السبت، أغسطس 24، 2019

هل لدى المجلس السيادي تابوهات؟


هل لدى المجلس السيادي تابوهات؟
يعلم الجميع أنّ الوثيقة الدستورية، والبيان السياسي، اللذان تم توقعيهما في 17 من أغسطس الجاري بين قوى الحرية والتغيير، والمجلس العسكري الانتقالي (المحلول) لم يغفلا إجمالا عن شيء مما يدور في خلد المواطن السوداني، ولكن تفصيلاً، هنالك تساؤلات لا تزال يلتفها الغموض، ولا ندرِ على وجه الدّقة، من المعنيّ بالإجابة عليها، المجلس السيادي، أم حكومة أحمدوك؟ أم التشريعي المؤقت؟ أم أنّ هنالك تابوهات، ممنوع الإقتراب منها وممنوع التصوير، نطرح التساؤلات التالية، لعلمنا صعوبة فهم وإدراك النصوص الدستورية للمواطن العادي، ونعشم أن نجد الإجابات الواضحة من الجهة المختصة، ذلك أننا نتطلع إلى دولة مدنية قائمة على الشفافية، إحتراماً لإرادة الشعب.
·       ما هي إلتزامات الدولة تجاه أُسر الشهداء، جميع الشهداء؟
·       ما هو مصير حزب المؤتمر الوطني، ومآل المليشيات الأمنية المرتبطة به؟
·       ما هو مصير قوات الدعم السريع التي تشارك في حرب اليمن؟ حميدتي قال مؤخرا، الكلمة للشعب، وأنتم ممثلو الشعب.
·       هل يفتح المجلس السيادي ملفيّ مثلث حلايب وشلاتين ومنطقة الفشقة، أم إنهما خارج نطاق الفترة الإنتقالية؟
·       هل سيفتح المجلس السيادي الحدود مع دولة جنوب السودان على مصراعيها؟
·       ما هو موقف المجلس السيادي من تسليم رأس النظام السابق المعزول عمر البشير إلى محكمة الجنايات الدولية بلاهاي؟ طالما المحاكمات الصورية الحالية مختصرة على الفساد المالي؟
·       هل تقويض الحكومة الديمقراطية الثالثة في نظر السيادي جريمة مستعجلة أم خطيئة مؤجلة؟
·       ما هو مصير الحواكير والجنائن التي إستولى عليها الوافدين بدارفور، إذا إستطالت محادثات السلام مع الثوار؟
·       من هم المعنيون بمحادثات السلام المرتقبة، هل هم حملة السلاح فقط، أم هنالك آخرون، من هم وكيف يتم إختيارهم؟
·       ما هو مصير الممتلكات والمرافق العامة من ميادين وساحات شعبية التي إستولى عليها رموز النظام السابق، هل هذا الملف من شأن الجهاز القضائي أم المجلس السيادي؟
·       هل سيبت المجلس السيادي عاجلاً في مجانية العلاج والتعليم العام والعالي؟ أم أن هذا من شأن حكومة أحمدوك وحدها؟
·       هل ستستمر الولايات بذات التقسيمات السابقة طيلة الفترة الإنتقالية، أم متى يعاد النظر فيها؟
نعلم أنّ الكثير مما طُرح، قد حسم أمره في الوثيقتين، إلاّ أنّ المواطن العادي، بلا شك يبحث عن إجابات مباشرة وقاطعة.
ebraheemsu@gmail.com
//إبراهيم سليمان//


الجيل الراكب راسو .. سيّد نفسو من أسيادو


الجيل الراكب راسو .. سيّد نفسو من أسيادو

السابع عشر من أغسطس 2019م، يوم فاصل في تاريخ الدولة السودانية الحديثة، بعون الله وتوفيقه، إستطاعت إرادة الشعب الجبّار، أن تضع حداً لأكثر الحقب مأساوية وظلامية من مسيرة الأمة، ثلاثة عقود عجاف، لم يسترح فيها الشعب يوماً من الظلم والقهر والجبروت، وقد بلغ الغرور برموز النظام البائد، أن تحدّوا المشيئة الألوهية حين جاهروا قائلين: "الزرعنا، فليقلعنا" وقد كان، فمنهم من لا يصدّق حتى بعد حل المجلس العسكري الإنتقالي يوم أمس، وإكتمال عقد المجلس السيادي هذا اليوم، لم يصدّق، أنّ نظامهم قد مات، وأن حكمهم قد ولى دون رجعة، وأنّ الدوام لله وحده.
الآن يحق لنا، أن نشعر بالطمأنينة الحذرة، بأنّ لا أحد يستطيع أن يقتلنا مجاناً، أو أن يسحلنا بكل رخصة.
ولا أحد بإمكانه أن يسرق عرقنا ويعبث بمقدراتنا دون أن يخشَ المحاسبة.
ولا أحد من مجرمي النظام، بإمكانه أن ينام مطمئنا من الملاحقة، وإن كان في برج سامقٍ مشيد بطوب الفساد.
ولا أحد بإمكانه أن يرّوع الآمنين، في الهامش، دون أن يلتفت إلى الوراء.
ولا حاجة لطفل أو شيخ أو أمرأه مكسورة الخاطر، أن يعيش داخل الكراكير أو في جوف الكهوف، لأنه لا أنتنوف بعد اليوم.
وبإمكان فتيات الهامش أن يفزعن للحطب، ويغنين بملء شفاههن.
وبإمكان النازحين العودة لديارهم المهجورة دون إذن من أحد.
بإمكان المهجرين والمهاجرين قسريا، العودة إلى بلادهم، وملقاة ذويهم وأحبائهم متى وكيفما شاءوا.
وبإمكان التلميذ أن يحلم بمدرسة لا يجوع فيها ولا يُطرد.
وبإمكان الطالب أن يحلم بدراسة مجانية في جامعته.
وبإمكان الخريج، أن يطمئن ليس لدى لجنة الإختيار للخدمة العامة قائمة بأبناء البلد وأولاد اللذين.
وبإمكان المريض، أن يعشم في علاج ودواء قدر إستطاعته، وأنه كإنسان أشرف مخلوق على الأرض، وأنّ هنالك من يأبه لكرامته ومن يعرف مقدار آدميته.
وأنّ على التاجر ألاَ يدفع مليماً لجامع الضرائب قبل أن يتأكد من مشروعيته، وأين يذهب وفيما ينفق.
وأنّ على الفقير والمسكين، أن يطمئن ألاً أحد يحج لنفسه أو للموتى من ذويه من استحقاقه من مال الزكاة.
وأنّ على المزارع أن يطمئن، ألاً أحد يسترزق من عرق جبينه، وأنّه المستفيد الأول والأخير من عائدات محصوله ونتاج مواشيه.
وأن يطمئن المظلوم، أنّ العدالة محروسة والقانون مصان، وأنّ الجميع أبناء مصارين بيض أمام القضاء.
وأن يطمئن الجميع، أنً من بين ركائز البلاد الإحدى عشر كوكبا (المجلس السيادي) منهم من لا يساوم بدماء الشهداء، والذين ضحّوا بأرواحهم من أجل أن ننعم نحن الأحياء بالحرية والكرامة والطمأنينة والعدالة.
وأنّ من بينهم من لا يهادن إبن أنثى مثله من أجل دنيا يصيبها، أو آخرة يتوهم ضمانها.
وأنّ من بينهم من وطأ الجمرة وتجرّع المرارات وعانى الحرمان وذاق التنكيل.
علينا أن نطمئن، أن الحكم بالشعب وللشعب ولمصحة الشعب.
وأن يقتنع أبناء السادة، بأن الجيل الراكب راسو، سيّد نفسو من أسيادو.
ebraheemsu@gmail.com
//ابراهيم سليمان//


هل يعيد التاريخ نفسه في رهيد البردي؟


هل يعيد التاريخ نفسه في رهيد البردي؟

ما أن تنفّس الشعب السوداني الصعداء، بذلك الحدث الوطنيّ الكبير في 17 أغسطس 2019م والذي ميّز شعبنا المعلم عن بقية شعوب المنطقة الملتهبة، وأخرّص المرجفين في المدنية، وألجم الأنبياء الكذبة الذين بشّروا بفتنة كبرى وفوضى خلّاقة، لا تبقِ ولا تذر، ما أن ينفرط عقد نظام البشير الدموي والفاسد، في ذروة نشوة الفرحة بهذا الحدث المفصليّ في تاريخ الأمة السودانية، إنتبه الشعب السوداني لعرض درامي مثير ومقلق على خشبة المسرح السياسي، من بطولة رمز وطني شاب أسمه محمد حسن عثمان التعايشي وإخراج (قحت).
تمّثلت الحبكة في التناقض والنفاق السياسي، مقابل المبدئية والـتأثير الشعبي على مجريات الأحداث الساخنة، وصلت الحبكة ذروتها بإستقالة الدكتورة فدوى عبد الرحمن على طه، إنتصاراً لقناعاتها، وتضامناً مع طالبها وزميلها بطل المشهد، ورفضا لمبدأ المحاصصة في شغل مقاعد المجلس السيادي، وتأففا عن الخبث والمماحكة المكشوفة من قبل المنتج والمخرج (قحت)، ظن كثيرون أنها تمارس التهريج، لذا صعق خلق كُثر عندما إتضح لهم أنها جادة، مقدمة بذلك سابقة أخلاقية، ودرس سياسي غير مسبوق في تاريخ المشهد السياسي السوداني.
بعد بلوغ العرض الدرامي ذروته، وخلال زاوية الإنحدار الحادة، سقط خلالها عدة مرشحين، هم الاستاذة رشيدة القيادية بتجمع المهنين، والدكتور محمود آدم داؤود بجريرة صلته بالنظام البائد، وطه عثمان إسحق بجريرة عضويته ب (قحت)، وصعدت الدكتورة عائشة حسن موسى، من اللا مكان، وعندما أدرك المخرج (قحت) أنّ البطل من الصلابة لدرجة إستحالة تجاوزه، وأنّ حملة الهاتفين بأسمه كادت أن تشعل ثورة أخرى، رضخ صاغرا، ومما زاد العرض تعقيداً وتشويقا، في زمن ثوري ضاغط لدرجة الإنفجار، إعتصام البطل وإشتراطه عودة إستاذته وزميلته الدكتورة فدوى، والتي رفضت بدورها أن تزيح أستاذتها الدكتورة عائشة التي جلست على مقعدها بشيء من التعّجل والتخبط من قبل المخرج (المغرض) رغم كفاءتها وجدارتها بشغل المقعد السيادي، وإزاء هذا التعقيد، يتدخل الأجاويد، ليشق البطل طريقه مفروشاً بالإجماع الشعبي، والإلحاح الشبابي متوجاً للمقعد السيادي الخامس.
إتهم محبيّ البطل خلق كُثر، بحق وبدونه بأنهم من دبروا المآمرة ضد البطل، وكلٍ سارع للتبرؤ من التهمة، أول هؤلاء زميله المحامي محمد حسن عربي، الذي أكّد لي البطل شخصياً أنّ دليل براءته، نومه ملء جفونه عن شواردها، عندما حوصر من قبل أفراد أسرته، ورغم أن شهادتنا في البطل ليست ذات قيمة، إلاً أننا نؤكد بحكم المعايشة عن قرب ما أورده السيد محمد حسن عربي، أنّ ما يميّز البطل التعايشي هو التواضع والمحبة والإلتزام والكاريزما القيادية، ومن تواضع لله رفعه إلى حيث لا يحتسب.
وجّه عشاق البطل كذلك أصابع الإتهام لكل من محمد فول، وخالد سلك ومحمد زين عديله، وضمنياً الإمام وإبنته المنصورة مريم، ليتضح أنّ اليسار هو وراء كل هذه الدراما السياسية، بحكم أن البطل وسطيّ معتدل، ووطني صعب المِراس.
ما يعاب على المشهد، تسارع الآكشن، الأمر الذي صعّب على المتابع إستيعاب كافة أبعاد الحبكة، ثم أنّ كاريزما البطولة، فوّت على المتابع التعرف على بقية عضوية المجلس السيادي، فقد سحب البطل كافة الأضواء عن المشهد، الأمر الذي هيأ لبعضهم التسلل دون تمحيص كافٍ، ولم يجد المؤهلين منهم الفرص للطلة على الجمهور، أو نفاج لإستعراض عينة من مقدراتهم السياسية، ولا شك أن جنرالات السيادي أيضا قد تحسسوا قبعاتهم ونفضوا الغبار عن نياشينهم للتهيؤ لملاقاة هذا الأسطورة الشاب، والذي حوصر دور أحزاب عريقة متهمة بالتآمر ضده من قبل الشباب الثائر، وتراجع وإستقال الكثيرين من المرشحين فاسحين له الطريق، دون أن ينطق هو ببنت شفة، شاعرين بالضحالة أمامه.
إنتهى العرض الدرامي بصورة غير مقنعة، إذ أن عضو السيادي محمد الفكي سليمان، وزميل البطل في المجلس الأربعيني لإتحاد طلاب جامعة الخرطوم (2002 – 2003م) ممثل التجمع الإتحادي بتنسيقية (قحت) وهو أمر مخالف، وستظل سُبة في جبينه ووصمة عار في وجه المخرج، والأرحم له أن يستقيل، إلاّ أنّ النهاية تبدو سعيدة لعشاق البطل، الذي إنتصر على المآمرات وإجتاز كافة الفخاخ اللاأخلاقية، أجاد التعايشي دور البطولة المطلقة حرفياً ودرامياً، فالبطل لا يموت ولا يقهر، ودائماً تجئ مكائد الكومبارس ضعيفة ولا تصمد في طريقه، فالبطل كان يشق طريقه للسيادي بثبات، والجراء تعوي.
ونظن أن الطريق بات ممهداً للتعايشي لأن يترأس المجلس السيادي بعد إنقضاء فترة رئاسة الفريق البرهان، ليعيد التاريخ نفسه، بتولى زعيم آخر من منطقة رهيد البردي، قيادة البلاد في مرحلة مفصلية، لبناء سودان جديد.
ebraheemsu@gmail.com
//ابراهيم سليمان//

إستفهامات حيرى


إستفهامات حيرى
كم هو مؤلم أن ترى من يسترخص أوراح ودماء الأبرياء متربع على كرسي السلطة، وكم هو موجع ومؤسف أن ترى حصاد آلة القتل من الشباب والأطفال في تزايد دون مبالاة من المعنيين بحمايتهم، وكم هو مربك أن ترى المفوض بإستلام السلطة يتردد ويتهيب المسئولية، وكم هو محّير أن ترى وفد التفاوض يقّدم رجل ويؤخر أخرى لحسم ما تبقَ من ملفات، وكم هو مبهم ألاّ يعرف الشعب الصابر سبب المماطلة في تشكيل حكومة "الخلاص" الإنتقالية المرتقبة، وكم هو متعب ملاحقة وفود التفاوض عبر القاعات وعواصم الجوار، وكم هو مرهق معرفة شخوص وفود التفاوض ناهيك عن الإلمام بإمكانياتهم التفاوضية ومرجعياتهم السياسية؟ وكم هو مبهم أن تعرف من المعني بالحوار من زعماء ثوار الهامش، ومن المهمش؟ وكم هو مقلق أن تتنبأ باسم الجنرال الذي يترأس مجلس سيادة البلاد في الفترة المقبلة.
ومن يعرف سر إبقاء المجلس العسكري الإنتقالي على مليشيات النظام البائد، من دفاع شعبي، وشرطة شعبية وكافة كتائب الظل القاتلة والتي يصعب حصر مسمياتها؟ ومن يستطيع إقناع نائب رئيس المجلس العسكري الإنتقالي، أنّ رهانه على الإعلام المأجور، والأقلام المعروضة للبيع، لتلميع صورته، رهان خاسر، وتبديد لموارد البلاد فيما لا طائل منه، ومن يقنع ق ح ت التي تظن أنّ لا حرب بدون مني وجبريل، بأنّ لا سلام بدون الحلو وعبد الواحد، ومن ينبه ق ح ت أنّ الموافقة على تحريم الجنسية المزدوجة، هو تآمر ضد خمسة ملايين سوداني غيور، وحرمانهم من المشاركة في بناء الدولة المدنية المرتقبة؟
وهل الجنرال الذي سيتولى حقيبة الداخلية، يستطيع حماية أطفال المدراس من قناصات الأبراج والقلاع الكيزانية الشاهقة، وما هو السيناريو المتوقع؟ إذا ماطل الرئيس العسكري في تسليم السلطة للرئيس المدني في موعده؟ وبأي قانون سيحاكم القتلة والفاسدين من رموز النظام السابق؟ 
مجزرة الأبيض المؤلمة، ومن قبلها مجزرة السوكي، لا يحتاج المرؤ لكبير عناء، لمعرفة هوية الجناة المستفيدين من إثارة البلبلة، وإعاقة مسيرة التحول السلمي لسلطة مدنية، رغم ذلك لن يعفِ الشعب السوداني للمجلس العسكري سلبيته، وتستره على الجناة، وعدم مبالاته بأرواح أطفال المدراس الورثة الشرعيين لهذه البلاد، ولم يبرئ كذلك الشارع السياسي ق ح ت من عدم الجديّة في حسم ملفات التفاوض، والإسراع في تشكيل حكومية مدنية تضع النقاط على الحروف، وتوقف نزيف الدم السخين على الشوارع، لقد إتضح أنّ الحوار بين ق ح ت والمجلس العسكري من جهة، وبينها وتنظيمات الهامش المسلحة أصبح حواراً دائرياً يتسع قطره كل مرة، وتزداد منابره باضطراد، دون أجندة صمدية، ودون سقوفات زمنية، الأمر الذي ولّد اليأس وخلق عدم الثقة في سلامة قدوم الجنين من رحم الغيب.
تكرار المجازر الشبابية الموجعة للأفئدة، وتكرار البلاغات ضد قتلة مجهولين، يستوجب إعادة النظر في جدوى وأحقيّة العسكر بحقيبة الداخلية، المعنية بخلق الطمأنينة في قلوب الأمهات، وبسط الأمن في ربوع البلاد، إذ أننا بتنا مقتنعين، أنّ الوضع لن يتغير البتة، وأنّ قنص الأطفال كالأرانب، لن يتوقف ما لم يحدث تغيير جذري في عقلية من يتولى هذه الحقيبة، وكذلك حقيبة العدل والنيابة العامة، ولن تكون الدولة مدنية دون سحب هذه الحقائب من العسكر ومن الكيزان.
ebraheemsu@gmail.com
//ابراهيم سليمان//


الاثنين، يوليو 08، 2019

على الشباب الثائر .. أن يضع شعاراته تحت "المخّدة"


على الشباب الثائر .. أن يضع شعاراته تحت "المخّدة"
بات ملحوظا، أنّ وعي الشارع الشبابي السوداني، من جيل الألفية، قد وصل إلى مستويات متقدمة من النضج السياسي، وأنّ غيرته على مآل البلد وحماسته لتأسيس الدولة المدنية الديمقراطية الراشدة، التي حلم بها الآباء والأجداد في تنامٍ مستمر، وقد أصبحت هذه الشريحة متقدمة في رؤاها وإصرارها من مخضرميّ الساسة، وهم يمثلون الضمانة الأساسية، والتي يمكن الركون عليها في إعادة الأمور الي نصابها إذا دعت الضرورة.
وما نخشاه، أن يتحوّل ممثلي ق ح ت في مجلس السيادة والجهازين التنفيذي والتشريعي، إلى "درقات" تحول بين الشارع والعسكر، فمن الآن بدأنا نسمع: ليس بالإمكان أفضل مما كان!!
إحتفظت ذاكرتنا بكاراكاتير لم نجد أبلغ وأفضل منه للثائر الفلسطيني الراحل ناجي العلي، معلقا علي ثورة الحجارة التي إندلعت في الأراضي الفلسطينية المحتلة، عقب توقيع اتفاق أوسلو عام 1995م، الكاريكاتير يوضح الزعيم الراحل ياسر عرفات، واضعا كوفية علي رأسه على أحسن ما يكون، مبتسما ابتسامة متكلفة، يسير عكس السير وحيدا يلتقط حجارة الأطفال من شوارع الإنتفاضة.
سألت أحد قيادات التنظيمات التقليدية، عن سبب سحب أحد ممثلهم في وفد تفاوضي رفيع، قال لنا أنه حِنيّن، يندغم بسهولة في صداقات مع وفود التنظيمات الأخرى، هذا ما نخشاه، من عضوية ق ح ت في مجلس السيادة، لا نريد أن يخرج علينا أحد منهم، ليحاول إيهامنا بأن العسكر، قد آمنوا بثورة 19 ديسمبر، وأنهم أصبحوا شركاء خلصاء وموثوقون، وأنّ الجنرال الكبّاشي، قد أصبح حملا وديعاً، ولن يقول مرة أخرى، "وحصل ما حصل".
العسكر الذين صنعوا كولومبيا، وإختلقوا الذرائع لذبح الشباب الأبطال في ساحة القيادة العامة، وفض الإعتصام بالقوة المميتة، بعد التأكيد المغّلظ بأنهم لن يقدموا على مثل هذا مرة أخرى، ليسوا مكان ثقة البتّة، ومتوقع منهم تصرفات مماثلة في أية نفق مظلم يمر به الإتفاق، والجنرالات التي تتشدّق بإنتمائها لثورة 19 ديسمبر ليل نهار، وتذرف دموع التماسيح أمام الكميرات، هؤلاء يسّبحون بحمد الشعب الذي هيأت لهم النجومية، ويذبّحون أبنائهم في جنح الليل، هؤلاء ينطبق عليهم قول الشاعر، وَمِن نَكَدِ الدُنيا عَلى الحُرِّ... أَن يَرى عَدُوّاً لَهُ ما مِن صَداقَتِهِ بُدُّ.
الشباب الثائر، ليس عليه حماية مكتسباته من غدر العسكر فحسب، بل من واجبهم عدم السماح للفلول بمحاولة إحتلال الشارع السياسي، وإثارة البلبلة، وعرقلة إنطلاقة قطار التنظيف تمهيداً للبناء الوطني، والذين سيرفعون المصاحف على أسنة الرماح، محاولين تنشيط تجارتهم الكاسدة برأس مال الدين، والذين يحاولون إشهار "قميص عثمان" في وجه الجهاز التنفيذي، لإستعادة أمجادهم التي شيدوها على جماجم الشعب، ومن عرق جبين الغلابة، يجب أن يتصدى لهم شباب الثورة بمدنية متحضرة.
لذلك، يجب على قوى الحرية والتغيير، الاً يفض سامره قبل إجراء الإنتخابات العامة، وعلى الشباب الثائر، أن يخبئ شعاراته تحت "المخدّة"، وأن ينام بعينٍ واحدة، وأن يتحسس الجميع قبضته الثورية، مع إقتراب إنتهاء فترة رئاسة العسكر لمجلس السيادة، وحلول موعد تسليمها للمدنيين، لا نظن أن يتم التسليم بأخوي وأخوك، رغم وجود الضامنين الكبار، فالضامن الأقوى والأضمن هو الشباب الثائر.
وعلى شباب الثورة، أن يظلوا يقظين للطابور الخامس، المندس وسط قوى الحرية والتغيير، الذين عارضوا العصيان المدني، وتلعثموا في تأييد مليونية 30 يونيو التاريخية والفاصلة، والذين أصبحوا كالديوك، يظنون إن لم يصيحوا فلن تطلع الشمس، وسيظل الكون مظلماً.
ebraheemsu@gmail.com
//ابراهيم سليمان//


الأحد، يوليو 07، 2019

ولا تزال المعارضة القاصية صيداً سهلاً للنظام!


ولا تزال المعارضة القاصية صيداً سهلاً للنظام!

أن تختلف بشرف مع الآخرين، فهذا لا تثريب فيه، وأن ترفض أن تكون إمعّة، فذاك من شيم الرجال وخصال الكنداكات، وأن تأبى أن تكون من غُزيّة، إن غوت غويت، وإن أرشدت غُزيّة ترشد، ففي هذا قولان، المطلوب من الشرفاء خلال هذا الظرف الوطنيّ الدقيق الذي يمر به البلاد، أن يكونوا "فِسيّة ديك"، أينما مالت المعارضة، والمعنيّة بها قوى الحرية والتغيير، أن يميلوا معها، فالديك ليس ضعيفا كما يُفهم من سياق المثل، فهو حصيف، لا يعاند الرياح بفِسيّته، وبدلاً عن تغيير إتجاهه، نجده يسمح لفٍسيّته بالتأرجح مع متغيرات الطبيعة، بينما يظل مرفوع الرأس يراقب الأوضاع عن كثب، ذلك أنَ الثبات المطلق لا يليق بالشأن السياسي.
إستطاع المؤتمر الوطني الإستمرار في الإنفراد بحكم البلاد لثلاثة عقود، بمكر تمّثل في دّق أسفين في جسد المعارضة الهشّة، وزرع "ام القاسطون" وسط مكونات المجتمع السوداني، يقّدم هذا ويبعد ذاك، يبيع طرف، ليشتري طرف آخر، يمنح سكوك الوطنية لأُناس، ويوصم آخرين بالخيانة، لم يجد المؤتمر الوطني، من ليس له ثمن، أو من هو غير قابل للبيع إلاّ من رحم ربه.
وكلاء المؤتمر الوطني الغاشمين، لا يزالون يمارسون ذات الألاعيب الخبيثة، ومن حسن حظهم وبكل أسف، المعارضة السودانية حالها حال آل البربون، لم يتعلمون شيئا من تجاربهم الفاشلة ولم ينسون شيئا من خلافاتهم العتيقة. فالساحة الثورية الشبابية مليئة بأشباح الإنتهازي حسن إسماعيل، والكبار يستمرئون لعبة "الملوص" السياسي، دون إعتبار أنّ الوطن يغرق في بحورٍ من الدمع والدماء، ويستغيث بأعلى صوته، مثل هذه المماحقات الإنصرافية، تعّبر عن عدم تقدير المسئولية، "فالديك" القائد في مثل هذه المواقف، لن يحيد عن هدف إسقاط النظام، ولن ينصرف عن غاية تحقيق الإنتقال للحكم المدني الديمقراطي، هذه الغاية، لا تقبل التواصل السري مع وكلاء النظام، أو التودد الإنفرادي من المجلس الأمني الإنقلابي للحصول على مزية، تفل عضد المعارضة.
الوطن الجريح يئن من الألم، ويتأوه من العذاب، وبعض رموز المعارضة تنشغل بشجاراتها القديمة المتجددة، وليست مستعدة بعد للإستماع لمثل هذه الاستغاثات الوطنية الملحّة، والأخزى من ذلك، تجدها مستعدة للتصّدق بالتبسم في وجه عدو الشعب، والتجّهم على جبين حلفائهم في المعارضة.
ما يحزن، ويثير الأسى، أنّ رموز المعارضة لم تنضج أبدا مهما عركتها التجارب، لذا تجدها متى ما حصل إختلاف فيما بينها، لا تعرف واجهة غير التيمم شطر النظام الغاشم، نتطلع لأن نرى من يختلف بمسئولية، ويظل على جادة المعارضة الشريفة للقتلة والظلاميين، والأدهى وأمرّ، بات مألوفا، أن تجد من يبحث أو يختلق الذرائع لمفارقة صفوف المعارضة، للتقارب مع القتلة والسفاحين! وما تثير الشفقة السياسية، تجد كل من شعر بالبدانة الثورية، لن يتردد في الثأر لذاته متى ما شعر أنّ رفقائه في رصيف المعارضة، لا يتبنون رؤاه حرفياً، أو متى ما توّهم أنّ الآخرين يزايدون على تضحياته أو من يحاول القفز فوق نضالاته الثورية.
ومن المؤسف أن تجد القيادي السياسي السوداني، كالسابلة ورعاع الناس، يشطط غضبا من رفيقه ولو أحدهما ثاني أثنين في جوٍ عاصفٍ في عرض البحر، ولا يستطع تأجيل أو كتم غيظه ولو لثانية واحدة، وتجده أعجز من يكون في تقدير الموقف، والأنا عنده أحياناً، مقدم على مصير الملايين الذين يمّثلهم حسيّاً أو معنويّاً، وقديماً قال المقنع الكندي، "ومن لم يُصانع في امورٍ كثيرةٍ، x يضّرس بأنياب ويوطأ بمنسم"، وإن كانت المصانعة مطلوبة في التعامل مع العدو، فالرفيق بلا شك أولى بها سيما في الأوقات الحرجة، والمنعطفات الحادة.
كل من يتخذ طرفا قصيّا من المعارضة، يعّرض نفسه تلقائياً لفتنة تدليسات وكلاء النظام، الذين يبحثون هذه الأيام بصورة محمومة عن أُجراء من الباطن لتسيير دولاب الدولة المعطّل بالإرادة الشعبية، وهي خدمة بمزايا خرافية من شأنها محاولة إجهاض ثورة ديسمبر الظافرة بإذن الله، فليعلم هؤلاء، ليس للكيزان دين، وليس للعساكر عهد، وليس هنالك ما هو أخزى من الإنتصار للذات، وكل صاعد على عرق المساكين، ساقط لا محالة.
ebraheemsu@gmail.com
// ابراهيم سليمان//


الاثنين، يونيو 10، 2019

تفاوض الحرية والتغيير مع الإنقلابيّ .. النيّ للنار


تفاوض الحرية والتغيير مع الإنقلابيّ .. النيّ للنار


من أكثر الحِكَم والأمثال الشعبية تداولا، النيّ للنار، والمتفق عليه لدى الأكاديميين، البدايات الخاطئة، تقود بديهياً إلى نتائج خاطئة، وقديما قيل، الشاطر من إتعظ من أخطائه، والحكيم من إعتبر بغيره، واللوم كل اللوم من يُلدغ من جحرٍ واحدٍ أكثر من مرة، ويكفي من العناد، تجريب المجّرَب.
ليس هنالك مصوغ، لعزل المجلس الأمني الإنقلابيّ، بقيادة السفّاح عبد الفتاح البرهان، وحليفه المجرم الجنرال المليشي محمد حمدان دقلو (حميدتي) عن المستنقع الدموي للمشير القاتل عمر البشير، ومنظومة حكمه القائمة على السحل والبطش والإبادة الجماعية للأبرياء العزّل، هذا الخطأ المستمر، هو أُس أزمة قوى الحرية والتغيير منذ فجر 11 أبريل، يوم أن أزيح رأس النظام السابق عن سدة الحكم، خلال مسرحية سيئة السبك وردئ الإخراج، فالمعلوم بديهياً، أنّ المجلس الأمني الذي كونه المشير البشير، في أواـخر أيامه، قوامه أقذر القيادات العسكرية والأمنية، ممن لُقنوا أساليب الغش والخداع ونقض المواثيق، وتشربوا بعصارة المراوغة وأتقنوا فنون اللف والدوران، وأدمنوا سفك الدماء، واعتادوا على البطش والسحل، في نظر هؤلاء، الحوار يعني لهم كسب الوقت، والتفاوض، عندهم لعبة عديمة الضوابط والأخلاق، ومصير الإتفاقيات بالنسبة لهم، أن يبلّها الخصم، ويشرب مويتها.
نظام الإنقاذ الذي تربى جنرالات المجلس الأمني الإنقلابي في كنفه، وقّع ما يصعب حصرها من إتفاقيات مع خصومهم السياسيين والمسلحين، بضمانات دولية ورعاية إقليمية، ولم يلتزموا إلتزاماً تاماً بواحدة منها، فما الذي يدفع قوى الحرية التغيير للتعويل على تطمينات البرهان وحميدتي بعدم فض الإعتصام بالقوة، و أخذ إتفاقهم معهم بشأن هياكل السلطة الإنتقالية محمل الجد؟
تمّكن تجمع المهنيين، بصورة أقرب للمعجزة من تنظيم الشباب الثائر، وتحريك الشارع السياسي في ديسمبر الماضي، وبشعار واحد موحد# تسقط بس، نجح الثوار في زلزال الأرض تحت أقدام المشير المخلوع، فما الداعي لتغيير هذا الشعار بالتفاوض، في الوقت الذي لم يتغير فيه شيئا في أرض الواقع إلاّ شكليا، ولم تتغير هِمة الشباب في إستئصال شأفة الظلم والقهر والإستبداد؟
لم يخّيب المجلس الأمني الغدّار، آمال السفاح المخلوع الذي كلفهم بمهمة مواصلة مشوار الغدر والسحل والتنكيل بالشعب السوداني، إذ غدر هؤلاء الوكلاء النزقين بالمعتصمين العزل، في الثالث من يونيو وفي خواتيم الشهر الفضيل، وأبادوهم شر إبادة، مع سبق الإصرار والترصد، في أبشع جريمة مما عرفتها الإنسانية، ظننا أنّ هذه الجريمة الشنعاء، تعيد قوى الحرية والتغيير إلى صوابها، برفض التفاوض مع هؤلاء الأوباش مبدئياً، والعودة إلى شعار # تسقط بس المجرّب، إلاّ أننا نراهم قد إكتفوا بالمطالبة بإجراء تحقيق دولي بشأن المذبحة، والقبول بالتفاوض غير المباشر مع القتلة، حتى قبل حصر عدد الشهداء، ناهيك عن  مواراة جثامينهم الطاهرة الثرى.
ماذا يتوقع قوى الحرية التغيير من هؤلاء، غير الغدر والخيانة والتنّصل عن المواثيق؟ باسم من يقبلون هؤلاء القتلة كشركاء في المرحلة الإنتقالية؟ لا نظن أنهم مرغمون لا أبطال، ونحن ندرك مقدار السند الجماهيري الذي يتمتعون به، وأنّ الشعب السوداني بطول البلاد وعرضه لا يزال رهن إشارتهم، إن كان هنالك إحتمال ولو بقدر ضئيل، أن يلتزم هؤلاء الكَذَبَة بما سيتم التوصل إليها من إتفاقيات مستقبلا، لوجدنا لهم العذر، لكننا على يقين أنهم يجربون المجّرب، وأنّ هذه الجوقة الأمنية ستستمر في التلاعب بهم، وتراهن على الزمن لإكتساب الشرعية، وينتظرون أن تفلّ عزيمة الشباب الثائر، وأن تتسع الشقاق بين مكونات المعارضة، وأن ينصرف المجتمع الدولي عن الإهتمام بالشأن السوداني لشأن دولي مستجد، حينها سيخرون للشعب عراة في السهلة.
لماذا يتساهل قوى الحرية والتغيير في التعامل مع المجلس الأمني، بعد مذبحة إعتصام القيادة العامة؟ ولِمَ تعّول على التفاوض مع مجلس منقسم على نفسه، ومرتهن قراره  لمصالح إقليمية وقِوى دولية؟ التفاوض لم يكن خياراً لدى تجمع المهنيين مع السفاح البشير، فلماذا الإصرار عليه مع وكلائه الأمنيين؟ الذين أثبتت تصرفاتهم بصورة لا يدع مجالاً للشك أنهم لم ولن يكونوا شركاء في الثورة، هذا ما لا يدخل العقل السليم، وما يتجافى مع منطق الأشياء، الذي يفرض الإصرار على إسقاط هذا المجلس الأمني بكامل شخوصه ومنظومته، لأننا على يقين، بعد هذه التضحيات الجسام، لن يقبل الشعب السوداني الأبيّ بنصف ثورة، وأنّ هؤلاء الجنرالات القتلة، قد آلوا على أنفسهم، وتعهدوا لمن كلفوهم بالمهام الأمنية، بأن المحاسبة والعقاب على جرائمهم لن يحدث قبل قتل ثلثا الشعب.
ماذا يُنتظر من التحقيق الدولي بشأن المذبحة، إذا تم، وتمت إدانة المجلس الأمني الإنقلابي، وقد أصدرت محكمة الجنايات الدولية من قبل مذكرات توقيف بحق رأس النظام المخلوع، وأربعة من رموز نظامه المتداعي؟ وظل المشير السفاح، يجوب العالم طولاً وعرضاً، دون أن يزعجه أحد إلاّ ما ندر! وقد أدين قبيل سنوات، الإنقلابي المصري عبد الفتاح السيسي بسبب مذبحة رابعة العدوية، لم ولن يحدث شيء، وهذا الشرط لا يعدوا أكثر من كونه حفظ ماء الوجه، سيما وأن بعض مكونات قوى الحرية والتغيير، تطالهم تهمة العلم المسبق بقرار فض الإعتصام بالكيفية المأساوية التي تمت، ومنهم من ساهم في تهيئة مصوغاته الهزيلة، ولو بحسن نية، والأصح الإحتفاظ بهذا الحق، والتطلع لتحقيق العدالة لدى الحكومة المدنية القادمة بقوة عناد وإصرار الشعب الغاضب.
العودة المجيدة إلى شعار # تسقط بس، هو السبيل الوحيد والمجرّب، لإنتزاع السلطة كاملة من المجلس الأمني، دون مِنّة ودون رجاء مهين، والشعب مستعد لدفع الثمن مهما يكلف من دماء وأرواح، وليدرك تجمع المهنيين، أنّ فرص صمود المجلس الأمني الإنقلابي على سدة السلطة، شبه معدومة، مقارنة بفرص السفاح المخلوع في الإستمرار، فقد وقعوا في شرّ أعمالهم، بإرتكاب مذبحة إعتصام القيادة، وإستباحة العاصمة، والإصرار على التفريط المذل في القرار السيادي للبلد، وتسليم الشأن الأمني لقائد مليشيّ لديه سوابق في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
على قوى الحرية والتغيير، ومن خلفها الشارع الثائر، أن يتمسك بشعار# تسقط بس، دون الحياد عنه، وعلى المجلس الأمني الإنقلابي البحث عمن يغض الطرف عن جرائمه، ويغفل عن نواياه المفضوحة ليتفاوض معه ليسلمه السلطة، نيابة عن الشارع الغاضب.
هم الآن يجلسون على كراسي من نار، وقودها الغضب المشتعل في قلوب امهات الشهداء وزملائهم الشباب، وعامة أفراد الشعب، فأنى يهربون من القصاص؟
ebraheemsu@gmail.com
//إبراهيم سليمان//


صراع العروش في السودان .. أهمية الحدث أم المنطق؟


صراع العروش في السودان .. أهمية الحدث أم المنطق؟


مما رُوج له بكثافة، يُقال أنّ الرئيس المخلوع السفاح عمر البشير، حرر منطقة ميوم ببحر الغزال، في معركة تبدو مفتعلة، من سياق التسلسل الدرامي المأساوي لمسيرة الرجل العسكرية، وإن صدّقنا الراحل د. الترابي، أنّ إتفاقهم مع البشير خلال صفقة "أرسلته للقصر رئيسا، وذهبت للسجن حبيسا"، أن يترجّل البشير خلال عشر سنوات، لتعاد الحياة النيابية في البلاد، بالتمعّن في هذه الحيثيات، نعيد التمعّن فيما ورد على لسان أحد أبطال العمل السينمائي الأكثر إثارة في الآونة الأخيرة، والذي ملأ الفضاء وشغل الناس، صراع العروش Game of Throne نعيد التمعن في حكمة "إمّا أن تموت بطلا، أو تعيش المدة الكافية، لترى نفسك تتحول إلى شخصية شريرة".
البشير لم يكتفِ ببطولته المرتاب فيها في ميوم، ولم تُشبع عشر سنوات شهوته المفرطة في السلطة ولا حتى ثلاثين عاما من التسّلط، ولم يخزيه مقتل مئات الآلاف من الأبرياء، فخطط لإبادة ثلثيّ الشعب ليحكم الثلث مدى الحياة، تحّول إلى قاتل شرير، والأدهى، لم يرتدع من فظائعه الذيَن أتيا من بعده، البرهان وحميدتيّ عن محاكاة مسيرته الدموية حذو النعل بالنعل فيما يبدو في وقتنا الماثل.
الآن لم يعد الكثيرين مهتمين بشأن ومصير البشير، والسؤال الذي يفرض نفسه، أيهم أكثر حضوراً في المشهد السياسي السوداني المربك، حدث التغيير في حد ذاته، أم منطقية تسلسل الأحداث؟ بمعنى هل إزاحة رأس النظام السابق من سدة الحكم، هو الشاغل والمفرح للناس، أم اللف والدوران الذي يتخبط فيهما خلف خلفه البرهان، للإهتداء بخطاه للتحوّل إلى شخصية شريرة بسرعة البرق؟
بتعبير درامي آخر، هل الإهتمام بمعركة الموتى (الزومبيز) ومستحقاتهم هي التي يجب أن تحسم أولاً، وتستحق أولوية المشاهدة، أم مراقبة تحركات التنانين الغمرانة؟ يبدو أن جيوش الموتى في مسلسل صراع العروش، حالهم حال شهداء الشعب خلال حكم الإسلاميين، تململوا في قبورهم، ثم ماجوا بسبب تقاعس الأحياء عن الثأر لدمائهم، قبل أن ينظموا صفوفهم ويخرجوا للمواجهة بأنفسهم مع الأشرار، وهذه قمة الإدانة للبشرية في تقاعسها عن إحقاق الحق. الزومبيز في مسلسل صراع العروش، أبطال يخترقون الأسوار الشاهقة، ويبعثون من رماد نيران التنانين للمضي قدماً صوب (القيادة العامة).

يبدو أن التشويق والإثارة، أكبر بكثير من التصاعد الدرامي على مسرح ساحة الإعتصام وحوالي شارع النيل، وشيئا فشيئا يتضح أن جون سنو John Snow (حميدتّي) بطل ونترفيلد، والذي يعتقِد الناس أنه داهية زمانه، إتضح أنه أغبى بكثير وأوهن مما في أذهان الناس، يكرر سيناريوهات صلاح قوش، ويتهم أبرياء كنمطيين  أشرار لتبرئة ساحة قواته المخترقة والهمجيّة، ويهدد الشعب بالويل والثبور، بما ليس في إمكانه الإقدام عليه، ويدّعي شعبية زائفة، ويتنصّل بسهولة عن إلتزاماته المعلنة، ويتنطّع في السياسية والقانون والعلاقات الخارجية بما ليس له به علم.
حميدتيّ يبدو يتقلب بين نزعتيّ الشر والخير، فقد عُرف كقاتل أشّر، في بداياته، وحين البأس، حسبها صاح، وتمّرد على وليّ نعمته عندما رأي دابة الأرض تأكل منسأته، وكرر مراراً أنه لا يطمح في السطلة، ويكفيه قيادة قواته الدعم السريع، ولمّا رأي الفراغ العريض، وأنّ السلطة ملقاة على قارعة شارع النيل، حدثته نفسه الأمّارة بالسوء التوّاقة للقتل والدمار، أن يرفع سقف طموحاته، وهنا يبرز التساؤل مرة أخرى، أيهما أهم الأقدار التي زجّت به في الواجهة، أم منطقيّة وضعيته القائمة على الكف عن تنفيذ قرار السفاح بقتل ثلثي الشعب، والتي ما إنفكّ يمُن به عليهم حينا، ويبتزهم أحيانا؟
ولنفترض أنه إنصاع لقرار وليّ نعمته المخلوع، وأقدم على فض الإعتصام بالقوة، وطفق يُعِد شهداء الشعب، بغية تحقيق نسبة الثلثين، فما الغرابة في ذلك؟ وماذا كان يتوقع النتيجة، غير التهويل، والتقدم خطوات نحو الجنون كما فعلت ام التنانين دنيرس، فما زالت قواته متهمة بقتل مئتيّ شهيد في إنتفاضة سبتمبر 2013م المجيدة، ولم يخنع الشباب الباسل، ولم يتراجع عن المواجهة.
الممثلة البريطانية إميليا كلاركEmilia Clarke ، المعروفة باُم التنانين في مسلسل صراع العروش، كانت تسعى لأن تكون أفضل من أبيها السفاح، وقرّبت من الوصول إلى الهدف، ولكن طريقها ما كان مفروش بالورود، رغم إمتلاكها القوة المطلقة والخارقة (نيران التنانين الثلاثة)، فقد حدثت لها مواقف مؤلمة، دفعتها للتهّور، واوشكت أن تصاب بالجنون، في فترة وجيزة فقدت إثنين من تنانينها، وقُطعت رأس مساعدتها الشخصية في مشهد فظيع أمام عينيها، وخسرت حبيبها جون إسنو John Snow فارس ونترفيلد لصالح شقيقتها، فتحّولت إلى شخصية مهزوزة وشريرة، وبدلاً عن كانت توجه التنانين لحرق السفن والجنود، أصبحت لا تبالي، تحرق القرى والمدن بما فيها من الأبرياء من الأطفال والنساء دون أن ترف لها جفن، كل ذلك من أجل بلوغ الهدف وهو الجلوس على كرسي العرش، ومن أجل ذلك كانت تدافع بشراسة عن نفسها وجيوشها وأية شخصية تقف إلى جانبها (كوز)، وكل هذا الجنون، لأنها سمعت نصيحة جدتها أولينا تايلور (عجوبة) التي قالت لها، إن أردتِ أن يطيعكِ الشعب، لازم يهابونك، وفي النهاية لم يأتِ منها إلاّ الدمار والخراب. مع الفارق، هذه الشخصية، تناسب عدة شخصيات في صراع العروش في السودان.
عدم المنطقية واضحة في صراع العروش في السودان، فقد رأينا إستسهال البطولة، تجسّدت في كيف أنّ محمد حمدان دقلو، لمجرد إنتصار قواته في معركتين أو أكثر، هما معركة إسترداد ابو كرشولة، ومعركة قوز دنقو، تمكّن من التسّلق إلى هرم القيادة العسكرية والسياسية في البلاد، دون أن يمر بالكلية الحربية، ولو مرور الكرام، وكذلك إسترخاص أو الإستعجال في سقوط أبطال من لدن الجنرال عوض بن عوف، وبروف مضوي إبراهيم آدم، وبروف فدوى عبد الرحمن على طه، قيل أنّ أحدهما مرّشح لتولي رئاسة وزراء الحكومة الإنتقالية، وعثمان ذو النون الذي كان ملء السمع والبصر، أصبح مجرد ضيف ثقيل على الفضائيات، وكيف توارى بدون ضوضاء البطل المطلق النقيب حامد، لمجرد أنه ضابط نظامي ومنضبط، رغم رفضه التعليمات، والإسبتسال لحماية شعبه، وهو أكبر الشواهد، أن الأحداث تتواري بسرعة جنونية، دون إن يلتفت إليها أحد، والكل مشدوه للمشاهد العبثية، على مسرح الواقع بميدان الإعتصام، ووراء كواليس دور الأحزاب ولقاءات تجميع المهنيين.
وتتجلى العبثية، وعدم المنطقية في أبهى صورها، في إفادات شخصيتين
"عشرات الآلاف من الأرواح البريئة، مقابل"رتبة ليست برئية، يبدو أنها مقايضة عادلة"
ثيريون لانسر (حميدتيّ)
لقد قمت برمي فتى صغير من النافذة وجعلته مقعدا مدى الحياة، والسبب سيرسي (السلطة). لقد قمت بخنق قريبي حتى الموت بيديّ من أجل سيرسي (السطلة)، هي مليئة بالكره، وأنا أيضا.
جيمي لانسر (البرهان).
ولا يزال العرض مستمرا، رغم الإحباط وعدم رضى الجمهور، والنداء المدويّ مدنييييييييا.
نتمنى الاّ يكون الآذان في مالطا.
ebraheemsu@gmail.com
//إبراهيم سليمان//


الأحد، يونيو 02، 2019

ليس للإسلاميين بُدٌ من الإصطفاف خلف الإمام


ليس للإسلاميين بُدٌ من الإصطفاف خلف الإمام


إنّ إستحسان الثناء هو من طبيعة النفس البشرية، والضعف البشري العام، يتمثل في العجز عن مقاومة المدح، حتى إن كان مغرضا، ومهما كان الإنسان صادقٌ مع نفسه، قد يصّدقها إن جاء ثناؤها وتكررت من الأبعدين، وحُب الإنسان أن يُحمد بما أنجز ليس فيه حرج، لذلك ليس بمستغرب أن تتنازع النفس البشرية تنازعات مختلفة تجعلها أكثر ما تكون إهتماماً بحكم الناس عليها أو رأى الآخرين فيها، الإمام الصادق المهدي، مثل غيره من البشر، يطرب لألحان الذين يمّجدونه، سيما فيما يتعّلق بنهجة الوسطي في السياسية والدين، ويرى أنّ بعص منتقديه يحسدونه في نسبه وعلمه، وما يهمنا في هذا المقال، طربه لمادحيّ وسطيّته الدينية، والتي ورّطته فيها حركة الإخوان المسلمون العالمية كرئيس لها، فقد طرب لهذا المنصب، وكاد أن ينسَ العقيدة الأنصارية، من فرط التحدث عنها.
مبارك الفاضل في خضم صراعة وسجالاته مع إبن عمه الإمام الصادق المهدي، إتهمه بأنه حوّر برنامج ونهج حزب الأمة القومي المستقل، إلى برنامج حزب إسلامي، من خلال برنامجه لإنتخابات 1986م والذي عُرف برنامج الصحوة الإسلامية، وقد يكون مجاراة منه لصهره د. حسن الترابي، والذي له تأثير غير مباشر في مسيرة حياته السياسية، ومن الواضح أنه لم يشأ أن يترك له الساحة الدينية لوحده ويركّز على الجانب السياسي والقومي.
الآن وقد أفل نجم الإسلاميين عن سماء المشهد الديني السوداني، وقد بدأت مسيرة هذا المآل منذ مفاصلة رمصان 99، ثم تسارعت خطى هذا الأفول بوفاة رمزها ومجددها الدكتور حسن الترابي، إلى أن تم مواراته في صبيحة 11 من إبريل 2019، ومنذئذ والإسلاميين في توهانهم يعمهون، ليست لديهم قيادة راشدة ونقيّة، وخاليّ الوفاض من برنامج سياسي قابل لترميم، وقد فقدوا وجههم الأخلاقي منذ أن إنقادوا لعلي عثمان ونافع على نافع وصلاح قوش، ناهيك عن فضح شرفهم السياسي بتدبير إنقلاب الثلاثين من يونيو 89 على حكومة شرعية منتخبة.
لا شك أنّ الإمام يعتقد، الآن قد جاء وقت أُكل رؤيته الإسلامية تلك، فقد خلت له الساحة الدينية، وصفت له الأجواء الروحية، ليكون زعيماً دينيا أوحدا في الديار، بعد أن إلتزم السيد محمد عثمان الميرغني الفراش في قاهر المعز، وعجز منذ عمدٍ بعيد عن التنظير التجديدي، ولم يبقَ له سوى سجادة متنازعة عليها بين الختمية والمراغنة الإتحاديين.
فلول الإسلاميين، لديهم من الدهاء ما يدفعهم للفرار من السلفي عبد الحي يوسف، والداعشيّ د. محمد الجزولي، فِرار الأصح من الأجرب، لذلك الأقرب أن يجدوا ضالتهم في "فروة" الإمام الصادق المهدي، والذي بلا أدنى شك سيرّحب بهم أيما ترحيب، إن تبرؤا ولو ظاهريا عن القتلة والفاسدين من رموزهم، وإن أغدقوا عليه المدح والثناء و"الكشكرة"، فقد فعلوه معه من قبل، مما مكنهم من الركوب مردفين في سرج حكومته المتأرجحة، قبل أن يغدروا به في الثلاثين من يونيو 89، الآن حالتهم أشدُ بؤسا، ومستقلهم السياسي أكثر قتامة، وليسوا في عجلة من أمرهم، وهذا ما قد يفّسر زيارة بعض قيادات الإسلاميين للإمام، عندما حميّت وطيس المواجهة بين الثوار والقوات الأمنية في أزّقة العاصمة، بالإضافة إلى لحن الإنقلابيين الإنتخابي المفّصل هذه الإيام، وهو لحن إماميٌّ بإمتياز، وقد يفك هذا المآل، سر الزجّ باللواء عبد الرحمن الصادق إلى القصر الجمهوري، منذ بداية إضمحلال الدولة الكيزانية، وعدم تململه في كرسيه حتى وقت الزلزال الذي اختلع المشير من القيادة العامة.
أما عن حزب المؤتمر الشعبي، فإنّ نشافة رؤوس قياداته الحائرة والمشَوشَة، ومكابرتها، قادته إلي مصيره المحتوم مع صنوه الكارثي حزب المؤتمر الوطني، وممّا زاد الطين بِلة، أنّ القيادي المحترم كمال عمر، في لحظة ضعف ثوري أجوف، حرق الثائر المقنع عثمان ذو النون، والأخير في نزوة غرور ثوري، فضح نوايا حزبه المؤتمر الشعبي، وحرقّ نفسه إلى الأبد، وأظنه أخجل الإمام بسبب دفاعه عنه وإشادته به.
الشارع الثوري الهائج لن ينسَ لهم (جميعا) سوءاتهم خلال الفترة الإنتخابية المقبلة ولو بعد حين، لأن خزيّهم ستكون المادة المفضلة، والطرح الرائج في كافة المنابر، وسيكون جرائمهم محل مزايدة لكافة الساسة الطامحين لدخول البرلمان المقبل، ولا نظن أن يكون التواري خيارهم الأوحد، بل نراهن أنهم سينضون سراً أو علنا تحت راية الإمام وحليفه المليشيّ الأشتر حميًدتي، بشرط أن يتخلىّ الإمام عن تأييد محاكمة المطلوبين دولياّ لدى محكمة الجنايات في لاهاي، وليس من الصعوبة، أن يجد الإمام مصوغا للتخلي عن هذا المطلب.
ولا شك أنّ الإمام، سيتخذ من الإنخراط الإخواني المحتمل وراء إمامته، لتعزيز التصدي للمطالبة المتصاعدة من عضوية حزبه للترجّل عن زعامة الحزب بدون توريث، وتدعيم حجته القائمة على أنّ زعامة الحزب وإمامة الأنصار يجب أن تكون من نصيب "ممن تقلد بقلائد الدين ومالت إليه قلوب المسلمين، ومن أعلى الناس همة وأوفاهم ذمة”
قد يقول قائل، أنّ حزب الأمة ليس بحاجة لأصوات الكيزان في الإنتخابات المقبلة، مبكرة  كانت أم آجلة، ولكن مخطئ من يظن أنّ الأشياء هي الأشياء في 86 كما قال الراحل الفيتوري، فالآن الإمام في ورطة حقيقية، بسبب موقفين إثنين، إن نجح الإضراب الشامل الذي لا محاولة واقع، وإن فشل، في كلتا الحالتين فالإمام هو الخاسر، فإن فشل الإضراب لا سمح الله، الشارع السياسي سيحّمل الإمام تبعات الفشل، وإن نجح بلا شك أنّ الثوار سيخرجون ألسنتهم له، ومن الآن فصاعدا، إن سطع نجم حميدتي، سيتقّرب منه الإمام أكثر فأكثر، ويبتعد عن الشعب، وإن أفل نجمه فالإمام وحزبه في مؤخرة مواكب الثورة، وأية حماقة أو تجاوز من حميدتيّ مستقبلا، فالإمام شريك له فيها بالموالاة، ما لم يصحح موقفه منه وبسرعة، وطالما هو إمامٌ للدعم السريع، بلا شك سيخسر دوائر الهامش إلى الأبد، ولا غنً لحزبه عن أصوات الفلول، وقبل ذلك يلزمه السماح لهم بالصلاة خلفه، "بطهارةٍ" وخشوعٍ أو بغيرها.
ebraheemsu@gmail.com
//إبراهيم سليمان//


لقد إتضحت الرؤية


لقد إتضحت الرؤية


رغم غموض نوايا المجلس الإنقلابيّ، قراءة المشهد الثوري السوداني الماثل، لا يحتاج المزيد من التمحيص، فقد إنجلت الغشاوة، وتمايزت الصفوف، وبان مخطط الهبوط الناعم، ثنائيات تشّكلت، وعرف كل اُناس مشربهم، داخل المجلس الإنقلابيّ، عسكر مسلوبو الإرادة مقابل مليشيا تفرض نفسها، وتحت مظلة قوى الحرية والتغيير، نجد التجمع الوطني وتجمع المهنيين بالإضافة إلي حزب المؤتمر السوداني، مقابل نداء السودان، وفي الثورة المسلحة الدارفورية، نجد جبريل ومناوي، مقابل عبد الواحد محمد نور، وهو أمر ليس بجديد، إلاّ انّ التمايز وجدت مصوغات أقوى، والشكوك السابقة أصبحت حقائق ماثلة، أمّا محور جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق، لم يجد فصيل ياسر عرمان بدٌ من الاصطفاف خلف محمد يوسف المصطفى، رئيس تجمع المهنيين، ممثل غريمهم عبد العزيز الحلو في الداخل.
لتجميع هذا الشتات، نداء السودان (الإمام + جبريل + منى) مع الدعم السريع، وهؤلاء تلقائيا يجدون أنفسهم في مركبٍ واحد مع الفلول، اسمه الإقصاء، الإمام يتكّفل بمحاربة الشيوعيين بالإنابة عن الإسلاميين من منطلق عقدي وليس سياسي، وحميّدتي يُلمّح  للإمام أنه سيتكّفل له بمحاربة الكيزان سياسياً وليس ايدلوجيا، جبريل ومناوي يساندان حميّدتي من باب التقيّة، ونكايةً في المركز. شباب الإعتصام وتجمع المهنيين وبقية قوى الحرية والتغيير، سيجدون أنفسهم بطريقة أو باخرى مع البرهان المغلوب على أمره، والمتردد في الإستقالة، طالما ظل يكشكش بالتسليم الوشيك للسلطة، وطالما ظل نجم نائبه في الصعود واللمعان ، وإستمر الأخير في التصريح الأشتر، الحلو وعبد الواحد يؤيدون محور تجمع المهنيين من منطلقات ايدلوجية وقد تكون مبدئية مناهضة لميشيات حميّدتي المتربصة بهم.
مصر وأثيوبيا وتشاد ودولة جنوب السودان مع محور تجمع المهنيين والمتعاطف من برهان، من منطلقات نظامية القوات المسلحة، والتحّفظ على حرب اليمن، وبذلك ستختصر مساندة حميّدتي على السعودية والإمارات فقط، وستظل دولية قطر خارج المشهد، وستجتهد في الاصطياد في المياه العكرة.
حميّدتي سيستمرئ محاولات إقتحام جبل مرة، والمغامرة بدخول كاودا بالسلاح والريالات الخليجية، وبذلك سيزداد نزوح أهالي الهامش، بدلاً عن إعادة توطينهم وإعمار قراهم، وتتلقّف فصائل مغمورة القفّاز المرمي في ميدان الثورة من جبريل ومناوي، لتستمر المواجهات في دارفور وجبال النوبة وجنوب النيل الأزرق، وهذه المرة سيتدخل إدريس دبي مباشرة لوضع حدٍ لتهديدات حميّدتي التي ظهرت مؤخراً على الحدود الشرقية لتشاد.
سيتحدث تصدعات غائرة في جسد حزب الأمة القومي، وسيفقد الإمام المبادرة، وليس مستبعدا، أن يتلقف نجله البشرى القفاز الساقط في باحة القصر الجمهوري من شقيقه اللواء عبد الرحمن ليواصل المشوار مع الزعيم المليشي حميّدتي، سيما وأنه قد تشّرف بتدريب جزءاً من هذه القوات الإثنية الخاصة.
هذه ملامح المشهد الماثل أمامنا بدون رتوش، وحتى إن تم تسليم السلطة للمدنيين، ما لم تُلجم طموحات حميّدتي، وتوضع حدٍ لتورطاته المستمرة مع دول الخليج، وكبح نزوة مغامراته السابقة في الهامش الثائر، فمن المؤكد أنه لن يخضع لأية تشريعات ستصدر لاحقا، ولن يأبه لأية سلطة عسكرية أو مدنية كانت، والصدام بينه والبرهان واقع لا محالة، سيما وأنه وقد وجد من يصّفق لإستعراضاته من زعيم بمقام إمام.
ebraheemsu@gmail.com
//إبراهيم سليمان//


الجمعة، أبريل 26، 2019

لماذا يصرّ المجلس العسكري على مشاركة أحزاب "الفكّة؟


لماذا يصرّ المجلس العسكري على مشاركة أحزاب "الفكّة؟
ما رشح من إفادات تؤكد أنّ جوهر الخلاف بين تحالف قوى التغيير والمجلس العسكري الإنتقالي، هو إصرار الأخير على مشاركة الأحزاب التي كانت مُشارِكة حزب المؤتمر الوطني حُكم البلاد قبيل إندلاع ثورة 19 ديسمبر 2018م، مما يفّسر أن مطالبة المجلس العسكري بحكومة تكنوقراط ما هو إلاّ قناع لضمان موطئ قدم للتيارات الإسلاموية ذات الماركة الإنقاذية في المرحلة الانتقالية.
لم يكتفِ المجلس العسكري الإنتقالي، بتضمين رموز إنقاذية ضمن عضويته، ولم يتردد في ترتيب حشد تعبوي للدعاة المتشددين، وغلاة المزايدين بالدين في قاعة الصداقة، حتى قبل أن تجف دماء شهداء الثورة المباركة، أو قبل أن يبرح الثوار البواسل ساحة الاعتصام أمام القيادة العامة، هذه التصرفات نتيجة طبيعية للأدلجة الممنهجة التي أوصلت جنرالات المجلس العسكري الإنتقالي إلى عضوية المجلس الأمني، الذي وجد نفسه تحت الضغط الثوري المتعاظم، أنّ لا مناص من عزل رأس النظام الأسبق، السفاح عمر البشير.
لماذا هذا الإصرار، وقد أقرّوا بفشل المنظومة الحاكمة السابقة، واعترفوا بفساد قياداتها، هل هم معنيون بتغيير الأشخاص، وغير مباليين بتصحيح أوضاع البلاد، وصون حقوق العباد وتحسين معايشهم؟ إن لم يكونوا كذلك، فكيف يستقيم الظل والعود أعوج؟ لقد أعترف رئيس المجلس الإنتقالي الفريق أول عبد الفتاح البرهان للبي بي سي، أنهم أي كعساكر، جزء من مشكلة الحكم في البلاد، هذا التصريح يحسب له، لكنه أمسك عن قول أنّ حزب المؤتمر الوطني، وكافة أحزاب الحوار الوطني المشاركة معه حكم البلاد، هم أُس المشكلة، هو يدرك أنهم ذاهبون لا محالة، بيد يبدوا أنّهم حريصون على تمكين وكلائهم الذين أتوا بهم في ليلة الثلاثين من يونيو عام 1989م.
يتضح أنّ مجلس سوار الذهب، كان أكثر حياءً ودهاءً من مجلس البرهان، إذ تمّكن المشير من إخفاء لحيته، وأفلح مجلسه في الزج بالدكتور الجزولي دفع الله الإسلامي المندس إلي كابينة مجلس الوزراء، ليكتمل تآمر الرأسين، في زرع من يخرق سفينة الديمقراطية الثالثة، وسط مكونات الفترة الإنتقالية السابقة، ومن سوء تقدير مجلس البرهان، الظن أنّ الشعب السوداني من الغباء لدرجة تكرار خطأ مميت كلفه ثلاثة عقود عجاف من تاريخه، فقد خلاله اليابس والأخضر من مكتسباته، وذاق خلالها صنوف العذاب والذل والمهانة.
تكرار سيناريو سوار الذهب، دونه خرط القتاد، ولن يحدث ذلك إلاّ على جثامين كنداكات وشفّاتة ميدان الإعتصام، وأن تلحق الثكالى بأبنائهم الشهداء البررة، وأن يدخل الجمل في سمّ الخياط.
مماطلة المجلس العسكري الإنتقالي، في تسليم السطلة لممثلي الثوار الشرعيين، بمعزل عن القوة الفاسدة، هو نوع من رد الجميل لمن أغدقوا عليهم بالنياشين، وكانوا سبباً في تولّيهم قيادات أفرع القوات المسلحة، وفيما يبدوا لم ينقطع عشمهم في الفاسدين، في أن يستعينوا بهم مرة أخرى إذا إدلهمّت الساحة السياسية مرة أخرى.
الذين أرغموا أعضاء مجلس البرهان على عزل رأس النظام الأسبق، من الشباب الناشف الرأس، وصغار الضباط وضباط الصف والجنود الشجعان، لم يعجزهم دحر فلول الفساد، والمحرضين على القتل، والملطخة أيدهم بدماء الشهداء، والملوثة صحائفهم بالانتهاكات الجسام في حق الشعب، وما هو المصوغ لحظر حزب المؤتمر الوطني من المشاركة في الفترة الإنتقالية، والمنافحة من أجل مشاركة الأحزاب المتوالية معه والشريكة له في الجرم والفشل؟
هذا التناقض، يفضح محاولات تكرار سيناريو مجلس سوار الدهب بصورة مكشوفة، ودون مواربة في الحرص على إبقاء  وكلاء خُلّص، يمثلون خميرة عكننة لتهيئة الظروف المواتية لتدخّل العسكر مرة أخرى ولكن هيهات.
إعادة تدوير برامج ومناهج حركة الإخوان المسلمين العالمية التآمرية، أو ابقاء رموز نظام الإنقاذ البائد والمتوالين معهم من الفاسدين الشرهين إلى مفاصل الدولة، "يشموها قدحة"، وعلى مجلس البرهان أنّ يسلّم بأن  الحادي عشر من أبريل 2019م  هو تاريخ فاصل في بناء سودان جديد لا يدرك مجلسه كنهه، وبدء الشروع في تأسيس دولة جيل الألفية، الجيل الناشف الرأس، وأن يدرك أن معركة مجلسه من أجل المتردية والنطيحة وما أكل السبع، لهي معركة خاسرة، والأرحم لمجلسه الموقر، الإستثمار في كسب ود الشعب، والإندغام التام مع الثوار الشرفاء، من خلال الإنصياع السلسل لمطالب تحالف قوى الحرية والتغيير، الممثل الشرعي للثورة، والحرص على إجتياز الفترة الإنتقالية بقيادة حكومة مدنية دون أن يلعنكم أحد، أو أن يدعوا عليكم ثُكلى من أمهات الشهداء.
ebraheemsu@gmail.com
/"/ابراهيم سليمان//