، والأدهى وأمرّ، بات مألوفا، أن تجد من يبحث أو يختلق الذرائع لمفارقة صفوف المعارضة، للتقارب مع القتلة والسفاحين! وما تثير الشفقة السياسية، تجد كل من شعر بالبدانة الثورية، لن يتردد في الثأر لذاته متى ما شعر أنّ رفقائه في رصيف المعارضة، لا يتبنون رؤاه حرفياً، أو متى ما توّهم أنّ الآخرين يزايدون على تضحياته أو من يحاول القفز فوق نضالاته الثورية.
ومن المؤسف أن تجد القيادي السياسي السوداني، كالسابلة ورعاع الناس، يشطط غضبا من رفيقه ولو أحدهما ثاني أثنين في جوٍ عاصفٍ في عرض البحر، ولا يستطع تأجيل أو كتم غيظه ولو لثانية واحدة، وتجده أعجز من يكون في تقدير الموقف، والأنا عنده أحياناً، مقدم على مصير الملايين الذين يمّثلهم حسيّاً أو معنويّاً، وقديماً قال المقنع الكندي، "ومن لم يُصانع في امورٍ كثيرةٍ، x يضّرس بأنياب ويوطأ بمنسم"، وإن كانت المصانعة مطلوبة في التعامل مع العدو، فالرفيق بلا شك أولى بها سيما في الأوقات الحرجة، والمنعطفات الحادة.
كل من يتخذ طرفا قصيّا من المعارضة، يعّرض نفسه تلقائياً لفتنة تدليسات وكلاء النظام، الذين يبحثون هذه الأيام بصورة محمومة عن أُجراء من الباطن لتسيير دولاب الدولة المعطّل بالإرادة الشعبية، وهي خدمة بمزايا خرافية من شأنها محاولة إجهاض ثورة ديسمبر الظافرة بإذن الله، فليعلم هؤلاء، ليس للكيزان دين، وليس للعساكر عهد، وليس هنالك ما هو أخزى من الإنتصار للذات، وكل صاعد على عرق المساكين، ساقط لا محالة.
ebraheemsu@gmail.com
// ابراهيم سليمان//