الخميس، يناير 24، 2019

أرجوكم .. لا تظلموا جيش كما ظلمتم الشباب


أرجوكم .. لا تظلموا جيش كما ظلمتم الشباب


اتهم الشارع السياسي، جيل الألفية من الشباب السوداني بأنه جيل رخو ومائع لا رجاء منه، كان تقيمه انّه شباب نشأ وترعرع في ظل هذا النظام الفاسد والمستبد، فأصبح شبابا بلا ذاكرة، منبت عن موروثه الثوري المشّرف، يفّجر هذا الشباب المظلوم ثورته المجيدة في 19 ديسمبر 2018م ليثبت أنّ هذا الحكم كان متعّجلاً، وأنهم على قدر التحدي وأزيد، في التصدي للظلم، وفي الفهم والتنظيم والإبداع، جيل اخترع أدواته، وسخّر معطياته ليُحي الأمل، ويجدد الرجاء الذي كاد أن يموت في دواخل الذين هرموا في إنتظار بزوغ فجر الخلاص، فاجأ جيل الألفية الشارع السياسي، ليبرهن أنه قادر على شق طريقه، دون وصاية، فنال الإعجاب، وإستحق الإعتذار.
ذات التهمة ما زالت تتلبس قوات الشعب المسلحة، بأنّ ضباطها وجنودها خانوا شرف الجندية، وظلوا يتفرجون على المليشيات العقائدية، والقوات الأمنية الخاصة، تنّكل شرّ تنكيل بأهليهم وأخوتهم الأطفال والشباب، وتنتهك حرمات أسرهم، وتعتقل شقيقاتهم وتتحرش بهن، دون أنّ يحّركوا ساكنا، ويقيننا أنّ هذا الحكم أيضا متعّجل وغير منصف.
فأمام النظام خياران، أحلامها مُر، وكليهما سيعّجل بنهاية منظومة الإسلاميين الدموي والكارثي، فإن إستمرت هذه القوات القمعية، والمليشيات العقائدية في إطلاق الرصاص الحي على صدور الشباب السلميين والعزّل، نراهن أنّ قوات الشعب المسّلحة، التي يظن النظام أنّه غسل أدمغة منسوبيها، وأنّه مطمئن على ولائها المطلق، نراهن على أنّها ستتمرد على قياداتها العليا الوالغة في الفساد والمنغمسة في الإستبداد، وتنحاز للشعب، لتتكرر ملحمتيّ أكتوبر وأبريل.
وإمّا أن يتراجع النظام عن إطلاق الرصاص الحي على شباب الثورة، تحت الضغط الدولي، أو ترتخي القبضة الأمنية نتيجة تواطئ محتمل "لتاتشيرات" القتل مع المتظاهرين، في هذه الحالة، من المؤكد أنّ الشباب الثائر سيقتحمون أبواب القصر الجمهوري جهاراً نهارا. فالثوار البواسل الذين يفتحون صدورهم للرصاص الحي، لن تخيفهم سُحب البومبان، ولن تصدهم الهراوات المرتعدة.
وكلّما إزداد عدد شهداء الثورة، تراكم الغبن ضد النظام، وكلّما إرتفعت مناسيب الدم المسفوح في شوارع الثورة، إنخفض عدد المساندين للقصر الجمهوري، وكلّما إستمرت التظاهرات، إزداد عدد القافزين من سفينة الإنقاذ التي تعبث بها أمواج تسونامي الثورة، فالنظام فقد المبادرة، وفقد المنطق، وبات يجاري الثوار في شعاراتهم، ويحاول التماهي مع تاكتيكات ترويضهم للقوات القمعية، وهو يلهث لإطفاء نيران الغضب المتصاعد في ربوع البلاد دون جدوى، فالوعود الكاذبة تجاوزها الثوار بفراسخ، وأنّ الثورة محكمة الدوائر ولا مجال لاختراقها بكافة السبل، والثوار قليلو الكلام، كثيرو الإصرار، ليس لديهم للنظام سوى كلمتان لا ثالث لهما، # تسط بس. لا تقبلان التفاوض، ولا تتحمل أية منهما الحذف أو الإضافة، بينما رأس النظام يرغي ويزبد، دون إن يلتفت إليه أحد من الثوار.
قوات الشعب المسلحة الباسلة، تدرك أنّ نظامهم الشمولي قد فشل فشلا زريعا في إدارة شئون البلاد، ولا سبيل للإصلاح أو إستمرار الحكم الحالي، الذي وصل إلى نفق مظلم ومسدود، وأنّ القيادات السياسية متخمة بالفساد، وأنّ القصر الجمهوري يحمي المفسدين، وباتوا على قناعة أنّ المعركة ضد إرادة الشعب السوداني، بكل المعايير خاسرة لا محالة، ولا شك أنّ دواخلهم تمور الآن بالنزاعات الأخلاقية، وتعاني من تأنيب المزمن للضمير، فرغم محاولات مسح الأدمغة، ووسائل تغبيش الوعي من قبل دهاقنة الإسلامي السياسي، ورموز التنظيم العالمي للإخوان المسلمين، يظل ضباط وجنود قوات الشعب المسلحة، جزء لا ينبت عن أصالة وخيرية الإنسان السوداني، لذا يمكننا الرهان عليهم، في وضع حدٍ لدموية السفاح البشير والقاتل صلاح قوش، وتمكين الشباب السوداني من تولي مقاليد البلاد.
الجيش يدرك أنّ تراجع الثوار غير وارد البتة، وأنّ شعار "تسقط بس" لن يسقط على الأرض، وأنّ القائد العام غير الراشد قد أساء لهم بتحويل إمتيازاتهم المادية والمعنوية لمليشيات الدعم السريع، وأنّ وجودهم بات شرفيا منذ زمن، رغم أنّ الحكم لثلاث عقود باسمهم (نفوا ذلك أم اقروا به)، وبسبب هذا التحيّز، لم تتورع القوات الأمنية والمليشيات الخاصة من تعمد إستفزازهم، والتقليل من قدرهم، والتنكيل بمنسوبيهم، وما حادثة كورنيش بورتسودان البارحة ببعيد، وما يمكننا قوله، أنّ قوات شعبنا المسلحة، لديها ألف سبب وسبب لمفاجأة الشعب السوداني، كما فاجأه شباب ثورة 19 ديسمبر، فترقبوا المفاجأة السارة من جيش "الهنا" قريبا.
ebraheemsu@gmail.com
//إبراهيم سليمان//


الأربعاء، يناير 16، 2019

الطيب مصطفى .. العدالة قبل شيل البُقَج

الطيب مصطفى .. العدالة قبل شيل البُقَج

هتافات شباب انتفاضة ديسمبر المدّوية، أصابت الطيب مصطفى بالهلع، وكاد الزعر أن يعيده إلي صوابه، ويبدو للراصد لتصرفاته الأخيرة، أنّ زمجرة شوارع الثورة، فكّت عنه سكرة السطلة، و"سطلة" الحكم، وطفق يطرح أسئلة منطقية، تفصح عمّا يقلقه ورهطه من رموز النظام ووجهاء التمكين، ولأول مرة نجد الخال الرئاسي يفكّر جدياً في مصيرهم بعد زوال نظامهم، الذي ظنوا أنه خالد، وصدّقوا أنفسهم أنهم لن يسّلموا الصولجان إلاّ للمسيح، وينتظرون واهب الملك ونازعه، أن يرسل جندٌ من السماء، يخلع رئيسهم عن كرسي السلطة، ناسين أنّ لله جندٌ مجّندة يمشون في الأرض، ويتظاهرون في الطرقات، متغافل أنه يعيش في كنف ابن اخته، وليس من غمار الناس، لذلك ما كان له أن يطرح اسئلة شمولية، من شاكلة، نشيل بُقجنا نمشي وين؟


بلا شك أنّ الخال الرئاسي المذعور، ظل يرى نفسه من طينة مختلفة، وأنّه من الصفوة المختارة للحكم، ولا يجدر بهم حمل البُقج والنزوح كما فعل قسراً الملايين من السودانيين، جراء سطوة نظامهم الباغي، الذي شرّد موظفي الخدمة المدنية، وشتّت شمل الأسر، وأباد الشعوب المهمشة جماعياً، وظل الناجين منهم يضربون في كافة أرجاء المعمورة يطلبون مُراغمٌ وسَعة، أنّ يتشرد الملايين من أهالي الهامش، والمعارضين لمنظومة حكم الإنقاذ الشمولي، في نظره غير ذا بال، المهم ألاّ يضطر أمثالهم إلي شيل البُقج والنزوح، لسان حالهم يقول: إذا مت ظمآن فلا نزل القطر. ناسياً أنّ على الباغي تدور الدوائر لا محالة.
نود أن نذكره، انّ الذين عبروا الحدود قسراً، هم أُناس أطهار، ومواطنين أنقياء، لم يسفكوا دماً حراما، ولم يطعموا أطفالهم أموال السحت، ولم يغتنوا من الوظيفة العامة، ولم يشيّدوا القصور من أموال الشعب، ولم يأذوا أحد بألسنة حِداد، لذلك رغم مرارة اقتلاعهم عن جذورهم، وإبعادهم عن موطن أجدادهم، كان أحمال "بُقجهم" خفيفاً عليهم، أما أمثالكم، من المتمكنين، ليس بإمكانكم "شيل" البُقج قبل الوقوف أمام ساحات العدالة، وتبرئة صحائفكم من أموال الشعب، ودماء الأبرياء، والمساءلة عن المسئولية الفردية عن تقويض حكومة شرعية، والمساهمة في تمكين عُصبة فاسدة.
وستضيق عليكم القصور الشامخة، والفلل المنيفة التي شيّدتموها من عرق الغلابة، وأثثتموها من مال السحت، وبات حتمياً أمام سنابك الثوار الغاضبين، ستضيق عليكم الأرض بما رحبت، ولن تجدوا ملاذا للأدبار، وأينما تكونوا، ستدرككم العدالة، وتلاحقكم اللعنات.
ومن العجب لا يزال الطيب مصطفى، يحاول إعادة الأسطوانة المشروخة عن فزّاعة الصوملة والسّورنة، وقد فات عليه، أنَ هنالك رئيسان تداولا السطلة سليماً في الصومال، خلال أقل من نصف مدة حكم ابن اخته الفاشل (حسن شيخ محمود خلف شريف شيخ احمد عام 2012م، ومحمد فرماجو خلف حسن شيخ محمود عام 2017م)  ولا نظن أنّ الصوماليين قد سمعوا ببدعة "خجّ" صناديق الانتخابات العامة، وفات على الخال الرئاسي أنّ المواطن الصومالي يصلي الفجر مطمئنا، ولا حاجة له للهرولة إلى صفوف الخبز قبل بزوغ الشمس، وأنّ بنوك سوريا، لم تحجر أموال عملائه، وأنّ شوارع دمشق خالية من صفوف الوقود، ولم يتنازل الأسد عن مِنبج من أجل استمرار حكمه رغم دمويته، كما فعل ابن اخته بالجنوب. لذلك نقول بكل ثقة ليس ثمة بلد على كوكب الأرض أسوأ من السودان في الوقت الراهن.
جهزوا "بُقجكم"، وإلى جحيم العدالة
ebraheemsu@gmail.com
//إبراهيم سليمان//


ثورة 19 ديسمبر .. بت شباب وابنة تسعة ومتميّزة

ثورة 19 ديسمبر .. بت شباب وابنة تسعة ومتميّزة


ثورة 19 ديسمبر مولودة مجيدة، طال انتظارها من قبل الشعب السوداني، المبتلى بنظام الإسلاميين منذ ثلاثة عقود، هذا الجنين كان يتخلّق ببطء، ظهرت أولى علامات مخاضها في سبتمبر 2013م، وكانت عنيفة ومكلفة، بشّرت بمهابتها وتميزها، ثم استكانت لتواصل نموها في هدوء نسبيّ، حينها كتب الشاعر الفحل عالم عباس نبوءته "صمت البراكين قبل انفجار الحمم"، لتصدق في ديسمبر 2018م، ليخزي أعين الذين شككّوا وظنوا أنَ الحمل كاذب، وأنّ البلاد تجاوزت سن اليأس، وانقطعت خصوبتها، قدِمت هذه المولودة الميمونة، ولها ما تميزها عن شقيقتيها أكتوبر وأبريل، حيث أنّ مخاضها كان عسيرا، وأنّ ملامحها منذ النظرة الأولى بدت مختلفة، ونبرة صرختها جاءت مدوّية ومتميّزة، بالإضافة إلى مسقط رأسها الذي بلا شك سيفرض بصماته على قسمات وجهها وطبيعة مزاجها.

خلافاً لشقيقتيها، هذه الثورة تبدو ابنة تسعة كاملة، وابنة ضهاري إن جاز التوصيف، ففي أكتوبر وأبريل، لم يسمع أهل الهامش بالحمل الثوري، لذا لم يكونوا جزءاً من حضور ميلادها، يستيقظون صباحاً ليدركوا أنّ نظاماً قد سقط، وأنّ حكومة باسمهم قد تشكّلت، وفيما بعد يدركون أنَ المولودة "خديجة". أمّا في السادس من ديسمبر 2018م، استيقظ أهل المركز في تثاقل وتثائب، ليجدوا أنّ تلاميذ مدينة سنار قد أشعلوا فتيل الثورة، ثم تلقفه طلاب مدينة الدمازين في الثالث عشر من ديسمبر، ليبشّروا بإرهاصات ميلاد الجنين المرتقب الذي طال انتظاره من الجميع، لتحرر له شهادة ميلاد في شوارع عطبرة الصمود في التاسع عشر من ديسمبر 2018م كمولودة كاملة النمو في صحة وعافية، رغم عسر المخاض الذي لا يزال يلازم والدتها.
ثورة 19 ديسمبر ولدت بأسنانها، ومنذ يومها الأول تمكّنت التفريق بين التمرة والجمرة، وأولى صرخاتها كانت سلمية سلمية، وظلت تلهج بهذه الأهزوجة التي تضمن لها ضخ الأكسجين النقي في رئتيها، سلمية سلمية ضد الحرامية، هي كلمة السر التي تدمر الآلة القمعية لأعداء الثورة، ومنذ أيامها الأولي انصرفت عن المطالبة بالحليب والحلوى، لتقول تسقط تسقط بس، فمن يظن أنها مولودة عادية؟ أنها قدّيسة تكّلم الناس في المهد صبيا.
ثورة 19 ديسمبر تنمو بتأني وتكبر بثبات، وكل صباح تزداد حيوية، وتكتسب مناعة، وبات الشباب السوداني يتوق لملاقاتها ومداعبتها يومياً في الشوارع، بصدور عارية لدرجة ادمان طقوسها، فكانت الأهزوجة: البمبان بخور تيمان، وهي المولودة الوحيدة التي غنّت ورقصت لها أطفال البادية: قوة البشير .. قوة قاتلة، حركات حركات .. قوة قاتلة، جننو البنات .. قوة قاتلة، يا الله من الدِعم .. قوة قاتلة، وضحّت لها أطفال الحضر بأرواحهم الطاهرة (الشهيد الطفل شوقي الصادق إسحق، تاريخ الشهادة الجمعة 21 ديسمبر 2018م، الجزيرة أبا)، وهي المولودة الوحيدة التي تعرّض "شُفّع" السودان البواسل في سبيل حمايتها لأشدّ وأشنع أنواع التنكيل من قبل أعدائها الرعاديد، هذا الاحتفاء الشامل، والترحيب الحار بمقدم هذه المولودة الاستثنائية توفر لها الحماية والرعاية وتضمن لها الحياة والخلود.
الثورة الحالية بت شباب بامتياز، فتيات وفتية من كافة مكونات الشعب السوداني، مصريّن على سد الطريق بكل تهذيب أمام ديناصورات الساحة السياسية، ورموز تنظيماتها العتيقة، المتعّجلة والمدربة على السطو الثوري والمدمنة على الفشل السياسي، ومن المرجّح أنّ تتخلّق تنظيمات سياسية حديثة سندها الشباب، تتسق مع مزاج هذه المولودة الجامحة والطموحة، ومن الواضح أنّ دم الإنقاذ "النجس والفاسد" سيتفرّق بين جميع مدن السودان، وسيتوزع شرف القضاء على كابوس الإسلاميين بالتساوي، مما يعني أنّ المركز لن يكون له الكلمة الأولى والأخيرة في سودان ما بعد تاريخ ميلاد ثورة 19 ديسمبر المجيدة، وأنّ الهوامش المتمردة على المركزية أيضا لن تستطع فرض أجندتها كما هي، وبذلك هدّمت الثورة فزّاعة التشفي وأوهام الانتقام الجهوي التي كانت ترفعها السلطات الإنقاذية، مما يطمئن الجميع أنها بت سودانية حقيقية ولونها قمحية، ولن تروق لها محاولات الابتزاز، ولن تعترف بصكوك الامتياز المحفوظة في اضابير التاريخ، وأنّ زمام الأمور سيكون للساسة الشباب وليست للسادة.
شعارات التجريم الكثيفة بالسرقة واللصوصية ضد الإنقاذيين الفسدة، المرفوعة خلال هذه الثورة، وهي ليست من فراغ، بلا شك سترفع درجة حساسية عالية ضد الفساد وفي وجه المفسدين. سلمية سلمية .. ضد الحرامية، مرقنا مرقنا .. ضد السرقو عرقنا، يا الخرطوم ثوري ثوري .. لن يحكمنا لص كافوري، ومما لا شكّ فيه، أنّ النعرة العنصرية، التي قزّمت البلاد، واوشّكت أنّ تفرّق العباد، ستتصدى لها ثورة 19 ديسمبر بحزم، استحقاقاً لشعارها الكبير والعظيم: يا العنصري المغرور .. كل البلد دارفور، فمن يدان بقانون ضمير الشعب السوداني بالسرقة واللصوصية، والغرور والعنصرية، لا نظنه يستطيع المشيء وسط الناس برأس مرفوع، حتى إن غيّر رسمه وملامحه، ببساطة لأنها ستحترق بنور القداسة الثورية الساطعة.
الشباب العاطل قسرياً، يجدون ملاقاة الثورة في الشوارع يومياً بات امراً مسلياً وحتميا، وسط زغاريد الأمهات، وتصفيق الآباء، وأصبح لهم رصيد نضالي سجّل في دفاتر التاريخ بأحرف من نور، ومكتسبات ثورية شهد عليها العالم أجمع، ومحال التفريط فيها أو التراجع عنها، وبينما تكلّ يد الجلاد، تنعتق أجساد الأبطال الشباب، وبينما يزاد نور الحق توهجا، تخفت زيف الباطل، ليبرهن أنّ ثورة 19 ديسمبر ولدت لتبقى وتسود، شاء من شاء، وأبى من أبى.
  ebraheemsu@gmail.com
//إبراهيم سليمان//


الثلاثاء، يناير 01، 2019

ما هي مصلحة عبد الواحد من إجهاض الإنتفاضة؟

ما هي مصلحة عبد الواحد من إجهاض الإنتفاضة؟

 غباء أجهزة المؤتمر الوطني الأمنية، وسذاجة تفكيرها، فرض علينا طرح هذا السؤال، لأن منطق الأشياء يحّتم البناء على إجابته، لمعرفة دوافع النظام من استهداف أبناء دارفور وحركة عبد الواحد تحديداً، خلال الظرف الفاصل الذي يواجه. هذه الدوافع تبدو لنا مزج بين الإسقاط والإزاحة، فالإسقاط يحدث عندما ينسب أحد الأشخاص دوافعه لآخرين، وتحدث الإزاحة عندما ينّفس الأشخاص عن غضبهم، أو يصّبون مشاعرهم العدائية على أحد الأشخاص أو المجموعات التي لم تكن السبب في المشكلة التي يمرون بها. فعندما نرى مشاعر لا عقلانية، قد يكون ذلك نتيجة لعملية إزاحة. علق "برناردشو" ذات مرة قائلاً: "أكبر عقاب للكاذب أنه لا يستطع أن يصدق الآخرين".
لا يحتاج المرؤ إلى كبير عناء، أنّ الذين يحاولون تخريب الممتلكات العامة والخاصة، خلال الإنتفاضة الشعبية الحالية، إن وجدوا، هم من لديهم مصلحة مباشرة، أو غير مباشرة في اجهاضها، وهم الذين يتأذون من سلميّتها، ويبحثون عن مبرر لإطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين، وتشويه صورتها المشرِّفة لدى شعوب العالم التي تتابع وتشهد على دقة تنظيمها ومسئولية حراكها.
تكرر سيناريو الإزاحة لدى نظام الإنقاذ، باستهداف أبناء دارفور عدة مرات بغرض إحداث شرخ في النسيج الاجتماعي السوداني،أأأأأأأأأــــتتتتتييي إبتداءً من تلفيق تهمة قتل الصحفي محمد طه محمد احمد، في سبتمبر عام 2006م، ثم بعد مقتل المواطنة أديبة فاروق فضل المرجي في يوليو 2017م والإستهداف الأخير الذي وجهته الأجهزة الأمنية لطلاب دارفور، من منسوبي حركة عبد الواحد، ستكون الأخيرة لأن النظام يلفظ أنفاسه الأخيرة الآن.
النظام يدري والكل يعلم، أنّ عبد الواحد هو القائد الثوري، والسياسي الأوحد الذي لم يتزحزح قيد أنملة عن مبدأ إسقاط النظام منذ إعلان تأسيس حركته عام 2001م، وإلي يوم الناس هذا، ظل متمسكاً بهذا المبدأ، وهو أحرص الناس على إزالة النظام، وأكثر من واجه الضغوطات من كافة الجهات الدولية والإقليمية لإثنائه عن هذا المبدأ، وظل صامداً وشامخاً كالطود، وإلي يوم الناس هذا لم تستطع آلة النظام العسكرية بكامل جبروتها من تركيع قواته العسكرية في سفوح جبل مرة، وخابت كافة محاولات اجهزته الأمنية من اختراق وزعزعت خيام أنصاره في معّسكر كلمة الصامدة.
لذا يعتبر عبد الواحد اكثر الناس تضرراً من استمرارية هذا النظام الدموي الذي اضطّر إلى استخدام السلاح الكيماوي القذر لإبادة اهله وقواته في جبل مرة، وليس لديه مصلحة ثورية في تحريض منسوبي حركته على التخريب الذي من شأنه إلحاق الإضرار بالممتلكات العامة، وخلق مبرر للأجهزة الأمنية المتعطشة للدماء لقتل المتظاهرين، وتفريق شملهم.
وبحنكة سياسية نادرة، استطاع عبد الواحد من رد فِرية الأجهزة الأمنية إلى نحور زبانيتها حين أعلن للملأ أنه سلّم قيادة الثورة للشارع السوداني المنتفض بقوة وثبات، وحين ألقمت الجماهير المنتفضة، النظام العنصري حجراً بهتافها المدويّ والتي بلغت عنان السماء: يا العنصري المغرور، كل البلد دارفور، غباء اجهزة النظام القمعية، وحدّت وجدان الإنتفاضة الشعبية المباركة، وردّت الاعتبار لدارفور الجريحة، وبرهنت لمنظومة الإخوان المسلمين، أن سياسات فرّق تسد الرخيصة، جاءت نتائجها عكسية، ولا نظن أنّ اكثر المتفائلين، كان يتوقع أن يسمع ترديد مثل هذا الشعار الوطني في شوارع الخرطوم، مقارنةً بالمجهود الضخم والممنهج لإحداث شرخ قومي تضمن استمرار حكومة الإنقاذ القميئة.
بتوجيه تهمة التآمر والتخابر والعمالة لإسرائيل، لعبد الواحد محمد احمد نور، ومنسوبيّ حركته الأشاوس، أسقط النظام جام مخاوفه على هذا الرمز الصامد، وأضاف لكاريزميته المتوهجة ابعاداً قومية، ما كان يحلم بها، فحين توجهّت إليه كافة الأنظار في عليائه، ملأ عين كل من شاهد ثباته واستمع لكلمته المرتّبة، وانبهر برؤاه للخلاص الوطني، ورموز النظام يعلمون أنّ عبد الواحد لم ولن يساوم في الخلاص، ولن يناور في القصاص، وهذا بلا شك ما يرعبهم ويؤّرق مضاجعهم، وهو قد سلّم قيادة حركته للشارع، وبلا شك أنّ هذا الشارع المنصف سيرد له الاعتبار اللائق بمواقفه الصلدة، وجلده الثوري اللامحدود، الذي أثار عليه شفقة زملائه الثوار في ابوجا، والذين بلا شك يغبطونه الآن على برهان رجاحة عقله، وحصاد ثمن مبدئية موقفه من إسقاط النظام، ولا شيء سواه.
أبناء دارفور الذين تنّكل بهم الأجهزة الأمنية الآن داخل معتقلاتها، بتهم التخابر والـتآمر، والتخطيط للتخريب، يدفعون ثمن غالي لإنهاء حكم الإسلاميين، وأنّ الرسائل المبطنة التي تزجيها أجهزة النظام البوليسي، لمدن غرب السودان، ومفادها الإرعاب عن وخائم الخروج للشارع، يندمون عليها، ويؤسفون على سذاجة تفكيرهم المرعوب، الذي يصّور لهم كل ثائرٍ "عبدالواحد".
الرحمة والخلود لأرواح الشهداء
والمجد والصمود للجرحى والمعتقلين.
ebraheemsu@gmail.com

//إبراهيم سليمان//

السبت، ديسمبر 29، 2018

الشعب لم يخّيب آمال المقهورين

الشعب لم يخّيب آمال المقهورين
ظنّ الكثيرون أنّ الشعب السوداني، قد تجاوز حدود الصبر على إهانات نظام الإنقاذ، واستهتار قياداته الفاسدة وغير المسئولة، وكاد اليأس أن يحتوي المراهنون على إرادة الجماهير المتكئة على ارث نضالي ماثل ومشرف، وسط شكوك في ريادية الشعب السوداني، واستعداده لإعادة الدروس لمن فاته الاعتبار، إلي أن أشرقت شمس يوم التاسع عشر من ديسمبر 2018م، تذكّر الشعب ألحان العملاق وردي، وكلمات المبدع التجاني سعيد، من غير ميعاد واللقيا أجمل في الحقيقة بلا انتظار، صحيتي في نفسي الوجود و رجعتي لعيوني النهار.
في هذا اليوم الأغر، ومن غير ميعاد، إلاّ مع القدر، طلع النهار من وهج لهيب مدينة الحديد والنارــ عطبرة الصمود والتحدي، لتعلن بداية النهاية لحكم الإسلامين الفجرة، ووضع سطر جديد في سجل تاريخ شعبنا الباسل، شرارة الثورة المتدحرجة من عطبرة لن تتوقف، ولن تنطفئ هذه المرة إلاّ بعد كنس نظام الإنقاذ، ورميه في مذبلة التاريخ.
الظرف مواتٍ، والسيل قد بلغ الزبى، شمول الثورة، وسعة انتشارها واستمراريتها، مقابل العجز الحكومي التام، واستحكام عُزلة النظام اقليمياً ودوليا، بالإضافة إلى تفّرد الحدث عالمياً، تضمن نجاحها، واستحالة التراجع عن بلوغ غايتها، "اسقاط النظام"، الدماء الشبابية الحارة للشهداء، وارواحهم الطاهرة،  وارتفاع وتيرتها تمثل وقود متجدد للمواجهات، يضاف إلى ما سبق، حيادية معظم القوات النظامية، والقفز المتصاعد للانتهازيين من سفينة الإنقاذ الآيلة للغرق، وخسارة النظام لمنابر المساجد، جميع هذه المعطيات، تجعل العودة إلى ما قبل التاسع عشر من ديسمبر امر محال، واحتمال مستحيل. سيما وأنّ رأس النظام، بصوته المبحوح من الجزيرة الخضراء، ينتظر مائدة تتنزل عليه من السماء، لغوث نظامه المتهالك والمتهاوي.
مرة أخرى برهن الشعب السوداني، أنّه صبور وليس خنوع، وأنّه شجاع وغير متهور، وأنه يقدر التواضع ولن يتسامح من "الحقارة".
ورغم عفوية الحدث، المنسوب إلى الشارع السياسي المحض، لا شك أنّ شعوب العالم، قد رفعت حاجب الدهشة لدقة التنظيم، وانضباط الشارع الثوري السوداني، على السجّية، دون قيادات منظمة، وسمو الشعارات المرفوعة وإيجازها رغم الضائقة المعيشة حد العدم: حرية ـــ سلام وعدالة ــ والثورة خيار الشعب: والشعب ــ يريد ــ تغيير ــ النظام، وخاب أمل الذين سعوا حثيثاً لإحداث شرخ في نسيج المجتمع السوداني المتماسك، فقد إطمأن المشفقين، على أنّ الشعب السوداني لا يزال بخير، وهو أوعى وأكبر مما كان نظام الإنقاذ يتصور، في لحظات صحوٍ نادرة، تناسى الجميع كافة المرارات المفتعلة، وترفّع الثوار عن الصغائر والضغائن، ولم يلتفت ثائر إلى الأحداث والمواقف الإنصرافية من بعض الرجرجة والرعاديد والمرجفون في المدينة، واصبحت المدن السودانية، تزايد في الخروج على النظام، وتغالي في التعجيل برحيله.
لا شك أن المواطن الثائر، وجد متنفساً، وتذوّق متعة الخروج إلى الشارع، والتعبير بحرية عمّا يجيش ويغلي بداخلة من الغيظ والحُنق ضد النظام، الذي حاول جاهداً كتم أنفاسه وهضم حقوقه كمواطن وكإنسان، لسنين عددا، ولا نظنه سيتخلى او يتقاعس عنها، طالما ادرك أنّ في ذلك هلاكه، وهو بين خيار أن يكون أو لا يكون، وتيقّن، أنّ من اراد الحياة عليه الحرص على الموت.
في غمرة غيّهم، نسي الاسلاميون، أنّ عِرق الشعب  دسّاس، وأنّ الأمم لا يمكن أنّ تنبّت عن جذروها التاريخية، وأنّ رياح الثورة لآت، وقد أتت، وهبّت البلاد، بلد بلد، وصدق الوعد، فأين المفر؟
و لمّا تغيب عن الميعاد
بفتش ليكَ في التاريخ
و أسأل عنّكَ الأجداد
كلمة اخيرة:
أنّ دُور حزب المؤتمر الوطني، ومقار الأجهزة الأمنية، لا ينبغي حرقها، لأنها مشيدة من عرق جبين الشعب السوداني وهي ملك له، ويمكن تحويلها إلى حضانات للأطفال أو مستشفيات، أو حتى سجون للفاسدين والمعتدين منهم.
ebraheemsu@gmail.com
//إبراهيم سليمان//


الاثنين، ديسمبر 10، 2018

استطال الشتاء .. فليتركوا للصادقين الصلاة

استطال الشتاء .. فليتركوا للصادقين الصلاة
ما تختزنها الذاكرة الشعبية "الهامشية" أنّ حاج محمد مولع بالصلاة، صابر ومداوم عليها، ينظر بعين السخرية والحسد التعبدي للمصلين الموسميين، الذين يزاحمونه في زمن اليسر، والصلوات الصيفية، ويختفون في اوقات الشدة، لذلك لا يكترث بالمجاهرة قائلاً "فيأتي الشتاء ويتركوا لحاج محمد الصلاة".
والثورة المفروضة، كالصلاة المكتوبة، لا يصبر ولا يقوى عليها، إلاّ أولي العزم الثوري، الذين آمنوا بها، يؤدون فروضها القاسية، ابتغاء مرضاة شعوبهم، وإرضاءً لضمائرهم اليقظة، يشرئبون إلى حسن الختام، أما المنافقون، فيتساقطون جماعات وافرادا، ينشطون في الصلوات صيفا، ويتخاذلون شتاءً، إلى أن يتركوها جملةً واحدة، متى ما تيقنوا أنّ يوم الجزاء ليس بقريب، وأن الصلاة في الصقيع القارص، والممتد بلا افق، قد تهلك طموحاتهم المتعجلة، سيما وأنّ تقلبات الطقس الكوني، لا يبشر بخيرٍ مرتقب.
لا شك أنّ حاج محمد، "يَكْشِم"  هذه الأيام، ويبتسم وهو يرى المحراب يخلو له رويدا رويدا من المرائيين، الذين يفسدون عليه تركيزه، ويشوشون له قراءة اوراده المرّكزة، ويسرقون منه الأضواء بثرثرتهم غير المفيدة لأجهزة الميديا التي تحب الثرثارين.
شيئاً فشيئا، يقنع حاج محمد نفسه والآخرين خارج المحراب كذلك، أنّ نظريته صحيحة، وأنّ التعامل لا ينبغي أن يكون إلاّ مع الصادقين الأخيار، وأنّ الجلوس للحوار غير مجدي مع المنافقين، الذين إذا عاهدوا غدروا، وإن اؤتمنوا خانوا، والذين يظهرون خلاف ما يبطنون، وأنّ الذين يلتفتون، أو يسهون في صلواتهم، ليسوا بحوارين واتباعاً يعتد برفقتهم، بل يعتبرون عبئاً ثورياً، يلوون ألسنتهم بالحق، إلاّ أنهم يحَّرفون الكَلِم عن بعض مواضعه.
حاج محمد مدرك يقينا، أنّ استحقاقات الصلاة في زمهرير الشتاء الطويل، يضعف القوى الجسدية، لكنها تقوى الروح، وتكسبها الصلابة والنقاء، وأنّ الزهد في المكاسب الآنية، يقّرب للزعامة المطلقة زلفى، ولا يضيره إن هُدّ معبده في جبل الطور فوق رأسه، ليُقبر مع اسلافه الذكور بشرف.
من محياه يبدو حاج محمد متهلل الأساور، وليس مستبعداً أنه يرّتب لحفلة صاخية الأوراد، لوداع آخر فوج من المغادرين للمحراب الثوري، متمنياً لهم الهدوء والسكنية فيما تبقى لهم من حياتهم التعبدية، حينها قد يجهر هو في اوراده، ويتخيّر في حواريه، ويوّسع محرابه.
لكننا لا ندرِ إن كان حسد حاج محمد التعبدي، ضار بعقيدته أم مفيد لها؟
ننتظر ونرى.
ebraheemsu@gmail.com
//ابراهيم سليمان//


الأحد، ديسمبر 02، 2018

العنصريون في السودان .. من هم؟


العنصريون في السودان .. من هم؟


العنصرية من اشّد الأمراض فتكاً بالمجتمعات، وحسب الإحصائيات الدولية، فإن عدد ضحايا العنصرية في العالم، اكثر من عدد ضحايا الإرهاب، و العنصرية تفسد المزاج العام، وتعطل الشراكة في بناء الأوطان، وهي سلوك بشري قديم قدم الإنسانية على كوكب الأرض عددٌ من الأبحاث المنشورة، تُظهر أن الأشخاص أحيانًا يستخدمون العنصرية، ويلجؤون للسلوك المُؤذي، لتعزيز احترامهم لأنفسهم، وثبت عندما يُتعَّرض تقدير الشخص لذاته للخطر، يتخذ سلوك استباقي مثل العنصرية لاُستعادة ثقته وتقديره لذاته، أي ان الإنسان العنصري، يشعر بتهديد على بقائه من قبل الآخرين،. والبعض يلجأ لهذا التصرف المشين، لتصوير بأن المجموعة التي ينتمي إليها مهمةٌ ومؤثرةٌ، ولا سبيل لذلك إلا بطريقةٍ واحدةٍ وهي احتقار المجموعات الأخرى. ولهذا التصور التفضيلي، استحقاقات زائفة على حساب حقوق الآخرين.
للعنصرية اوجه متعدة، هناك عنصرية ناعمة، لسنا بصددها في هذا المقال، الذي نرّكز فيه على نماذج لأقبح اوجهها، والتي بدأت تظهر بصورة غير معهودة في الآونة الاخيرة، وهو التمييز على أساس العرق، والذي بات يظهر على السطح عبر ثقافة العنف اللفظي.
كلما وعى الشعب السوداني بحقوقه، وارتفعت اصوات المهمشين، لفك هذا (التهويش) المزمن لمقدرات البلاد، وتحرير رهنها لهذه الفئة الأثنية المتعالية، ارتفعت وتيرة الجرائم العنصرية، وانتشر العنف اللفظي، من اعلى هرم اجهزة الدولة، الراعي لهذا الاستعلاء العرقي، وهو امر مؤسف ومقلق، أي ان العنصري، كحيوان الضربان، يكثر من نثر الغازات النتنة، كلما حوصر، إلا أن مثل هذه الغازات، لا تمنع الملاحقة، متى ما كان الجرم كبير، واصرّ الجاني على الاعتداء المتكرر.
هنالك حقيقة لا يجب اغفالها، وهي أن وسائل التواصل الاجتماعي، وفرت منصات للتعبير عن المشاعر العرقية وبث الكراهية بشكل أكبر، وزادت من انتشار وتيرة العنصرية، والتي تشكل عاهات في جسد الامة السودانية، كلفتنا حتى الآن فصل جنوبنا الحبيب، دون أن يرعوي احد من تزايد وتيرته.
لدينا في السنوات الأخيرة، عدة  جرائم عنصرية مشهورة ومشينة، لم نسمع لها مثيل قبل مجيء منظومة الإنقاذ وافلاس قياداتها، وفضح افكارها،  دعنا نتأمل الدوافع المباشرة وغير المباشرة لملابسات كل حدث، ونتعّرف على الخلفيات الأثنية للجناة.
اقبح هذه الجرائم واشهرها حديث رأس النظام عن "الغرباوية" والشاهد فيه، اكبر رأس، واعلى مرجعية اسلامية وإنقاذيه، الراحل شيخ الترابي، أي أن فرص دحض الجاني للتهمة ضعيفة للغاية، بالنسبة لضمير الشارع السوداني، والإطار الزمني الذي ارتكب فيه رأس النظام المدعو عمر البشير هذا الجرم الجماعي المشين، تكالب الاتهامات التي وجهت له، والتي ادت إلى صدور مذكرة توقيفه من قبل الـ ICC، أي أن المجرم تلفّظ بتلك العبارة، بحثاً عن تقديره لذاته، وأملاً في استعادة احترامه المفقود لنفسه، ودون شك خلال تلك الفترة، كان البشير في اضعف حالته، وأنه كان ولا يزال يشعر بالخطر المحدّق بعرشه، من قبل الضحايا.
مسرح الحدث لجريمة عنصرية اخرى، هي محطة وقود بمدنية سنار، وكانت في يونيو من هذا العام 2018م المعتدي فيه، المدعو عثمان الزين، وصفته نائب امين الحركة الإسلامية بالمدينة، ووقائع الحدث كما يلي: تقدم الضحية المواطن السوداني، الحاج رحال، بصفته عامل محطة الوقود مكان الحدث، بإيقاف الجاني، دون سابق معرفة، من تخطي صف المنتظرين لخدمة المحطة، صعد الجاني علي عربته (بقصد الإشهار)، وخاطب الناس وقال "انه يكره أشد ما يكره النوبة، وقال متي أتى النوبة من الكراكير ليحكمونا، وفي رواية اخري ليتسلّطوا علينا، ثم  واصل الإهانة والتحقير قائلا: انه بإمكانه أن يدهس الحاج رحال تيه بسيارته في لحظة لأن رحال لا يساوى شيئا وليس له قيمة وانّ شركته يمكنها دفع القيمة أن وجدت"
هنا ايضا نجد أنّ الجاني، صاحب السلطة والثروة (مدير الشركة الإسلامية التعاونية) لجأ للعنصرية، عندما احسّ بعدم تقدير، حسب احساسه الذاتي وتقييمه لنفسه، وفقد احترامه لذاته بمحاولته تخطي الصفوف، ومنعه من قِبَل عامل عادي، وعندما يقول (متي أتى النوبة من الكراكير ليحكمونا او ليتسلّطوا علينا) هنا قد افصح عن مكامن الخطر، على التراتيبية الاجتماعية في مخيلته، والذي يصّور له أنه سيد على الآخرين. مع ملاحظة أن "يحكمونا" هذه متعلقة بمحطة وقود في منطقة هامشية، وليس داخل القصر الرئاسي؟
احدث جريمة عنصرية من هذه الشاكلة، وقعت شهر نوفمبر الماضي 2018م، ومسرحها فضاء اسفيري (مجموعة واتساب)، والجاني فيها المدعو عمر تاتاي، وصفته نائب سفير السودان لدى الكويت، والمجني عليه السيد أزهري  الزاكي القيادي البارز بالحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل، ووقائع الجريمة نعت  الجاني المجني عليه بأنه (فلاتي ساكت ولا علاقة له بنهر النيل) أثناء مشادات كلامية بينهما.
ومن الواضح انّ المعتدي فقد المنطق، وفقد الاحترام، ووجد نفسه محاصر، ولا انفكاك له إلا بسلاح العنصرية، لدفع الخطر المحدّق بذاته.
جريمة اخرى مسرحها مدينة الرياض، وقعت عام 2008م اثناء لقاء (الجاني) برابطة ابناء الشمالية بالمملكة العربية السعودية، خلال ذلك اللقاء التنويري، تحدَّث عبد الرحيم محمد حسين، وصفته وزير دفاع نظام الإنقاذ، تحدث غاضبا من المجني عليهم (اهالي غرب السودان بالجملة)، وبدون مناسبة، سوى الكراهية الدفينة، حيث قال رداً على تساؤل: "اما مسألة إستجلاب الحكومة لخمسة ألف مصري وتوطينهم في الشمالية غير صحيح وحتى لو إفترضنا أنه صحيح أيه المشكلة؟  ما ياهو غرب السودان فيهو ثمانية مليون من غرب افريقيا .. أيهما أفضل ؟"
عبد الرحيم حسين هذا، ما نظن أنه كان محاصراً او مضطراً لهذه المفاضلة الأثنية ذات المضمون العنصري العنيف، لو لا أنّ كل إناءٍ بما فيه ينضح. وبالطبع بحديثه عن الثمانية ملايين "غرّابي"، لم يستثنِ العنصري عبد الرحيم حسين، مواطن واحد من اهالي دارفور من التحقير والاستعلاء والاتهام بعدم الانتماء الأصيل لتراب السودان. اذ أنّ اجمالي تعداد سكان ولايات دارفور الكبرى، وقتها اقل بقليل من هذا العدد.
ناصر الطيب القيادي بالمؤتمر الوطني تجنى في سبتمبر من هذا العام 2018م على الصحفي عبد القادر باكاش، من خلال تسجيل  صوتي نُشر على وسائل التواصل الاجتماعي، احتوى على عنف لفظي ضد قبيلته، وتهديد صريح بالقتل مع سبق الإصرار، على خلفية مقال نشره الأخير، انتقد فيه التشكيل الوزاري الأخير بولاية البحر الأحمر، خصوصاً ما يتعلق بتعيين أشخاص من خارج الولاية في وظائف وزارية وإدارية، وقد اشار في مقاله إلى ولايتيّ الشمالية ونهر النيل.
من الواضح أن الجاني، إستشعر بالخطر على الامتيازات الوظيفية  المتوارث لعشيرته، لذلك لم يكتفِ بسلاح العنصرية وازدراء قبيلة المجني عليه، بل هدده جدياً بالقتل.
في اكتوبر 2017م اتهمت نائبة رئيس المجلس الوطني عائشة محمد صالح رئيس لجنة الصناعة بالبرلمان عبد الله علي مسار بإثارة العنصرية داخل جلسات المجلس الوطني ضد سكان الولاية الشمالية، وقالت انّ مسار كان والياً في الشمال ويعلم البؤس الذي يعيشه مواطن ولايات الشمال.
هذا الاتهام لا يمكن تصنيفه ضمن العنف اللفظي الذي نحن بصدده، ولذات السبب استبعدنا شيخ العنصريين الطيب مصطفي.
وفي سبتمبر عام 2017م  قال لواء طيار م/عبد الله صافي النور: "بي لونك دا ما بتقدر تخش دارفور"، وصفة الجاني قيادي في حزب المؤتمر الوطني، ووالي سابق لشمال دارفور، موجهاً كلامه إلي ساطع الحاج (المجني عليه)، القيادي بتحالف قوى الاجماع الوطني المعارض، رافضا الاعتذار له، ومسرح الجريمة برنامج الميدان الشرقي الذي تبثه قناة أم درمان.
يبدو ان صافي النور، فقد احترامه لذاته، ووجد نفسه محاصراً من  السيد ساطع، والذي فيما يبدو في نظره "حلبي"، غير مرغوب وسط اهل دارفور. إلا ان كلام صافي النور هذا، شاذ ومعزول ومدهش حتى بالنسبة لأهالي دارفور، الذين بين الأصلاء منهم من هو اكثر بياضاً وسطوعاً من ساطع الحاج.
وباستثناء صافي النور هذا، يتضح لنا أن جميع العنصريين، الذين يمارسون العنف اللفظي، ينحدرون من الوسط والشمال النيلي، والقاسم المشترك بينهم جميعا، انهم قياديون بحزب المؤتمر الوطني.
كدنا نظلم حزب المؤتمر الوطني، ونستسلم لهذه الخلاصة، لو لم يصدمنا الدكتور والمفكر حيدر ابراهيم، والدكتور والمفكر عبدالله على إبراهيم، والاستاذ السر قدور والصحفي محمد محمد خير، وآخرين كثر خارج حزب المؤتمر والوطني، هم كذلك خاضوا في هذا المستنقع الآسن والنتن، ليكتمل المشهد، ويمكننا القول أن الغالبية العظمي من الذين يمارسون الاستعلاء العرقي ويستخدمون العنف اللفظي ضد كافة مكونات الشعب السودان، ينحدرون من الوسط والشمال النيلي، وهذا امر مفروغ منه بالشواهد والأدلة والواقع المعاش.
ولكن بالطبع دائماً التعميم مخل وغير منصف، ولا شك أنّ هنالك من ابناء الشمال والوسط النيلي، من هم اناس محترمون، ويتمتعون بحس قومي متقدم وراقِ، إلا أن هؤلاء القلة العنصريين، محسوبين عليهم، سيما في ظل السلبية والصمت المطّبق من قبل كياناتهم الاجتماعية والأثنية، ازاء الاستعلاء العرقي، والمجاهرة بالتميّز والتحقير العنيف، والذي لم يسلم منه مكون من مكونات المجتمع السوداني غرباً وجنوباً وشرقا.
وإن أضفنا هذا النوع من التفرقة العرقية، الي الاستعلاء والعنصرية الناعمة والممنهجة التي تمارسها الحكومات المتعاقبة منذ فجر الاستقلال، والتي وصلت ذروتها في عهد حكم الإسلامين، والمتمثلة في احتكار الثروة والسطلة، والتي ما كان لها أن تصمد وتتعاظم بدون الدعم والمباركة من المجتمعات المنتفعة من تبعات هذا التعالي العرقي، ومردود العنف اللفظي، اذا اضفنا هذا النوع المكمل لعنصرية اهل الشمال والوسط النيلي، نخلص الي انّ إنكار هذا الواقع المؤلم غير مجدي، الأفضل الإقرار به، ومجابهته كما فعل الماليزيون، بكل شجاعة وشفافية. فماليزيا والتي اصبحت مثلا يحتذى بها تنموياً في الآونة الأخيرة، وهي دولة كالسودان متعددة الأعراق، وغنية بالموارد البشرية والطبيعية، وقد عانت مثلنا من توترات تصّنف عنصرية عرقية، ففي عام ٢٠١٣م كونت السلطات الماليزية مجلساً استشارياً للوحدة الوطنية عرف اختصاراً  nucc إدراكاً منها لخطورة التمييز العنصري واضرارها على المجتمع، فبعد عقود من التجاهل ومحاولة الإنكار، اقرّت ماليزيا رسمياً بطغيان وسيطرة مزاج العرق الملايوي على مفاصل الدولة، والذي اعتبره رئيس الوزراء(حينه) محاتير محمد، أحد اهم العوائق في مشوار مواصلة التنمية الشاملة، بما يكرسه في المخيلة من أفضلية العرق الملايوي على بقية الأجناس الاخرى الهندية والصينية. اهم ما جاء في توصيات هذا المجلس الاستشاري، استخدام العقوبات كرادع للأفراد والسياسيين الذين يصدرون أية بيانات عنصرية.
وتعد مشكلة التعدد العرقي واحدة من اصعب التحديات التي واجهت ماليزية خلال مشوارها التنموي وتحقيق الاستقرار السياسي، فما زال شعب الملايو وهم السكان الاصليين الذين يمثلون ثلاثة ارباع المجتمع يعانون من تدني وانخفاض في مستوي المعيشة، بينما الصينيين والهنود الذين يمثلون ربع السكان، يمتلكون معظم ثروات البلاد، الاّ ان تراكم الممارسة الديمقراطية المنتظمة، ساهمت في تخفيف حدة التوتر العرقي، وعملت على تجسير الفوارق وخلق التوازن الاثني.
بالإضافة للممارسة الديمقراطية الراقية، هنالك عامل آخر، ساهم في خلق التوازن في الصراع العرقي الماليزي، وهو أن الأغلبية الملايوية، مسيطرة على السلطة، والأقلية من الصينين والهنود ممسكون بتلابيب الثروة، وقدر ما حاولت السلطات منح شعب الملايو امتيازات استثمارية، لرفع مستوياتهم المعيشية، فشلوا بسبب عدم إلمامهم بفنون إدارة المال.
عندنا في السوادان، السلطة والثروة مكّدسة في ايدي الأقلية، وتركوا للآخرين الفتات وحمل السلاح! في ظل حكومات عسكرية استبدادية، فالذين يتحدثون عن فرص الحقيقة والمصالحة، لابد أن يتحلوا بالشجاعة الكافية للاعتراف بهذا الواقع المغلوط قبل كل شيء.
وبلا شك انّ ابناء الوسط والشمال النيلي، لن يعدموا ما يقولوه ازاء هذا الاستعلاء العرقي والعنصرية المستفحلة، وها هو الدكتور حيدر ابراهيم علي يقول في مقالته المعنونة (خلافات الحركة الشعبية: حرب الهامش ضد الهامش وتهافت شعار السودان الجديد) المنشورة في يونيو 2017م، يقول "لو استدعينا التاريخ الابعد نجد أن ابناء الهامش هم الذين حكموا السودان من عام 1885 وحتى عام1898 فأذاقوا القبائل النيلية صنوفا من العسف والقمع والظلم".
ومعنى هذا، انّ عنصريتهم ما هي إلا عنصرية مضادة، وأنه مبرر ضمني للضحايا أن يمارسوا ذات السلوك ضد الجناة، متى ما تحوّل ميزان القوى لصالحهم، وجنس هذا الكلام لا يمكن ان يصدر من إنسان عاقل، ناهيك من يدعي المعرفة ويصف نفسه بمفكر !
وإذا صرفنا النظر عن السياق الذي عسف فيه خليفة المهدي بأبناء الشمال النيلي، وهو المحسوب على اهل الغرب (اهل الهامش)، حسب زعم وتوصيف د. حيدر، فما ذنب اهل الجنوب والشرق؟
الاعتراف بهذه الممارسة المشينة، قد يطفئ غلواء نزعة التشفي التي تمور في صدور الكثيرين من ابناء ضحايا العنصرية البغيضة والاستعلاء العرقي الصارخ، ومعلوم بالضرورة، أنّ التوبة مقبولة بشرط ان تكون قبل الغرغرة.
ebraheemsu@gmail.com
//ابراهيم سليمان//



الأربعاء، نوفمبر 21، 2018

العقاد .. حركة "نحوية" غيّر مسار حياته

العقاد .. حركة "نحوية" غيّر مسار حياته
عباس محمود العقاد أديبٌ بارع، وشاعر فحل، وفيلسوف حاذق، وسياسي لا يشق له غبار، وبرلماني شامخ كالطود، ومؤرخ ثبت، وصحفي عملاق، وعالم نفس ساحر، ذاع صِيتُه فملأ الدنيا وشغل الناس، وقف موقف شك من كل قديم، وتمّرد على التقليد بطريقته الخاصة.. اعظم من دعا إلى الله بقلمه .. ولد عام 1889م عام العمالقة كما عرف، وهو العام الذي ولد فيه طه حسين، وهتلر، ونهرو، وشارلي شابن.
قال عنه الشيخ محمد عبده، عند زيارته لمدرسته الابتدائية التي اكتفى به نظاميا: "أما يجدر بهذا أن يكون كاتباً بعدُ"، قال العقاد أنه حفظ نص هذه الكلمة  وحركتها في مخيلته، وتأكد جيداً أن الشيخ محمد عبده شيخ زمانه، وقف بالضم على حرف الدال في كلمة (بعدُ)، وقال إن كان الشيخ قد وقف على السكون، ربما تغيّر مسار حياته كلياً، ومغزى الوقوف على الضم دون السكون، بالنسبة لتلميذ نابه، يجيد الإنصات، ويحسن السمع، يعني الحسم وعدم المداهنة في المواقف، وهي سمات مدرسة الشيخ محمد عبده وتلميذه سعد زغلول زعيم الوفد، هذه الكلمة المفصلية في حياة العقاد الباكرة، بالإضافة إلى بيئة نشأته الصحراوية الجافة، اكتسبتاه صلابة المواقف وصرامة الفكر وجبروت المنطق.
بات العقاد ممتناً للظروف القهرية التي اجبرته على الاكتفاء بالشهادة الابتدائية، التي صرفته عن رغبته في الالتحاق بالمدرسة الحربية لإجادته باكراً لشعر الملاحم الحماسية، يُقرأ هذا الجنوح مع العلم بأن هاجز طفولته، كان الرعب وشبح الغزو المحدق باهله من قبل جيش الدراويش (خليفة المهدي) لمسقط رأسه مدينة اسوان بأقصى صعيد مصر، رغم هزيمتهم في معركة توشكي في عام ميلاده، وتقهقره جنوباً.
ومن المفارقات وسخرية القدر، اضطر العقاد، بسبب مناهضته الواعية والشجاعة للنازية، الهروب إلى السودان (بلد الدراويش) عام 1942م من وعيد رومل قبيل معركة العلمين الفاصلة خلال الحرب العالمية الثانية، ولم يعد إلى مصر الاّ بعد انتهاء الحرب الكونية الاخيرة.
استنفذ العقاد آخر خلية من عقله المتفّتق في الإنتاج الفكري، حيث الف اكثر من مائة كتاب، وهو رقم لم يكسره احد حتى الآن فيما نظن، كتب العقاد في كافة المجالات الإنسانية تقريبا، قال في حوار صحفي أن في مكتبته الخاصة حوالي مائة كتاب عن الحشرات، ويقرأ عن الرمل والفلك، من باب الإلمام بالعلم القديم، ومارس التنجيم في الانتخابات النيابية مجاراة لخصم مراوغ، وتحدى التشاؤم بالتمادي والاستمرار في الكتابة عن ابن الرومي، نذير الشؤم الذي اهلك الكثر من الذين حاولوا الكتابة عنه، ووضع مجّسم لطائر البوم في مكتبته، واختار السكن في المنزل رقم 13 بمصر الجديدة، والذي تحول إلى جامعة مفتوحة (الصالون) ارتادها كبار الأدباء والعلماء والمفكرين واساتذة الجامعات.
كتب رواية يتيمة، او قصة سماها سارا، وهي اكثر الروايات العربية، انشغل النقاد بالبحث والتنقيب عن شخصية بطلتها الحقيقية، سيما وان العقاد قد افصح انها وبقية شخوصها حقيقيون، والقصة تعّبر عن تجربتين عاطفتين خاضهما المؤلف، وتوّصل النقاد إلى ان سارا، هي سيدة تعمل مترجمة اسمها أليس داغ، وزميلتها في الرواية (هند) ما هي إلاّ الممثلة مديحة يسري، وكلتيهما وقع العقاد في غرامهن، وانتهت علاقته بهن بالفشل، وقيل أن الأخيرة، اختارت التمثيل، وفضلت الزواج من الوسط الفني وهجرت  العقاد، وكانت موضع لوحة الذباب السكري، وهي  لوحة فنية عبارة عن تورتة شهية وقد تهافتت عليها الذباب، ظلت معلقة على الحائط مقابل سرير نومه. وحينما استسلم لحقيقة هجران حبيبته كتب العقاد: «وبكيت كالطفل الذليل أنا الذي x ما لان في صعب الحوادث مقودي»
خاض الأستاذ معارك ادبية وفكرية وفلسفية عنيفة، اشهرها معركته مع امير الشعراء احمد شوقي.. مارس الحياة النيابية بفاعلية، وتحدى البلاط الملكي، وقال قولته المشهودة، والتي ظلت ملهمة للشعب المصري إلي يومنا هذا. قال العقاد من داخل قبة البرلمان موجهاً حديثه للملك فؤاد الاول عندما حاول العبث بالدستور: "إن الأمة على استعداد لأن تسحق أكبر رأس في البلاد يخون الدستور ولا يصونه". ولم يتفق العقاد مع زعيم سياسي باستثناء سعد زغلول رئيس حزب الوفد .. رفض جائزة الدولة التقديرية للآداب في عهد عبد الناصر، كما رفض درجة الدكتوراه الفخرية من جامعة الأزهر.
وباستثناء معاركه العاطفية، لم يخسر العقاد اية معركة، فقد انتصر حتى على نفسه، عندما اقنعها بالزهد والرهبانية، وأن حفظ  النوع والذات البشرية، ليس بالضرورة ان يتم من خلال إنجاب الذرية، وإنما هنالك وسائل اخرى لإشباع هذه الغريزة .. ومعركته مع طه حسين بشأن رسالة الغفران لأبي العلاء المعري، خسرها الادب العربي، ولم يخسرها العقاد بإيثاره الصمت ليس عن عجزٍ، وهو ذات الموقف الذي اختاره ابو العلاء المعري مع داعي الدعاة .. خسر العقاد اصدقائه، ولم يخسر مواقفه .. كسب الرهان على دول الحلف في الحرب العالمية الثانية، في وقت يهتف الآخرين (تقدم يا رومل).
تحدى العقاد الأطباء البيطريين، واثبت لهم أن نوعاً معيناً من القردة لها سلوك جنسي مزّيف، وسط دهشة من يرى أنه مجرد اديب وفقيه وفيلسوف صعب المراس. اثبت لهم ان بعض إناث القردة تقوم بعملية تزوير غريبة فتذهب الأنثى إلا بعض الأشجار، وتظل تخربش هذه الأشجار حتى تفرز لباً ابيض، وتجئ الأنثى إلي هذا اللبن الأبيض وتغمس فيه لسانها وقدميها ثم تدهن به ذيلها وبطنها واحياناً وجهها فإذا رآها الذكر اقبل عليها. ويضيف، انها تفعل تماماً ما تفعله اناث الإنسان .. فالطفلة تدخل غرفة امها وتمسك اقلام الشفاة والبودرة. تضع قدميها على حذائها ذي الكعب العالي .. وترتدي قبعتها .. أنها تريد ان تقتصر سنوات الطفولة وتقفز الى الأنوثة بسرعة.
وصِمَ بعدو المرأة، فألف كتابه "المرأة في الإسلام"، إلاّ أنه زاد الطين بلة، حيث جاءت خلاصته مخيبة لآمال الجنس الناعم، ونعتقد أن موقفه من المرأة متسقة مع صرامته الفكرية، ومتماهية مع بيئة نشأته الاجتماعية المحافظة، وليست وليدة خيباته العاطفية.
 في زمانهم، بالنسبة للأدباء والمفكرين، العقاد وطه حسين كالأهلي والزمالك في زماننا هذا، وقيل أن طه حسين معلم، والعقاد عالم، وبالإمكان حذف جملة من كتابات طه حسين، ويظل المعنى مستقيما، أما اذا حُذفت كلمة من كتابات العقاد، اختلّ المعنى .. قال العقاد: طه حسين بنى قنطرة بين الأدب العربي القديم، والأدب الإغريقي، وقال طه حسين عن شعر العقاد: اؤمن به وحده، وجوابي يسير جداً لأنني اجد عند العقاد ما لا اجده عند غيره من الشعراء. وبايعه اميراً للشعراء بعد وفاة أحمد شوقي.
فالعقاد نسيج وحده، ولا يمكن وضعه في أي قالب فكري أو ادبي، او فلسفي، وهو كمن ينحت في الصخر لإيجاد مكانة له وسط عمالقة الأدب والفكر .. اسس مع آخرين مدرسة نقدية عُرفت بمدرسة الديوان، إلا ان النقاد يرون أن الفارق بينها ومدرسة التقليد الذي يتزعمه احمد شوقي، شكلية وليست جوهرية، وأنّ الخلاف بينه وامير الشعراء سياسي بالدرجة الأولى، وليس ادبي بحت .. وهو مع التقليد في نظم الشعر العمودي وضده في نفس الوقت، وضد شعر الحداثة التي كان يحيلها إلى لجنة النصوص عندما كان مقرراً لمجمع اللغة العربية .. ضد الاستبداد السياسي، واستخدمه ادبياً، حيث مارس سلطة قهرية على بعض عضوية مجمع اللغة العربية، فقد هدد شعراء التفعيلة (صلاح عبد الصبور، وأحمد عبد المعطي حجازي) بالاستقالة من مجمع اللغة العربية، إن تمادوا في إلقاء قصائدهم بالمنتدى الأدبي بدمشق، فما كان منهم إلا الانصياع.
رضى عنه الشيعة، وقال عنه اهل السنة انه اعظم من دافع عن الإسلام بقلمه، ويراه المتصوفة انه راهب متبتل، يتسربل بالزهد والإعراض عن الدنيا وزخرفها.
من انبغ تلاميذ ومنتسبي مدرسة العقاد، الأستاذ انيس منصور، وسيد قطب، والاخير حاول جاهداً مجاراته وتقليد مسيرته الفنية، فألف رواية وحيدة اسماها "اشواق"، مقابل "سارا" العقاد، والف، كتاب "كتب وشخصيات" تقليداً لكتاب العقاد "بين الكتب والناس"، كما قلّد سيد قطب طه حسين في كتابه الأيام بكتابه "طفل من القرية" قبل ان يتجه للشأن الديني.
من اهم ما كتبه العقاد سلسلة العبقريات، والتراجم والسير، وقال انه لم يكتب عن اية شخصية إلا عن تعاطف، او تكون بينهما قضية اخلاقية. إلا أن طه حسين رصد جائزة معتبرة لمن يفهم عبقرية عمر، واصفا اياها بالغموض.
يعتبر العقاد معجزة فكرية، لمحدودية تعليمه النظامي، وهو سبب استقلاليته الفكرية، وهو لا يرى أن هناك من له فضلٌ عليه، باستثناء الشيخ محمد عبده وهو يعتبره قدوته الأخلاقية .. كان العقاد عزيز النفس، لم ينزع رداء العفة والأنفة والكبرياء  طيلة مشوار حياته الصارمة، والحافلة بالأبداع والعطاء والتميز على أبناء جيله.
وصية العقاد للكتاب والأدباء الشباب: فكّر في واجبك كما تفّكر في حقك، واعمل طلباً للإتقان لا طلباً للشهرة والجزاء، ولا تنتظر من الناس اكثر مما يحق للناس أن ينتظروه منك.
لو أن الشيخ محمد عبده، وقف في كلمته بشأن مستقبل ذلكم التلميذ النجيب على السكون، لسكنت حياة العقاد على الأرجح، ولآثر السلامة السكونية في مواجهاته، وقنع بالحياة الوظيفة الرتيبة، وجامل الأدباء المقلدين، وهادن الزعماء السياسيين، وجامل المفكرين التقليدين، وضاعت على الأمة العربية والإسلامية كنز ابدي من الفكر ورّثها العقاد في اكثر من مائة كتاب ومجلد.
لو أنّ الشيخ سكّن في الوقوف، ربما اختلفت ملامح وجه العقاد الصارمة، وصار جبّار الفكر والأدب العربي وادعا، وكان العملاق متواضعا، وقوف الشيخ على الضم، فوّت على العقاد تعّلم المهارات الناعمة، لاستخدامها عند لزوم ما يلزم، وليس مستبعداً أن يتسامح مع شكوك حبيبته "هنومة"، ولعلم أنّ لا كرامة مع الحب، وأن الجنس الناعم يحتاج للضم ايضا، ولكن ليس ضم الشفاه عند حروف الوقف.
قد يكون الشيخ محمد عبده، تجنّى على العقاد، بحرمانه ضمنياً من ملذات الحياة الدنيا، لكن بلا شك قد نفع الشيخ الأمة الإسلامية ولغتها العربية، برسالته "النحوية" المشفرة، والتي لم يخطئ التلميذ  العبقري في التقاطها، والعض عليها بالنواجذ، إلى أن انجزّ رسالته في الحياة كاملة غير منقوصة حسب تقييمه، ويا لها من رسالة؟
//ابراهيم سليمان//
ebraheemsu@gmail.com


الإسلاميون في متاهاتهم .. ابو قردة يدين الانقلاب ويتفاخر بالجهاد!!


الإسلاميون في متاهاتهم .. ابو قردة يدين الانقلاب ويتفاخر بالجهاد!!
                                      
كان الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى اكثر صدقا حين قال: وَمَهما تَكُن عِندَ اِمرِئٍ مِن خَليقَةٍ وَإِن خالَها تَخفى عَلى الناسِ تُعلَم، واكثر عمقا في فهم النفس البشرية، والاسلاميون في متاهاتهم تجدهم اعجز عن مدارات تناقضاتهم المركبة، واوهن زُمرة في اخفاء نزعاتهم المراوِغة في الافتتان بالحكم الثيوقراطي. ورغم فضح مشروعهم الكذوب وفشله الذريع، تجدهم بمختلف مشاربهم، يدارون تبرؤهم الصريح من تبعات حكمهم الكارثي على الوطن الجريح، ومآلات تخبطهم على المواطن المأزوم بصبيانيتهم السياسية.
السيد بحر إدريس ابوقردة، احد صنّاع نظام الإنقاذ، ومن ابرز دبابيّ ما عُرف بالميل 40 في افاداته لصحيفة التيار، وقع في عدة تناقضات، وقدّم اروع مثال للتوهان الفكري، واوضح نموذج للتأرجح و اللجاجة السياسية، فقد نقض غزله من بعد تمردٍ انكاثا، فالذي يقاتل اخوته في الوطن والإنسانية، ارضاءً للكاهن الذي يزعم أنه يستمد شرعية حكمه من الله، لا يجوز له التمرد والخروج على ذات القدّيس، ثم يؤوب الي طاعته، ويستمر في تمجيده، إن لم يكن متناقضا فجا، وتائها في فلاة السياسة الوعرة.
فالسيد ابو قردة يقول، التمرد كان ضروريا بالنسبة لهم للاعتراف بالقضايا، فبأي مصوغ استبسل في قتال الحركة الشعبية، وهو الذي وجد نفسه "مضطراً" للخطوة ذاتها، دون ابداء الندم والتصريح بالاعتذار، بل الأدهى والأمر، جاءت افاداته بشيء من المباهاة، ذاكراً بقدرٍ من المفاخرة، انّ ترتيبه كان رقم ستة بمعسكر خالد بن الوليد بقيادة على عبد الفتاح، واضاف بشيء من الخيلاء واظهار البطولة : ""قدرنا في ذلك الوقت أن نوقف الحركة الشعبية في الميل أربعين هم قعدوا في 41 ونحن قعدنا في 39 والميل أربعين كان هو النقطة الفاصلة إلى أن جاءت اتفاقية السلام، ونحن عملنا التفافاً بـ45 وضربناهم من الخلف". بالطبع، ليس هناك مأخذ على مواجهة التمرد عسكرياً من قبل القوات النظامية، المنقادة للسلطة "الشرعية" بل الاعتراض على السلطة الانقلابية، التي تفّصل ثوب القداسة لمثل هذه المواجهات وتحيلها إلى حرب عقدية.
والكل يعلم أن اصباغ القداسة على تلك الحرب، دافعه المزايدة الدينية، واسكات الأصوات والتحركات المناهضة للنظام الانقلابي خلال فترة رخاوتها، فلا صوت يعلوا فوق التكبير والتهليل، وكذلك اصبح الخروج الي "الجهاد" رصيد يُزايد به في الحصول على الوظائف الدستورية في الدولة، والمناصب القيادية في الحزب، أي انّ جهادهم كان "جهاد" وجاهة وإثبات الولاء. وبات الكل مدرك، أن الزجّ بالمدنيين الأصوليين في تلك الحرب اللعينة، دفع الغرب للاصطفاف من اجل تخليص الجنوبيين من الاضطهاد الديني، ووضع حد للزحف الأصولي جنوب القارة السمراء. وقد وجد هذا المسعى، هوىً في نفس على عثمان طه، عرّاب النظام بعد المفاصلة، وعرّاب الانفصال. وإذا احسنا الظن بالسيد ابو قردة، وقلنا أنه اجّل ادانة "جهاد" الجنوبين، حيث فضّل ان يكون تقييم التجربة جماعيا، فهو كذلك نجده متردد، والطبع أننا لا نطالبه بالإساءة الي ماضيه، بقدر استنكارنا لوقوفه في منزلة بين المنزلتين، والمسافة بينه والاسلاميين، تبدو اقرب من سواها.
وطالما انّ السيد ابو قردا، ليس نادماً على دوره الجهادي المتقدم في حرب الجنوب، فهو بذلك ضمنياً يجد المبرر للنظام في قتل اهله في دارفور، وبذات القداسة الكهنوتية، يحل دم رفاقه الذين ما برحوا قابضين  على الزناد!!
فحين يقول "حكاية التمرُّد كانت ضرورية جداً لأنه لولا التمرُّد الذي قمنا به لم يكن يحدث اعتراف بالقضايا"، متناسياً أنّ التمرد كان ضرورياً ايضاً للحركة الشعبية، لذات السبب، وهو بذلك يكيل بمكيالين، ويجّرد "بطولته" المزيفة مع على عبد الفتاح ورفاقه من القداسة.
وليس مدهش، ان يبدي السيد ابو قردة ندمه الخجول على دوره في انقلاب نظام الإنقاذ على حكومة شرعية، ويظل مشاركاً له في الحكم، متنقلا بين الوزارات، ومسانداً له في اقصاء الآخرين، حيث قال: "ولو قدر لي المشاركة في الانقلاب مرة أخرى لن أقبل لأنني أعتقد أن أية تجربة تغيير عسكري غير مفيدة وبالتالي هذه هي النتيجة التي وصل لها كل الناس بكل توجهاتهم السياسية"
ضمن تناقضاته البيّنة، يقول السيد بحر: "ليس لدينا شغلة باستقطاب أحد لكي يصبح وزيراً أو موظفاً هذه ليست قضيتنا" ونحن نرى أن اتفاق الدوحة الذي وقعه مع النظام عام 2011م آلت إلى وظائف دستورية ووزارية، ونراه يدّعي الزهد، ويتسَنم  حصة حزبه الهامشي من المناصب الوزارية، فإن كان فعلا زاهداً في التوزير، لفصل بين منصبيّ رئيس الحزب والوزارة. ونحن نرى أن مشاركته في الحكم غير مبررة، لأن حصيلة اتفاقه من النظام، اختصرت على "شوية" قرى نموذجية، وبعض الوظائف الهامشية، وهي حصيلة ضئيلة مقارنةً بعدد الأرواح التي زُهقت بدم بارد، ولا تزال في الثورة المسلحة بدارفور.
ونعتقد أن السيد بحر اذا صبر مع حزب المؤتمر الوطني، بإمكانه الحصول على وضع وظيفي افضل مما حصل عليه بقوة السلاح، أي أن تمرده "ما جاب تمنو"، لكننا لا نظن أن رفاقه الذين قاتلوا معه بصدق واخلاص، لم يقاتلوا من اجل تثبيت الحقوق على الورق فحسب، بل الحصول عليها عياناً بيانا.
وحقيقة، الفقير السياسي، "رأس غنماي بملأ بيتو".
ebraheemsu@gmail.com
// ابراهيم سليمان//