الاثنين، شوال ٢٥، ١٤٣٩

وعاجز الرأي مِضياع لفرصته..

وعاجز الرأي مِضياع لفرصته..

لا نظن أن هنالك معارضة خائبة، على وجه الأرض اضاعت الفرص، مثلما فعلت المعارضة السودانية، بشقيها المدنية والمسلحة، تكررت لديهما الفرصة تلو الأخرى للانقضاض على نظام غير شرعي، مستبد وقمئ حد الرعونة، ظلت الظروف تجود عليها بسوانح مواتية، طيلة ثلاثة عقود حسوما، واستمرت الرياح تهب على أشرعتهم سنين عددا، دون أن يتمكنوا من الوصول بشعبهم إلى بر الامان، تاهوا في بحور السياسة، إلى أن تبدّلت اتجاهات الرياح الإقليمية والدولية، فأصيبوا بالدوار، وباتوا يرسون سفنهم على الشواطئ الخاطئة، وينيخون رواحلهم علي الأوحال الزلقة، يكثرون من الشكوى، ويلعنون الأقدار التي انحازت لصالح غرمائهم الأوغاد.
بدءاً، لم ينفِ رئيس الوزراء المنتخب شرعياً، السيد الصادق المهدي، علمه المسبق بالمخطط الجدّي من قبل اللصوصية العسكرية لتقويض نظامه، إلا ان عجزه السياسي، فوّت عليه فرصة ثمينة ونادرة لإعلان حالة الطوارئ وإخماد المؤامرة في مهدها، وفي الحقيقة أن رئيس الوزراء الموقر، لم يضيّع على نفسه فحسب، إنما اضاع على الشعب السوداني بأسره، فرصة اتقاء عذابات ثلاثة عقود من جحيم نظام الإنقاذ الغاشم، قتل خلالها أكثر من نصف مليون مواطن صالح من الشعب السوداني، وقسّم البلاد والعباد. كان بإمكان رئيس الوزراء المنتخب، ان يمّلك تلك المعلومة المؤكدة بشأن المؤامرة للشعب، وينتظر منهم النجدة للدفاع عن مكتسباتهم، طالما أشكل عليه التصرف المثالي، وشّق عليه اتخاذ القرار المسؤول.
وبعلمه المؤكد عن خيوط المؤامرة، يتضح جلياً أنه آثر السماح لسيناريو عبدالله خليل بيك رئيس وزراء الديمقراطية الاولى عن حزبه مع الجنرال عبود بالتكرار، نكاية في خصومه الإتحاديين، الذين قال قائلهم قولته المشهودة: "الديمقراطية كان شالها كلب ما في زول حايقول ليهو جر" وآثروا بعده التحول إلى "دكة" المعارضة قبيل الانقلاب المشؤم، يعزز فرضية استحسان السيد الصادق المهدي تكرار سيناريو (خليل، عبود) تعليقه الأشهر، بعد أن جلس على تل خراب حكمه: "الانقلاب العسكري سهل، والقضاء عليه اسهل" أي انه استسهل الانقلاب وقد صدق، الانقلاب العسكري سهل فالحكم الذي  اؤتمن عليه، كان ملقاة على قارعة الطريق، ولم يكلف الانقلابين شروي نقير لاستلامه.
بعد انقلابهم الكارثي، تعرّض النظام لفتنة حرب الخليج الأولى عام 1990م، و"دقس" دقسة مميتة، وهو لا يزال رخواً، بالوقوف إلى جانب المعتدي صدام حسين والانضمام إلي محور الضد، وقال ديكهم يونس محمود في دول الخليج وزعمائها، ما لم يقله مالك في الخمر، وتحالف مع ايران، وفتح أبواب دور العبادة على مصراعيها للتشّيع، وبسبب عجز المعارضة السودانية، فشلت في اهتبال تلك الفرصة، في كسب ود دول الخليج وعزل النظام إلا لبضع سنين، سرعان ما التقط أنفاسه، وقلب الطاولة على تجمعاتهم، طلّق إيران وخطب ود الخليج، وسط دهشة تحالفات المعارضة الخائبة، والآن بعض دول الخليج، تسلم منسوبي المعارضة لمقصلة النظام، الواحد تلو الآخر.
وقبل أن يتجاوز النظام تبعات "دقسة" حرب الخليج الأولي، ارتكب خطيئة اخرى قاتلة، بتدبير وتنفيذ محاولة اغتيال الرئيس المصري حسنى مبارك في 25 يونيو من عام 1995 بأديس ابابا، والذي احتفى بتجمعهم، أيما احتفاء، واغدق عليهم النعم، وفتح لهم ابواب الجامعة العربية، ومكنهم من منصّة المحامين العرب لسنين عددا، إلا انه ادرك أن تجمعهم لمختلف جِدا، وأن قلوبهم لشتى.
اما اُم كبائر نظام الإنقاذ فهي فصل الجنوب عام 2011م، ولكن عاجزوا الرأي السياسي، وفاقدو الحس الوطني، فات عليهم تأليب الشارع السياسي لإجهاض المؤامرة الدولية بمباركة النظام، كعربون للتقاضي عن موبقاتها الدولية ودعمه للإرهاب، وعجزوا كذلك عن تعرية النظام أخلاقيا وتجريده من رداء الوطنية المزيف الذي كان يتدثر به، تحت عباءة التدين التجاري، وفوتوا على أنفسهم فرصة لن تكرر ابداً للانقضاض الجماهيري، على زمرة من عديمي الوطنية، وفاقدي الأخلاق والشرعية، وقبل ذلك، تنازل النظام عن مثلث حلايب لمصر، ثمناً رخيصا لجريمته النكراء، المتمثلة في محاولة اغتيال زعيمها حسنى مبارك، والذي قُبض عليه متلبساً في تنفيذه، هذه الصفقة الناعمة، قد اربكت وألجمت حينها تجمعات المعارضة السودانية، عاجزة الرأي وفاقدة الرؤى، والتي كانت تعيش حينها في كنف النظام المصري، وتسّبح بحمده، ومبيتاً عليه الآمال العراض، ولم يفتح الله على المعارضة السودانية، أن تنبس ببنت شفة حيال الاحتلال المصري لهذا المثلث السوداني، إلا مؤخراً، وعلى استحياء، وبتمتمات غير مسموعة.
فالدول التي كانت تستقبل رموز المعارضة السودانية بالأحضان، وتسلمها مفاتيح سفارات بلادهم، باتت الآن تطردهم شرّ طردة، وتصفعهم على "قفاهم"، لأنها ادركت عجزهم عن الفعل السياسي، وانهم باتوا معزولين عن شعبهم، واصبحوا كالهيليوم لا وزن لهم بسبب فعل السنين.
بعد فوات الأوان، ادرك عاجزي الرأي السياسي، من زعماء المعارضة المدنية في الخرطوم، أن الحراك الجماهيري في سبتمبر 2013م هي ليلة "قدر سياسي" حقيقي لانتفاضة شعبية كاملة الأركان. فبينما استشهد اكثر من مائتي شاب مقدمين ارواحهم فداءاً للخلاص، اكتفت الزعامات السياسية، بمتابعة الأحداث من منازلهم، وفات عليهم حتى الدعاء بإخلاص لشعبهم في تلكم الليالي القدرية، جاءتهم "الفرصة" في تلك الليالي الهالكة، مرات ومرات تمشي برجيلها على استحياء تبشرهم بفجر الخلاص، وطرقت بإلحاح ابواب من يتشدقون بالفحولة السياسية، وبدلاً عن يدعوها للمبيت، اصيبوا جميعا بالركبة والتلبك، وولوا الأدبار، لم يتعرف عاجزي الرأي السياسي على "الفرصة" في تلك الدياجي المعتمة، وظنوا بها الظنون .. زارتهم جهاراً نهاراً في مساجدهم، فقذفوها بالحجارة، وكانوا قوما بورا.
اما عن المعارضة المسلحة، فحدّث ولا حرج، فقد افسدتهم التدليل المفرط من قبل الاسرة الدولية، وبينما كانت قياداتها تتنقل بين دول الجوار المحيطة بالسودان 360 درجة، دون أن "تعّتر لهم قشة"، فقد ضاقت بهم الأرض بما رحبت، وباتوا يكاد لا يجدون موطئ قدم غير ملغمة في مطارات هذه الدول، واصبح رهانهم الوحيد، على الجنرال خليفة حفتر، ولا يساورنا الشك، إن قدّر للأخير أن يتولى مقاليد الأمور في ليبيا، رغم فضلهم الظاهر على انتصاراته المتتالية، سوف يدير لهم ظهر المجن، ويتحالف مع نظام الخرطوم، إن لم يتعلموا من ضلال تشرذمهم القديم، ببساطة، لأن منطق السياسة يقول، لا تعاطف مع عاجزيّ الرأي، لاعنوا الأقدار.
لقد عجز ثوار الهامش، عن الاستفادة من الحصار الدولي الذي عزل نظام الإنقاذ، وتوظيف مذكرة التوقيف الصادرة بحق رأس النظام من الـ ICC في هزيمته نفسيا ومعنوياً، إلا لبرهة من الوقت، ريثما تراخت مع تبدل المعايير الدولية، واصبح القاتل المطلوب دولياً على وشك أن "يقدل" في شوارع نيويورك، ويتمطى على كراسي مقر الامم المتحدة الوثيرة.
ومن المفارقات، لقد تشظّت المعارضة المسلحة الدارفورية، عندما كانت الأسرة الدولية موحدة ومجتمعة على رعايتها، وتقديم اقصى ما يمكن لمساعدتها في منازلة نظام الإبادة الجماعية، والآن ينشدون الوحدة، بينما تتجه الأسرة الدولية نحو النظام. فقد اضاعوا  فرصة الحفاظ على الوحدة الثورية اولاً في ابوجا، وكانوا قاب قوسين او ادنى من تسديد هدف ذهبي في مرمى النظام، ثم اجادت لهم الظروف بسانحة اخرى في الدوحة، فأهدروها سدى، ليعلن المراقب خسارة الجيل الحالي المعركة المسلحة لثورة الهامش، رغم خسارة النظام اخلاقياً، والسبب اضاعة عاجزو الرأي للفرص التي اُتّيحت لهم على طبق من ذهب.
أما عن الشعبية شمال، فقد عجزت هي الأخرى عن استثمار وحدتها وقوة تماسكها في فرض الأمر الواقع ابعد عن سفوح جبال كاودا، إلي إن غشيتها رياح التشظي اللعين، لتقرع  وسط صفوفها ناقوس السباق المذل نحو قصر الجّلاد. وبينما كانت الشعبية شمال، قبلة اللبراليين، وأمل واعد للحالمين بسودان جديد، انكفأت فجأة على الإثنية الضيّقة، وعجزت عن إدارة وتوظيف التنوع في بناء سرح تنظيمي مأمولاً أن يكون بديلاً للديمقراطية المزيفة للطائفية
هكذا القاعدة دائماً. تأتي الفرص لمن لا يدرِ ماذا يفعل بها. نقل عن ونستون تشرشل قوله، يرى المتشائم الصعوبة في كل فرصة، أما المتفائل فيرى الفرصة في كل صعوبة، إن الرياح المعاكسة لا تثني اُلو العزم عن الإبحار، عندما يحددون شواطئهم المقصودة بدقة، ويثقون في البوصلة التي يتبعونها.
هذه ليست محاكمة سياسية، وإنما تنبيه للشعب السوداني بوضع حد للتعويل على الساسة والثوار العاجزين عن اغتنام الفرص المزجاة لهم، ناهيك عن صناعتها.
قال الخليل بن احمد الفراهيدي:
وعاجز الرأي مضياع لفرصته      حتي اذا فاته امرٌ عاتب القدرا
//ابراهيم سليمان//



مطلوبو الجنائية .. سهر الدجاج ولا نومو

مطلوبو الجنائية .. سهر الدجاج ولا نومو

 أرّقت فانتو بنسوده خلال الليالي الفائتة، مضجع رأس النظام وبقية المطلوبين (عبدالرحيم حسين، وأحمد هارون وكوشيب) لدى المحكمة الجنائية الدولية، فقد نجحت بدعم متصل من قبل ابناء الضحايا، في إعادة مذكرات التوقيف الصادرة ضد هؤلاء القتلة في مارس 2009م إلى أروقة مجلس الأمن وواجهة المجتمع الدولي بصورة لافتة، دون اعتراض أو تعليق سالب من قبل مناديب الخمسة الكبار، مما يعني تجدد الامتعاض الدولي من رأس القتلة ونظامه الدموي، في وقت ظنّ هؤلاء أن رياح المتغيرات الدولية، قد اخمدت نار الجنائية، وما دروا أن نار الجنائية، نار "بُتاب" لن تموت ابدا برياح عابرة، طالما هناك من تعاهد على النفخ فيها إلى أن يمثل للعدالة اصغر مشتبه مدرج اسمه اسفل قائمة الـ 51 المطلوب مثلوهم لدى مدعية الجنائية الدولية.
هؤلاء القتلة، لا ينبغي أن ندعهم ينامو ابداً، لذا نذّكر رأس النظام أنه القائل لجنوده "لا اريد اسيرا ولا جريح"، وهو القائل لنفسه على ملأ من حاشيته " قتلنا ناس دارفور بدون وجه حق، وأن قاتل النفس البريئة لن يدخل الجنة ولن يشم رائحتها ابدا".

ونذّكر عبد الرحيم حسين انه القائل في جديد السيل "لا نريد انسان او بهيمة من الطينة الي الفاشر ومن جنوب السكة حديد الي شرق الجبل، ونذّكر احمد هارون انه صاحب التصريح الأشهر "أكسح، امسح".

وإن نسى البشير او تناسى، نذّكره بإفادات احد زبانيته وهو الملازم أول /ابراهيم يوسف فضل المولى، المنشق عن الجيش السوداني 2012م حيث كشف في حينه عن تجاوزات وفظائع مريعة ارتكبها رفاقه في قرية حسكنيتة في العام 2007 تنفيذا لتعليمات صدرت للجيش بحرق القرية بالكامل قائلاً: "في احدى المنازل كان بداخله امرأة مسنه كفيفه حاولت الخروج من المنزل لحظة الحريق، لكن احد زملائه الضباط قام بدفعها بقوة الى داخل النيران المشتعلة في المنزل". هؤلاء الجنود الذين يركلون العجزة الأحياء في النيران المشتعلة بلا جريرة، هم ذاتهم الذين ظلوا يصدِّعون رؤوس الناس بالهتافات الجوفاء من شاكلة "في حماك ربنا، في سبيل ديننا"!!

منذ مارس 2009م بات رأس نظام القتل والإبادة الجماعية في موقف لا يحسده عليه احد من العالمين، رغم انه ظل يخادع نفسه ويمّنيها بالمجد الزائف، بتعمد رفع جناح المكابرة من الذل على الشعب السوداني الكريم، الذي ورّط نفسه في انقلابه المشؤوم على إرادته وتقويض شرعية حكمه، واستمع إلى نفسه الأمارة بالسوء، والطوّاقة للدم الحرام، ولم ترتوي منها لعقود من السفك والسحل المتصل للأبرياء في ربوع الهامش.

وإن نسى البشير نذكره بذلكم اليوم العصيب، يوم الأثنين 15 يونيو 2015 والذي نجا فيه بأعجوبة من قبضة العدالة بجنوب افريقيا، يوم ان بكى غندور اشفاقاً على سوء مآله وهوانه على الناس.

وإن نسى نذّكره بيوم هروبه قبل ذلك من نيجيريا في 15/07/2013م تاركاً اسمه مدرجاً في قائمة المتحدثين، وقد نودي عليه مراراً بينما كان ترتعد فرائسه في الخرطوم، لم يتمكن حتى من لملمة اوراقه او توديع مضيفه.

ونذّكر رأس النظام أنه تسبب في إحراج المملكة الأردنية الهاشمية بمشاركته الثقيلة في قمة جامعة الدول العربية المنعقدة في 29 مارس 2017م، إذ أن المحكمة الجنائية الدولية وبّختها على عدم إيفِائها بالتزاماتها، وتنفيذ طلب اعتقاله وتقديمه إلى المحكمة تنفيذا  لنظام روما الأساسي الذي وقع عليه الأردن منذ عام 2002م.

ونذّكره باعتذاره رغماً عن انفه عن عدم المشاركة في قمة الرياض، التي جمع الرئيس الأمريكى دونالد ترمب وقادة دول إسلامية في مايو 2017م، رغم تلقيه دعوة "مراكبية" من العاهل السعودي، الملك سلمان بن عبد العزيز، وتأكيد حضوره لهذه القمة، التي طال حلمه بمثلها، وطاقت لها نفسه لكسر حاجز العزلة والحظر المفروض عليه من حضور فعاليات الرؤساء والوفود الأمريكان. والسبب مذكرة توقيف الجنائية الصادرة بحقه. ولذات السبب نذّكره بزيارة نائب وزير الخارجية الأمريكي جون سوليفان للخرطوم في نوفمبر 2017م ورفضه القاطع مقابلة رأس النظتام المطلوب دولياً، والاكتفاء بلقاء وزير خارجيته إبراهيم غندور.
ونذّكره ان الرئيس الكيني أوهورو كينياتا قد مثل طواعية في اكتوبر عام 2014م أمام المحكمة الجنائية الدولية في جلسة استماع بشأن اتهامات موجهة له بالتخطيط لجرائم ضد الإنسانية، مبدياً شجاعة نادرة، ومسبباً إحراجاً بالغا للقتلة الهاربين. وقد جاء في كلمته أمام البرلمان الكيني، قبل مغادرته "إنه سيتوجه إلى لاهاي بصفة شخصية، وليس بصفته رئيسا للدولة، حتى لا يقوض سيادة أربعين مليون كيني."
وبهذا الخصوص نذّكره بما قاله له شيخه وعرّاب نظامه الراحل الترابي "يا اخي ما تمشي وتسلم نفسك للجنائية"، وذات الشيء بات يردده الكثر من رموز نظامه منهم محي الدين الجميعابي ومبارك الكودة حيث قال الأخير "دعوتي للبشير بالذهاب إلى لاهاي والتمثيل أمام المحكمة الجنائية حتى لو أدى ذلك لإعدامه تنطلق من مبدأ الرحمة بالشعب السوداني، الذي يدفع ثمن ملاحقة المجتمع الدولي للبشير “.

كل قاتلٍ إن طال عمره يوماً

إلي مقصلة العدالة محمول

ولا نامت اعين القتلة والجبناء


//ابراهيم سليمان//

الخميس، رمضان ١٦، ١٤٣٩

ما بين ابراهيم الأمين وابراهيم منصور .. تقاطعات فكرية

ما بين ابراهيم الأمين وابراهيم منصور .. تقاطعات فكرية
 قرأت قبل فترة كتاب (النخبة السودانية، قضايا الأزمة والتجديد) للدكتور ابراهيم الأمين عبد القادر، وهو المقصود في صدر عنوان مقالنا هذا، اما الثاني، فهو الدكتور إبراهيم منعم منصور، والذي قرأت مؤخرا مختصر لمذكراته من تقديم الدكتور صديق امبده.
في سفره المذكور، اشار د. ابراهيم الأمين في اكثر من موضع، إلى ضرورة الاهتمام بالعلوم والرياضيات في سبيل النهوض بالبلاد من كبوته، مستشهداً بتجارب دول نامية مرّت بتجربتنا، ونجحت في تجاوز خط الفقر إلى مرافئ النمو والتطور، منها البرازيل والهند وجنوب افريقيا واسرائيل، حيث اورد "أكد بيريز في حديثه أن الدول العربية التي تكّرس الدين الإسلامي، تمتلك البترول وثروات طبيعية اخرى ولكننا نستطيع ان نحسم الصراع لصالح إسرائيل عن طريق التعليم وعن طريق الثروة البشرية النوعية التي تمتلكها إسرائيل، والاهتمام فائق بالتعليم الأساسي والتركيز على الرياضيات والعلوم وهو اللغة التي تخاطب بها المجتمعات المتقدمة قضايا المستقبل."
واورد في موضع آخر "فالعنصر البشري هو المحرك الطبيعي لأي نهضة ربما لهذا اهتمت الشعوب المتقدمة بالتنمية البشرية مع بروز الاقتصاد المعرفي الذي يشمل الاقتصاد الرقمي وفي دول العالم الثالث دول لها اليوم مكانة مميزة في هذا المجال لاهتمامها بالتعليم، مثل الهند والبرازيل وإيران التي تمكن طلابها من الحصول على مواقع متقدمة في كل المنافسات العالمية في مجال الرياضيات والفيزياء."
من حيث المبدأ، نتفق مع د. إبراهيم الأمين في اهمية التنمية البشرية الشاملة في نهضة الدول المتخلفة، لكننا نختلف معه في الحلول النمطية لقضايا هذه الدول لاختلاف مسببات تخلفها، فالدول التي تعاني من انقسامات حادة وتواجه مشكلات الهُوية، لا تفيدها إتقان طلابها للعلوم والرياضيات في شيء، وهذا ليس عدم تقدير للعلم او العلماء في هذه المجالات، وإنما من باب ترتيب الألويات، فالشعوب التي ترزح تحت وطأة الأنظمة القمعية، وتعاني الظلم الاجتماعي، ومرارات التهميش، إن لم تنعم بالوعي والحكم الرشيد، فلم يلتفت احد للمعادلات الرياضية التي تكفل توزيع الثروات بين مكوناتها بالقسط.
جاء في مذكرات د. إبراهيم منعم منصور حسبما ما اورده د. صديق امبده: "في اجازة نص السنة النهائية وهو في النهود بعث اليه المفتش (ماكوماس) وسأله عن رغبته إذا نجح في امتحان الشهادة الثانوية (وكان حينها في حنتوب الثانوية في السنة النهائية) فكانت اجابته دراسة الطب. وهنا فاجأه الخواجة (لا. تدخل كلية البوليس). وعندما انفعل إبراهيم وأجاب بأنه هو الذي يختار ما يدرس، قال المفتش "نحن الذين نختار لك ما تدرسه، فأنت ابننا ابن الشيخ منعم منصور". انتهت الاجازة وعندما همَّ بالعودة لحنتوب رفض والده لأنه خالف كلام المفتش، فجلس للامتحان من منازلهم وأحرز الدرجة الاولي وذهب، مغاضبا (لم يقل هو ذلك)، إلى الخرطوم.
في وقت لاحق من السنة، عندما حانت فرصة للذهاب إلى مصر لدراسة الطب، وفي المحطة الوسطى قابل بالصدفة خواجة آخر هو استاذه في حنتوب الثانوية المستر جونز، وعندما أخبره بأنه ذاهب إلى مصر لدراسة الطب قال له الأستاذ جونز "مالك ومال الطب ادرس اقتصاد. سوف تحدث تغييرات كثيرة في المستقبل ومستقبل السودان يتطلب أن يتجه الطلبة المبرِّزون الي العلوم الانسانية لا الطب، وكمثال ذكر حسن الترابي الذي قرر دراسة القانون لا الطب والهندسة. واضاف إن الاقتصاد هو الذي يحرك البلاد أما الاطباء والمهندسون فيمكن استئجارهم من أي مكان". فسأل إبراهيم الأستاذ: ما هو الاقتصاد؟ أتخذ قراره ولم يخبر أحدا بميعاد مغادرته إلى مصر الا "أهل منزلته" في امدرمان. ذهب ودرس الاقتصاد في جامعة الاسكندرية وأصبح إبراهيم منعم الاقتصادي المشهور ورجل الدولة الذي نعرف."
افضل مثال لطرح د. إبراهيم الأمين من الشخصيات السودانية هو العلّامة محجوب عبيد طه عالم الفيزياء والرياضيات الفذ، صاحب نظريتي Taha Method وTaha Sum Rules  في الرياضيات والتفاعلات الكهرومغناطيسية، وهو نابغة لم تلد حواء السودانية مثله حتى الآن من حيث الذكاء والتفوق الاكاديمي والحصيلة العلمية، وإذا قارناه بالدكتور الترابي وهو من النوابغ ايضا والذي اشار إليه د. إبراهيم منعم منصور من حيث التأثير في مجريات واقع الحياة في السودان، ورغم سلبيته والإختلاف الكبير حوله، لكن إن قدر له ان يختار العلوم التطبيقية، لما سمع به إلا القلة كما هو الحال بالنسبة لبروفسور محجوب عبيد، رغم النجاحات العلمية منقطعة النظير في مجاله، فقد ظل تأثيره في الناس مع حوله محدود للغاية، ناهيك عن واقع المجتمع السوداني.
حكى لي احد معارفي استأجر عقاراً لأحدى قيادات الحركة الشعبية خلال الفترة الانتقالية، ذكر له ان ابنه يدرس القانون بجامعة لندن، قاله له لماذا لم يدرس الطب والهندسة طالما أنه يحمل الجنسية البريطانية؟ وكان رده نريد منه أن يساعدنا في رد حقوقنا من الجلابة؟ ومما هو معروف، كانت كلية الهندسة جامعة الخرطوم، في فترة ما شبه محتكرة لطلاب مدرستي خور طقت والفاشر الثانوية، ولو كانت حسابات هؤلاء كحساب د. ابراهيم منعم منصور، لكنا في غنى عن الصراع الضروس الماثل الآن بين المركز والهامش، واظن الرقم الصعب محمد احمد المحجوب ادرك خطاؤه بدراسة الهندسة وصححه بدراسة القانون. وحتى من ناحية التقدير الاجتماعي، ورد على لسان الراحل الطيب صالح فيما اظن، انه كان يفضل ان ينادى بالأديب على المهندس او الدبلوماسي. ومن امثلة ابناء الهامش، مهما اجتهد الأستاذ ابكر ادم اسماعيل في مجال طب الأسنان، لما استطاع من فعل شيئا مذكورا لقضية الهامش والمركز، والذي اصبح احد ابرز منظريه.
نتفق مع الدكتور ابراهيم منعم منصور بان البلاد محتاجة لدارسي العلوم الإنسانية بشدة، خاصة في ربوع الهامش، حيث الحاجة ماسة لمستنيرين لديهم التأهيل والاستعداد للتواصل المباشر والاحتكاك بالمجتمعات، بغية رفع الوعي والاستعداد للدفاع عن حقوقهم ومكتسباتهم، ذلك أن معظم دارسي العلوم التطبيقية تجدهم انطوائيون، لا يطيقون النصوص وليس لديهم صبر على الاطلاع والتعمق النظري إلا من رحم ربه.
غالباً المتفوقين في العلوم التطبيقية، إن هاجروا، سيأخذون، إنتاجهم الفكري إلى حيث ذهبوا، اما المبرزون في العلوم الإنسانية، فينطبق عليهم قول هارون الرشيد لسحابة مثقلة، امطري حيث شئت، فإن خراجك لي، وهم كذلك، أينما اثمرت عقولهم المثقلة بالعلم والمعرفة، فإن خراج منتوجهم الفكري، ستعود إلى مجتمعاتهم لا محالة، لأنها في الغالب، مرتبطة بها، و لا تصلح إلا لها. وخير مثال لهذا الأديب الراحل الطيب صالح، وتأثير الملهم في واقع ساحة الأدب السوداني، وكذلك المنظر الفلسطيني ادوارد سعيد، والذي هاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، واصبح مرجعا فكرياً لدراسة الاستشراق على مستوى العالم العربي والشرق الأوسط. وهو من جيل الطيب صالح.
وخير مثال لمحدودية تأثير المنتوج الفكري للمبرزين في العلوم التطبيقية، المهندسة العراقية زها حديد وهي معمارية ولدت في بغداد عام 1950 وتُوفيت في ميامي عام 2016. لها شهرة واسعة في الأوساط المعمارية الغربية، وحاصلة على وسام التقدير من الملكة البريطانية، ووسام من الإمبراطوري الياباني في فنون العمارة. نفذت 950 مشروعًا هندسياً في 44 دولة وتميزت أعمالها بالخيال، نالت العديد من الجوائز الرفيعة والميداليات والألقاب الشرفية العالمية، وقد صُنفَت بأنها أقوى مُهندسة في العالم. نصيب دولة العراق من علم هذه المهندسة المعمارية البارعة، نصب تذكاري في شكل كهرمانة اصبح رمزا إعلاميا لبغداد.
لم يمضِ الوقت على ابناء الهامش السوداني، لإعادة النظر في التركيز على حل مشكلاتهم الشخصية والأسرية الضيقة، من خلال التوجه إلى الدراسات التطبيقية ذات العائد المادي المضمون والمجزي، والعدول إلى الاهتمام بالمشكلات العامة لمجتمعاتهم، من خلال التعمق في الدراسات الإنسانية الشاملة والمتوازنة، التي تتيح لهم التواصل المباشر بالناس، والتفاعل مع قضاياهم. وهذه المسألة لا ينبغي ان يكون قراراً فردياً لجيل المستقبل، بل يجب على الكيانات الاعتبارية، وضع خطط مدروسة وتوفير الدعم المعنوي والمادي، من منح دراسية وورش عمل مكثفة ومستمرة للراغبين والمبرزين في هذه المجالات، وتبني مشروعاتهم الفكرية.
"سوف تحدث تغييرات كثيرة في المستقبل ومستقبل السودان يتطلب أن يتجه الطلبة المبرِّزون الي العلوم الانسانية لا الطب"
هذه خلاصة النصيحة الغالية والخالصة من الخواجة المستر جونز للدكتور ابراهيم منعم منصور، وهى ما زالت صالحة حتى في زماننا هذا.
//ابراهيم سليمان//



ماذا ينتظر الشعب السوداني من نظام البشير؟

                         ماذا ينتظر الشعب السوداني من نظام البشير؟

 غالباً من ينتظر ويطول انتظاره يكون مغلوباً على امره، وإلا طرق ابواباً اخرى للحصول على الشيء ذاته، حتى إن كانت بمواصفات وتكلفة مختلفتين، أو عاود الكرّة لاحقاً إن كان المصدر اوحدا، لأن الإنسان خلق هلوعاً جزوعا، وعلاقة هاتين الصفتين بالذي نحن بصدده، عدم التيقن من حصيلة الانتظار بالنسبة لسلامة ذاته وإستمرار وجوده. والنظام الحالي لم يفلس من الوعود العذبة فحسب، وإنما عجز عن التحدث بثقة للحفاظ على الوضع الحالي فيما هو عليه من تردي على المجالات كافة. اللجاجة السياسية، وتضارب التصريحات والإحتيار في ايجاد كفاءات للجهاز التنفيذي، وعدم شعور القيادات بالأمان الوظيفي، ووضوح ملامح دولة الرجل الواحد، كل هذه السمات يجعل نظام البشير نظاماً لا يرجى منه، نظام يفتقد البوصلة السياسية، والمبررات الأخلاقية للاضطلاع بواجباته تجاه شعبه. فقد اضحى إنتخابات 2020 هو الحدث والبرنامج المرتجى للبشير وحزبه، والشعب السوداني وجد نفسه مكرها على الانتظار القسري لهذا الحدث، قبل ثلاث سنوات من موعده، إستمرار البشير رئيسياً ولو كره الكارهون هو التحدي لنظامه، وما بعده فليكن الطوفان.
يبدو لنا أن إنتظار الشعب السوداني لنظام البشير لما يقارب الثلاثة عقود، لتحقيق الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة، لهو أمر مخالف للطبيعة البشرية التي جُبلت على العجلة كذلك، والعَجَلَةُ في تعريفها الدقيق طلب الشيء قبل أوانه. ولكن مع التقصير ، والفساد، والإهمال من نظام البشير، اصبح طلب الحفاظ على مقومات الحياة وليست الرفاهية، حتى بعد فوات أوانه الافتراضي، امر ميؤوس منه. ونعتقد كذلك، أن الشعب السوداني مقّصر ومهمل ترك الحبل لنظام البشر على الغارب، ليدمر مكتسباته المنجزة على مرّ التاريخ على مرأى منه ومسمع، ولم يحّرك ساكنا يضع حدا لهذا العبث، مكتفياً بالمفاخرة بثورتي اكتوبر وابريل.
ليس من المعقول أن ينتظر المحترف السياسي الصدف، بل عليه أن يكون صانعاً للأحداث، وإن فقد السياسي المبادرة، عليه أن يبحث عن فرص في مجالات اخرى، بيد أن الحالة التي وصلت إليها الأوضاع في البلاد، لا تحتمل انتظار مبادرة من كيان سياسي، ففي الحالات المشابهة على مر التاريخ، لحق الساسة بالشارع السياسي، لأن الأمر اصبح مهدد جدي لسلامة الذات البشرية، والتصرف الطبيعي في مثل هذه الظروف، التلقائية الفطرية.
في يوليو عام 1789 عندما زاد عدد الحشود امام سجن الباستيل بباريس، وانتظروا حتى نفد صبرهم، اقتحموا اسوار القلعة رمز السطلة الملكية، والذي لم يكن بداخله سوى بضع سجناء، فكانت الشرارة الاولى للثورة الفرنسية، وهو اهم حدث سياسي في العصر الحديث، نجم عن الوضع السياسي المحتقن، والتردي الإقتصادي الذي كان يواجهه الملك لويس السادس عشر بسبب الحروب والنظام الضريبي غير العادل. وسبب الاحتشاد الجماهيري امام سجن الباستيل، المطالبة بإطلاق سراح جنود شرفاء رفضوا إطلاق النار على السكان.
من اين سيحصل النظام على العملات الصعبة لتأمين الوقود والدقيق؟ هل سيكفي ريالات الجنود المرتزقة الذين يقتلون ابناء اليمن لتأمين مبلغ الأربعة ملايين دولار التكلفة اليومية لقتل زملائهم ابناء الشعب السوداني في الهامش؟ وهل سيكفي إيرادات الذهب لتغطية نفقات البعثات الدبلوماسية؟ وهل يكمن الرهان على الهبات والصدقات لتأمين رغيف الخبز، في ظل الفشل الحتمي للموسم الزراعي على إمتداد ربوع البلاد؟ الإجابة الشاملة لكل هذه التساؤلات "لا" كبيرة. إذن هل ينتظر الشعب السوداني المولد من النظام؟ او أن ينزل عليهم الله مائدة من السماء؟ ام انهم يهابون وجه النظام الدموي، وهان عليهم المذلة والخنوع من المواجهة؟
ليس من شك أن الشعب السودان ما عاد ينتظر خيراً من نظام البشير، والعكس من ذلك  يتوقع منه مزيداً من المآسي والشرور، ومع ذلك لم يحّرك ساكناً، لكننا نشك في أنه مكره على هذه الاستكانة، وهذا ما يثير استغرابنا ويبعث حيرتنا. القيادي بالحزب الشيوعي م. صديق يوسف ذكر في حواره مؤخراً مع صحيفة اليوم التالي، أن مواجهة المقاومة من قبل السلطات الأمنية أكبر من طاقة الجماهير عند خروجهم، وأن الصد من قبل النظام متزايد أكثر من اللازم، هذا التصريح يعتبر محاولة تبريرية غير موفقة لفشل المعارضة في تحريك الشارع، رغم أن م. صديق استدرك مؤكدا استمرارية المقاومة. 
بنهاية هذا الشهر سيعرف الشعب السوداني مصير مشاريع الذرة بالقضارف، ليصاب بهلع الجوع المبكر، حينها، بينما ينام الرجال أمام محطات الوقود، ستنام النساء امام الأفران، فهل يتوقع أن يكرر التاريخ المسيرة النسوية لقصر فرساي؟ تلك المسيرة التي تعتبر تاريخياً إشارة مهمة في تاريخ الثورة الفرنسية، وحسب العديد من المراقبين كان أثرها كبيرا على قدم المساواة مع حدث اقتحام سجن الباستيل، وباتت ملهمة لحركات التحرير العالمية والمجتمع المدني، ورمزا لقوة الحركات الشعبية، وأحد رموز النضال النسوي في العصر الحديث، وقدرة المرأة على التأثير والتغيير في مصير المجتمعات. ومما جاء في خطب تلك الثائرات: "عندما يكون الأمن العام في خطر لا بد للشعب أن يستولي على السلطة من أيدي أولئك الفاسدون، ضعوا الملكة وأخي زوجها في السجن .. اقبضوا على الوزراء ومساعديهم وكبلوهم بالحديد .. تأكدوا من وجود رئيس البلدية البائس والقادة التابعين له، لا تدعوا الجنرال يبتعد عن نواظركم واقبضوا على مساعديه .. لا حق لوريث العرش في الغداء طالما أنكم لا تجدون الخبز .. نظموا صفوفكم المسلحة .. هيا إلى الجمعية الوطنية لنطالب معا وجميعاً بالطعام··· طالبوهم أن يكون لفقراء الأمة مستقبل آمن من خلال تضامنها .. إنكم إن رفضتم الالتحاق بالتشكيلات المسلحة فليس أمامكم إلا الانضمام إلي الأوغاد الذين يريدون إجباركم على شروطهم في ظل الجوع، اقتسموا فيما بينكم ذهبهم وممتلكاتهم· هيا احملوا رؤوس الوزراء وتابعيهم التافهين .. هيا إنه الوقت المناسب"
كان الجوع واليأس والمعاناة الدافع الأساسي للمسيرة النسوية في يوم مشهود من أكتوبر 1789 ولكن ما برح البحث عن الرغيف أن تطور إلى أهداف أكثر طموحا بكثير. وقد فتح قصر بلدية باريس مستودعاته الوفيرة لوجبة عامة، التي استفاد منها مثيروا الشغب. ولكن رائدات الثورة النسائية في المسيرة ظلوا غير راضين، حيث رفضوا مجرد وجبة، وتحولت المطالب إلى التأكيد على الأمن الغذائي على أن يكون الرغيف متوفرا وبأسعار مناسبة لقدراتهم الشرائية. وكانت شبه المجاعة سبب الهلع الحقيقي للطبقات العريضة من الشعب.
الشعب السوداني يدرك جيداً أن نظام البشير عاجز تماماً عن إيجاد حلول للمعضلة الإقتصادية، وغير راغب في إيقاف الحرب، ويتحاشى مواجهة الفساد الذي قضى على الأخضر واليابس فماذا ينتظر منه؟ أول تصريح لوزير النفط والغاز الجديد م. ازهري عبد القادر لخص خططته لحل أزمة الوقود الماثلة في جذب الاستثمارات وتضافر الجهود، أي على المواطن، انتظار المستثمر الأجنبي، يدرس الفرص الإستثمارية في بلادنا، وفحص القوانين التشريعات الخاصة به، واقتناعه بها، وإيداع عملاته الصعبة في بنوك النظام، ومن ثم قد تختفي الصفوف امام محطات الوقود. هذه حقيقة ما ينتظره الشعب السوداني.  
انتظار الفرج من هكذا نظام، وتفادي أو تأجيل مواجهته الحتمية، يعني الانتحار بعينه، وهذا التصرف من الشعب، كمن يرى الخطر يداهمه ويصاب (بأبو مي) يتسمر في مكانه مشلول الحركة فاقد الإرادة.
ويبدو لنا أن الشعب السوداني مصِّر على انتظار "المولد" من نظام البشير، متغافلاً عن حقيقة عدم وجود حُمُّص في جعبته من الأصل، مستسلماً لصوت الحصى التي تحركها السلطات على القدور الفارغة إلى أن يدخل الجميع في سبات سرمدي لا حراك بعدها، ليوفر النظام بهذا الخداع، الطعام الدسم للقطط السمان.
//ابراهيم سليمان//



الاثنين، ربيع الآخر ١٤، ١٤٣٩

مسلسل حوش النورــ رؤيا نقدية

مسلسل حوش النورــ رؤيا نقدية

اخيراً، انتبهت السلطات الظلامية لخطورة العمل الدرامي في توصيل المضامين السياسية للجماهير، وفطنت مؤخراً إلى فاعلية العروض السينمائية كأداة مؤثرة في منازلة خصومها السياسيين. في مسلسل حوش النور الذي عرض عام 2015 عبر قناة ام درمان التلفزيونية، عمدت السلطات الإنقاذية إلى سياسة "من دقنه وافتل له"، فقد سخّر جهاز المغتربين الأموال المتحصلة من هذه الشريحة قسراً، للنيل منهم بقساوة من خلال هذا المسلسل، فلو لا ضمان المنتج الممثل جمال عبد الرحمن الرعاية الكريمة والمسبقة من الجهاز لهذا العمل، والتسهيلات اللوجستية المقدمة من قبل سفارات النظام في عدة دول وعدد من الدوائر الأمنية الحكومية، لا نظنه باستطاعته تحمل التكاليف الباهظة لإنتاج هذا العمل الفني الأضخم في تاريخ السينما السودانية، وقد اشترك في تمثيل الأدوار كبار نجوم الفن في الوقت الراهن، بالإضافة إلى شباب واعد من الجنسين، وقد بذل الجميع اقصى ما لديهم من قدرات فنيّة ومواهب لأداء الأدوار المرسومة لهم، غض النظر عن مغالطات محتوى العقدة الدرامية، التي صوّرت المغترب "المبحبح" والمهاجر المعارض، كرأس رمح في تجارة وترويج وتعاطي المخدرات، بالإضافة إلى تسببهم في النزاعات والتفكيك الأسرى، حتى "الحييشان" الراسخة والراكزة كحوش النور، ولا نستبعد اعتذار بعض كبار النجوم عن الاشتراك في هذا العمل لتجنّيه الواضح على شريحه مقدرة من خيرة ابناء البلد، كانوا وما زالوا جِمال الشيل لمئات الآلاف من الأسر الكريمة على امتداد الحقب والأزمنة، فالمخرج الشاب ابوبكر الشيخ، لم يرصد حسنة واحدة لمغترب او مهاجر، تجاه بلدهم، فقد ركّز عدساته على سلبياتهم تجاه بلدهم وعائلاتهم فقط.
اعترف أننا لا نستطع تجاهل أي عمل درامي سوداني مهما كان محتواه او مستواه، فقد شاهدت هذا العمل الضخم مرتين، محاولاً الوقوف على الإضافات الفنية، من خلال تفكيك بعض ما استوقفنا من مشاهد ورسائل مزجاة تصريحاً او تلميحاً عبر حلقات المسلسل التي بلغت الثلاثين.
كلمة الحوش استخدمت في السينما المصرية والخليجية كذلك، رغم خصوصيتها في السودان، ولمّا اضيفت لها النور، اصبحت اوضح دلالة ورمزية، ورغم كينونة هذا الحوش في منطقة جبل اولياء المعتّق بقباب الصالحين ونيران الخلاوي، فإن نورانية هذا الحوش كانت تنبثق من قدح الكرم والضيافة التي لا يغلق الباب دونه، والمفتوح دوماً لقضاء حوائج الناس من صلحٍ ونصحٍ وإيواء، إلا أن ضياء هذا الحوش قد خفت بموت صاحبه حاج النور، رغم ظهور النور الحفيد لملأ الفراغ.
قوام هذا الحوش ابنان وبنتان، الإبن الأكبر سالم (موسى الأمير) المغترب البرجوازي متورط بشكل أو بآخر في تمويل متعاطي المخدرات من خلال أمواله السائبة لدى صهره هاشم (عوض شكسبير)، والإبن الآخر صلاح (محمد المجتبى) المهاجر المغاضب فقد توَّرط هو الآخر في فترة ما في الترويج للمخدرات، أما زوج الإبنة الصغرى شادية (زينب محمد عبد الله) وهو الضابط خالد (الدكتور طارق على) فهو المسئول على مكافحة المخدرات، والإبنة الكبرى النعمة (منى الصادق) فجعت في رحيل والدها، ولهذا السبب وسبب تفرق اخويها ايدي سبأ في ديار الغربة، وانتقال شقيقتها وصحبتها شادية إلى بيت الزوجية، فقد عانت الوحدة، ولاك الناس في عرضها، كما ارتفعت الأصوات في حوش النور بسبب انانية وفشل الإبن صلاح في مهجره، واثارته قضية ميراث املاك المرحوم حاج النور، لذا ما يمكننا قوله، ان حوش النور لم يعد يشع نورا بعد رحيله بسبب انعكاسات الهجرة والإغتراب.
بكل اسف الشعار الغنائي عبارة عن وعظ ومواويل الشاعر خالد شقّوري نعتقد أن المغترب والمهاجر في غنى عنه، من شاكلة (اوعى يوم شيطان يغشك .. تنسى اخلاقك في يوم) واللحن تراجيدي، المؤثرات الصوتية في غالبيتها جنائزية، باستثناء تلك المصاحبة لمشاهد كسلا وجبل التاكا وتوتيل، فهي انغام ربّابة آسرة، ولا يمكن للمشاهد تجاهلها ونعتقد أن المخرج وفّق في هذا الاختيار.
المعالجات
من منطلق قول ابو العتاهية: الشباب والفراغ والجَدَة X مفسدة للمرء أيٌ مفسدة، يعرض المسلسل عدة معالجات لمشكلة إنتشار المخدرات وسط الشباب، في مجملها، توفير الأنشطة الترفيهية والثقافية والرياضية للشباب وطلاب الجامعات، فقد شاهدنا المنافسات الرياضية بين الكليات، وكذلك الرحِل الخاصة، وأركان النقاش، وحفلات عقد الجلاد. ومن ناحية اخرى وجه حسن سنما رسالة قوية للسطات في رده على شُفّع الجبل الذين سألوه: متى تعمل لينا سنما؟ قائلاً: لمّا يكون في سنما!، ولا نظن أن مثل هذه الرسالة تفوت على المشاهد الحصيف.
وبما أن تعاطي المخدرات، حسب مجريات المسلسل، وفي الواقع كذلك هو سلوك ذكوري بإمتياز، فإن دخول طلاب الجامعات في علاقات عاطفية، من وجهة نظر المخرج، يعتبر افضل من الإنزواء والعُزلة المجيدة المُفضية إلى إدمان المخدرات، كما في حالة طالب الشهادة العربية بكري صاحب النور، وهذه احدى الرسائل المبطنة التي اراد المخرج توصليها إلى المشاهد على استحياء، فعندما يهرب النور من احباطات صاحبه بكري، يبحث عن زميلته وفاء.
بعض شخصيات ونجوم المسلسل
·       سالم النور (موسى الأمير) اكد للمشاهد مرة اخرى انه فنان كبير يجيد الأدوار المركبة، فقد شاهدناه كهمباتي حاذق يتقن ركوب الهجين في مسلسل دكين، وفي هذا المسلسل اجاد دور الأفندي الأنيق، لكن المخرج اظهره كمغترب غير مبالٍ بشئون عائلته الكبيرة إلا كرد فعل، أذ أن قرار تخضير أرض والدهم، جاء من اخته النعمة، ثم تلقّفه عادل وحيران المسيد ليأتي دوره مكملا، والأخيب من ذلك، بينما يعبث صهره هاشم بأمواله في تعاطي وترويج المخدرات، نجد حيران المسيد يزرعون ارض والده بمجهود شبيه بالسخرة، ونجد شقيقة صلاح من ضيق ذات اليد، يضطر إلى مناكفة شقيقاته في ميراث والدهم. رفض والد سهام للمساعدات المالية التي ترسلها له، يصوّر مال زوجها المغترب كأموال مشبوهة وغير نظيفة.
·       صلاح (محمد المجتبى موسى) يرى الدنيا إما ابيض او اسود، فمثلا صاحبه وصهره الضابط خالد، وإن كان مع النظام، فالمجهود الذي يبذله في مكافحة المخدرات، ينبغي أن يكون محل إشادة وتقدير.
·       النعمة (منى الصادق) لقد ابدعت وادهشت الجميع في اداء دور الاخت الجدعة والعمة الحنونة، وهي الشخصية المحورية في حوش النور فقد التزمت بالتوشح بثوب الحداد منذ أن رحل والدها حاج النور في الحلقة الأولى، إلى زواج شقيقها صلاح في نهاية المسلسل، ونعتقد أن سبب مبالغتها في هذا الحزن، فشلها في تدارك قطار الزواج بسبب تنافس درويشين ومتشرد عليها واستسلامها لقرار والدها الرافض لحسن سنما. بلا شك فإن الإلتزام  بزي اوحد وجنائزي طيلة حلقات المسلسل لهو امر مرهق لنجمة شابة، ورغم ذلك ظلت النعمة متألقة.
·       إهتمام عادل بشئون عائلة حاج النور، لا يبدو موقف اصيل لتداخله مع رغبته المتجددة في زواج من النعمة، وهنا ايضا يطرح تساؤل في دور حيران المسيد الغير بعيد عن البطالة وقابلية الإستغلال.
·       هاشم (عوض شكسبير) قدّم افضل ما لديه بعد فيلم (حبة حمراء) ونعتقد انه وجد مساحة امام عدسات الكاميرات اكثر من غيره من نجوم هذا المسلسل، وغالباً ما يزيد حواراته مع شلته الفاسدة في تصاعد العقدة الدرامية. ثبّت قيمة نبيلة بأن جعل من ابن اخته خط أحمر في  وجه متعاطي ومروجي المخدرات. وعندما قالت له اخته سهام: (عايزاك تجي البيت نظيف وصاحي وبراك بدون اصحابك) في اشارة ضمنية إلى أن حوش النور ليس مكانٌ للقذارة والوساخة والسلوك المنحرف.
·       الضابط خالد (د. طارق على) يلاحظ احتفاظه باسم خالد في اكثر من عمل سينمائي. ذهابه اعزلا وبدون حماية لمقابلة ابو الليل، ليضع نفسه تحت رحمته، واسفل فوهة بندقيته، هذا السلوك ينطوي على شخصنة لمهامه الرسمي، وكان من الممكن أن يُقتل بدم بارد نتيجة لمكر ودهاء زعيم عصابة التهريب، وهذا السلوك فيه تهور ويفتقر للاحترافية.
·       صديق (الرشيد احمد عيسى) صوّره المخرج كمغترب اهبل، ينكسر لأية نازلة، يبكي امام زوجته، ولا يستطيع رفع رأسه امام الناس لأية مشكلة تواجه، طيّب حد السذاجة، تورّط في ضمانة بنكية لشخص لمجرد انه سوداني، كلفته وظيفته، وكاد أن يدخل السجن بسببها، وطفق يبكي كالطفل، كأنه لا يدري أن السجن دخله الأنبياء، كما ان إصرار المخرج على عدم إماطة اللثام عن والد صاحبة أبنته نهلة (وسام صلاح) هذا الإصرار يجعلنا نعتقد أن المدعو الجنرال ما هو إلا زعيم اصابة المخدرات في الخرطوم، مما يدل على ان صديق غافل ولا يدري عن المخاطر المحدقة بابنته. الشيء الإيجابي في صديق التزامه بمبدأ عدم الكذب على ابنته مطلقا.
·       زوجات المغتربين، يصورهن المخرج كارهات للبلد، يصفنه بأقزع الأوصاف، متعاليات ومتعجرفات، مبتليات بالشوفينية، وإن كنا لا نرى في هذا الأمر مبالغة.
·       أبناء المغتربين: كل من شاهد المسلسل وضع يده على قلبه وتمنى ألاّ يصاب النور ونهلة وسهى بمكروه، فقد جسدوا البراءة والنقاء، وكانا على حافة مخاطر الانحراف والاستغلال، اظهرهم المخرج كأبناء اصلاء محبين للبلد وعاشقين لمورثاته، ونعتقد أن النور (منهل جمال عبدالرحمن) ونهلة (وسام صلاح) قد حجزا مقعديهما في الصفوف الأمامية في مستقبل الدراما السودانية، وكذلك مرافئ ابنة الصول ادريس التي ابدعت في التعبير عن مشاعرها وكافة مواقفها من خلال الـ body language
·       اتفاق منسوبو المعارضة على أن بلدهم ليس لديه مشكلة من اسرائيل، لا ندرى اهو إتهام ام إقرار؟
·       عدم تقبل اهالي الجبل للأيدي العاملة من خارج نطاق المنطقة، وعدم الوثوق بهم في الأعمال الزراعية وتخضير الأرض، هذا الموقف يعتبر رسالة سالبة لا تتسق مع سماحة الصوفية وأدبيات التصوف.
·       تسليط الضوء على مدخل السفارة الإسرائيلية في باريس، ورصد تردد اقطاب المعارضة عليه، وقول زعيم تجارة المخدرات (شالوم) كآخر كلمة ينطقها قبل مغادرة شقته، وتسليط الضوء علي يافطة مصرف إسلامي، نعتقد أنه تسيس مفضوح لعدسة فنية.
·       ملتقى حسن سنما ومأمون عند (العريجاء) شجرة الحراز المتكئة على الشاطئ، في إشارة إلى حال البلد المائل.
·       حصر متعاطي المخدرات في بكري طالب الشهادة العربية فقط، وقول زعيم عصابة التهريب: (بيجونا وحدين من برا عجيبين) مع بداية فتح الجامعات، ينطوي على تجريم وتنجي نوعي على أبناء المغتربين.
·       من وجهة نظرنا، تفاصيل التعقيدات الأسرية للصول إدريس، غير متسقة مع مجريات الأحداث، وذات منحى طويل للإشارة إلى التعقيدات العشائرية في الشرق، لأنها لا تضيف شيئا للعقدة الدرامية، رغم الحوارات المقتضبة باللهجة الأدروبية الشيّقة.
·       مكتب مكافحة المخدرات بالخرطوم متواضع وهادئ من حيث الكادر البشري والبنى التحية الضرورية للتصدي لهذه الظاهرة المتفاقمة، مما يدل على عدم المبالاة.
·       يلاحظ المشاهد مركزية التصوف وبخاصة شعائر المولد النبوي الشريف في حياة الناس في الجبل والشرق والمهاجر كذلك، لدى عامة الناس ومهربي المخدرات والبشر على حدٍ سواء. تقول شادية زوجة الضابط خالد متحسرة على تأخر إنجابها: (لو كان عندي جنا، كل مولد يكبر سنة). وهنالك المقارنة بين حلاوة المولد وتفضيلها على كافة انواع الشكلاتات، والمفاضلة بين دفئ النوبة وصوت التار، وحيوية الحراك الشعبي أيام الختمة والزفة مقارنة بإزدحام مولات دبي ..ألخ
·       بالإضافة إلى الحبكة "الجيّدة" فنيّاً، احتوى المسلسل على قدر لا بأس به من الآكشن، وجودة تصوير المشاهد وحيويّتها في فضاءات مفتوحة، وحوارات تصاعدية جادة، الأمر الذي جعلت اركان التشويق مكتملة وعالية، مما يجعلنا نجزم أن نجاح ومقبولية الدراما والسينما السودانية يتوقف على إبتعاده عن سديم حياة المدن إلى حيوية الريف والهوامش.
·       النهاية سعيدة، لكنها تقليدية وغير واقعية، فجميع المجرمين اما تم تصفيتهم او إيداعهم السجن، وتم لم شمل عائلة حاج النور بعودة صلاح وزواجه على الطريقة التقليدية، وعودة صديق كذلك من الغربة، لكن المخرج لم يوضح لنا كيف سيعيش صلاح؟ هل حصل على وظيفة محترمة حسب مؤهلاته تؤمن له الحد الأدنى من متطلبات الحياة، أم انه سيحمل "الطُوريّة" بدلاً عن شقيقته النعمة؟ لأن مبررات الهجرة ودوافع الاغتراب ما زالت كما هي.
من خلال تمحيص هذا العمل "الفني" الكبير، والذي شارك فيه حوالي مائة ممثل وممثلة، رسّخت قناعتنا أن الكتّاب الدراميين والممثلين السودانيين، متى ما وجدوا التمويل الكافِ والبيئة الفنية الحاضنة، تجدهم على قدر التحدي للمنافسة إبداعياً على المستويين الإقليمي والدولي، رغم اشتراك السيناريست المصري سامر عفيفي وهو كاتب مغمور ومتواضع، في كتابة سيناريو المسلسل والذي نراه غير مبرر أي اشتراك عفيفي.
//ابراهيم سليمان//


تاج السر .. امير الرهان الرابح

تاج السر .. امير الرهان الرابح

ebraheemsu@gmail.com
بصراحة، كنت وما زلت متابع الروائي أمير تاج السر بشغف من خلال مقالاته الراتبة بصحيفة القدس العربي، والتي تعاد نشرها بموقع الراكوبة الأشهر، واتحسّر لضعف مقروئية مقالاته النوعية، وعدم تفاعل القراء معها، وعندما قررت قراءة رواياته، بدأت من الآخر، وقرأت روايته (منتجع الساحرات)، لم يخّيب ظني، فقد شدّني اتساع آفاق خياله، وسلاسة اسلوبه وتميز مدخل وحبكة الرواية، ولاحظت ازدياد خفقات قلبي، وتصاعد سريان الدم في عروقي، ووجدت نفسي منذ البداية منحازاً إلى جانب اللص التائب والمخضرم عبد القيوم دليل جمعه، في مهمته النبيلة وهي حماية اللاجئة الساحرة ابابا، إلا أنني شعرت أن احداث الرواية لم تكتمل، والمشهد بالنسبة لي كمن هوى ذهنياً للسقوط من قمة (درامية) حادة، وتبخّر في الفضاء، قبل أن يصل إلى السهل (الدرامي) ويتدحرج ببدء، ليستقر في واد.
يبدو لي أن هذه الرواية مزدحمة بالشخوص، ومكّثفة دراميا إلى درجة الغليان، الأمر الذي ادى إلي انفجارها المفاجئ، ومضغوط زمنياً بشدة، فمنذ نزول الساحرة ابابا من البص في منتجع الساحرات (موقف البصات)، إلى حين مقتلها الغامض، على يد مواطنها هانوم عرجا نائب عبد الباسط شجر (زوجها القسري)، وحتى خروج عبد القويم من السجن ثم انتحاره، كل هذه المدة لم تتجاوز التسعة اشهر في احسن الفروض. هذا التسرع لم اتوقعه من الكاتب الكبير امير تاج السر، والذي ما انفكّ يتحدّث بكثافة عن اعجابه الملتاع وتأثره المباشر بالروائي الكولمبي غابرييل غارسيا ماركيز، وهو صاحب نفس روائي طويل، اذ نجد ان اشهر روايتيه (الحب في زمن الكوليرا) و(مائة عام من العزلة)، جاءت الأولي في 445 صحفة والثانية في 500 صحفة في ذات حجمي روايتي امير تاج السر (في منتجع الساحرات) 175 صفحة و(صائد اليرقات) 148 صحفة.
ولفك لغز هذا التسرع، عثرت على تصريحٍ له لموقع (الناشر) بالمختص بشأن الرواة حيث قال: "وحين أنتهي من المراجعة، أرسل النص إلى الناشر حتى لا أعدل فيه مرة أخرى". فبينما نجد غابرييل ماركيز في روايته (الحب في زمن الكوليرا) يروي أحداث قصة حب رجل وامرأة منذ المراهقة، وحتى ما بعد بلوغهما السبعين، نجد انحصار احداث منتجع الساحرات لتاج السر بين موقف البصات السفرية وحي المرابيع والصهاريج وسجن الاحتياط. ولا سبيل للمقارنة لولا تأكيده المستمر علي تأثره بغابرييل ماركنيز، والأديب علاء الأسواني كتب روايته (عمارة يعقوبيان) التي ادخلته التاريخ خلال أكثر من عامين من العمل المضنى والمتصل، لتتوالى طبعات هذه الراوية، وتصبح الرواية الأعلى مبيعاً في العالم العربي لمدة خمس سنوات ممتالية، ولم تتراجع إلى المركز الثاني إلا لتترك المركز الأولي لروايته التالية لها (شيكاغو). والأسواني هذا، لم يعرض عملٌ على ناشرٍ قبل عرضه على الكبار. والقاص والروائي اللبناني الياس خوري في روايته باب الشمس (527 صحفة) من القطع المتوسط، عالج مأساة اللاجئ الفلسطيني تحت المطر وبين الموت ووسط الوحل، ولم يجهل الإبعاد الإنسانية والمأساوية والفلسفية لهذه المحنة التي ترجمتها دموع المآقي ودماء الشهداء.
كل هذه الأمثلة والشواهد تدل على امير تاج السر قد ابتسر قضية اللجوء في روايته الشّيقة (منتجع الساحرات)، وتسرع في نشرها، ولا تزال جذوة الحبكة متقدة. وتهمة التسّرع هذه وجهها له بعض النقّاد فور اطلاعهم على روايته (طقس) المنشورة عام 2015م، ونعتقد أن امير تاج السر كاتب يجيد فمن الاستماع إلى النقد الموضوعي، فقد بدأ شاعرا مجودا، غنّى له المطربين في الغرب والشرق السوداني، وعندما تحّول من الشعر العامي إلى الفصحى، لاحظه ناقد مصري، أن شعره اقرب للأسلوب القصصي، ومنذئذ لم يكتب بيت شعرٍ واحدٍ، وتحول إلى الكتابة القصصية، ليصنع مجده الروائي علي مهل، فقد اضاف للمكتبة العربية ثلاث وعشرون مطبوعة، منها ست عشرة رواية، لذا نتوقع منه روايات طويلة النفس على طريقة الكبار.
هذا عن (منتجع الساحرات)، ولكن عندما بدأت قراءة روايته الفريدة (صائد اليرقات)، صدقوني، وجدت نفسي عدة مرات، ادخل في نوبة ضحك، إلى حد التشّنج، هذه الحالة لم يحدث معي منذ امد بعيد، عندما كنت مولعا بمتابعة الدراما السودانية الجادة.. وخلال قراءتي لهذه الرواية، كلما وجدت تعبير فني مبدع، او مشهد درامي جيد السبك، قلت بصوت جهير (ابو الدو) وهي عبارة كنا نطلقها في صبانا، عندما نحصل على الدهشة والأعجاب من شيء ما .. أغلقت الرواية في منتصفها وشرعت فوراً في كتابة هذا المقال.
وبعد إكمال القراءة، تساءلت كيف ولِم لا تفوز هذه الرواية بجائرة البوكر العربية؟ وقد دخلت قائمتها الصغرى بجدارة عام 2011م، وزاد من قناعتي بجدارتها، اطلاعي عن شكوك الناقدة الفلسطينية الكبيرة منى الشرافي تيم في اهلية رواية (أنها ترمي بشرر) للكاتب السعودي عبده خال لذات الجائزة للعام السابق 2010م، حيث قالت بالحرف الواحد خلال تناولها للرواية المذكورة: "وهنا لا بد من أن يتبادر إلى ذهني كناقدة، وإلى ذهن القارئ، سؤالٌ واحد وهو: أين الإبداعُ في مثل هذه الرواية، الذي أهّلها وفتح لها الباب على مصراعيه للحصول على جائزة البوكر؟
يُهيأ لي أن رواية (صائد اليرقات) لم تفز بجائزة البوكر العربية عام 2011م لأن معايير لجنة التحكيم قائمة على ثالوث المحرّم "المتمثل في الدين، والجنس، والسياسة" حسب ما توصلت إليه الناقدة منى الشرافي.
من دون قصد وضع الأديب الراحل الطيب صالح الرواة السودانيين في مأزق، ولا شعورياً وجد هؤلاء انفسهم امام عقدة كأداء اسمها "الطيب صالح"، منهم من جاهر انه ليس سقفا لهم، وشمّر ساعد الجد لتخطيه، الكاتب الجامح امير تاج السر سلك طريقاً يبدو بعيداً عن هذه العقدة، ولم يداهمه هذا المأزق، ليست لصلة القرابة التي تجمعه بالراحل، وإنما لأنه دخل هذا الدهليز من باب الهواة، ينتج الأدب الرصين، وليس مكترثاً إلى اين سينتهي به هذا الممر، الذي الحقه بدرب الاحتراف من حيث يدري ولا يردي، واصبح رقماً صعباً ليست في الساحة الأدبية السودانية فحسب، وإنما على الساحتين العربية من المحيط إلى الخليج، وإلى حد ما في ساحة الروائية الافريقية ، يزاحم الكبار في كافة الجوائز المعتبرة.
وحسب رصدنا، فإنه لم يشارك قط في مسابقات جوائز الطيب صالح للإبداع الكتابي، والتي ينظمها سنوياً مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، قد يكون السبب تواضع قيمتها الأدبية، ونكهة الترّبح السياسي المنبعثة منها، والتي ينثرها نظام الخرطوم على طقوسها، ويبدو للمتابع ان امير تاج السر، مهموم بشيء اسمه جائزة البوكر العربية، دخلت احدى رواياته المعتبرة (صائد اليرقات) قائمتها الصغرى عام 2011م، ولا تزال روايته الأخيرة (منتجع الساحات) ضمن قوائمها الطويلة. بكل ثقة يمكننا الرهان على امير تاج السر، إن تمّهل في معالجاته الفنية، بأن يكون اول الروائيين السودانيين وصولاً إلى (ميس) اكبر جائزة عربية في الشأن الروائي، ليضع راية السودان خفّاقةً على تلها العالي، حينها، (سنقطع) تذكرة للذهاب إليه لمعانقته وتهنئته برؤوس مشرئبه.
لِم لا؟ وأمير تاج السر في الأصل اخصائي باطنية، يعالج الأبدان بمبضع الطبيب النطاسي، وفي ذات الوقت "يعلف" العقول ويعالج قضايا مجتمعه العريض سردياً، رغم انه نفى المهمة الأخيرة في تواضع جم، باعتبار ان المريض البدني ليس لديه خيار سوى الذهاب إلى الطبيب المتاح له، خلافاً للمريض النفسي الذي يمتلك خيار لمن يقرأ من الكتاب، يشاركه في سمة المزاوجة بين الطب والادب، الأديب الكبير علاء الأسواني، والذي اغناه الأدب مادياً عن مزاولة مهنة الطب وتدريسه.
ظل هذا الأمير مخلصٌ لوظيفته وهوايته كذلك، فلم ينحرف خلال مقالاته الراتبة بصحيفة القدس العربي، وكذلك خلال المقابلات الصحفية العديدة التي اجريت معه، لم ينجرف في الشأن السياسي، ظل ملتزماً ومهموماً بقضايا الأدب وشأن الأدباء بلا كلل ولا ملل، إلا انه في ذات الوقت لم ينصرف عن الهم السياسي في وطنه العربي والأفريقي المأزوم، خلال ابداعاته السرية، تجده يوجه سخرية لاذعة وتهكم حارق لأنظمة الحكم، بأسلوب سلس ومهذب.
أمير تاج السر روائي ملتزم ومسئول، يستشعر المسئولية الاجتماعية، ويراعي القيم الأخلاقية، ويمارس الرقابة الذاتية في معالجاته للنصوص الفنية، فهو الذي سبق وأن صرّح في حوار مع الصحفية الفلسطينية بديعة زيدان قائلا: "لديّ رقيب داخلي يوجهني نحو احترام أعراف المجتمع وتقاليده، وعدم التعرض للمقدس إطلاقاً، وربما لالتزامي الشخصي في كل نواحي حياتي دور كبير في ذلك.. لست ضد أن يستخدم الروائي ما يريد استخدامه، فقط أتحدث عن نفسي، وأضيف: إن اللغة المبتذلة والوصف الزائد على الحد، والإساءة للمقدسات، لا تقدم شيئاً للنصوص"
لذا نجده مثلا يحين يريد أن يصور للقارئ مشهد محاولة اغتصاب تعرضت لها شخصية عابرة في روايته الاخيرة (منتجع الساحرات)، نجده يكتفي بوصف شعرها المنكوش وملابسها الممزّقة.
ويدهشنا في ابداعه الوصفي حين يقول واصفا اللاجئة الفاتنة أبابا "عينيها العسليتين، وانفها الملوكي، ونظراتها المصنفة خطرة، ولغتها المكسرة، وعنقها التي تشتهي الزينة ان تحيطه، وخصرها المنحوت بمقاييس جودة عالية"
وحين يرصد لنا حالة الاستغراب والاهتمام التي احدثه طرح سؤال مدوي من قبل البطل عبدالله حرفش او عبدالله فرفار على الكاتب المتغطرس (أ.ت) لدى المحيطين به، جاء امير تاج السر بما لم يجئ به الأوائل طرا، حيث قال: "كان الجميع قد انشغلوا بي في تلك اللحظة، انشغلوا لدرجة أن احدهم احترقت سيجارته بين اصابعه ولم يسقطها، وفتاة اخرى ترتدي ثوبا بنفسجيا قصيرا من الكتان، انفتحت ركبتاها ولم تغلقهما". لقد اعتدنا على عبارات مثل: رأيت حاجب الدهشة ترتفع فجأة، وفغر فاه، واحدثت شهقة انثوية حادة. اما ما اروده امير تاج السر في المشهد أعلاه، لم يسبقه إليه احد من الرواة فيما نظن، ولا يمكن أن يصدر هذا إلا من خيال جامح يستحق الرهان عليه.
ومن بدائع لونية أمير تاج السر الوصفية، وهو يصّور لنا الكتب الروائية منضودة على رف مكتبة بلسان صائد اليرقات الروائية عبد الله فرفار: "اتّجهت مباشرة إلى رفّ الروايات، اخذت أتأملها كما أتأمل فتيات فاتنات يسبحن في بركة". مثل هذه التجلي الوصفي لابد أن يستوقف حتى من لديه مثال ذرة من الذائقة الجمالية، ومستعد للاحتفاء بالرصين من الكتابة الإبداعية.
وفيما يخص براعة الإيحاء عند امير تاج السر نجده يسرد على لسان الروائي (أ.ت) وهو احد شخوص روايته (صائد اليرقات) قوله عن طقوس الكتابة لديه: "وحين كتبت روايتي قبل الخيرة، (أبناء سعد المحتالين)، سرقت حافظة نقود من جيب تاجر مواشٍ في سوق (مسواك) الشعبي، وقضيت شهراً كاملاً في السجن انهيت فيه النص" هذا المقطع إيحائياً يحتمل مماثلة قول احد القادة السياسيين "ارسلته للقصر رئيسا، وذهبت للسجن حبيسا" ووجه الإيحاء هنا الدخول للسجن بالإرادة وليست بالإكراه من اجل تنفيذ مهمة محددة.
وحين يقول أن احد شخوص رواية (صائد اليرقات) كان حفاراً للقبور، تم تكريمه مؤخرا من رئيس البلاد باعتباره شخصية وطنية، وكان يرتدي زياً اخضر، مما يرتديه رجال الطرق الصوفيّة، غض النظر ان المذكور من كبار مشجعي فريق كرة قدم، حين يرصد هذه الشخصية، بلا شك ان الكاتب يوحي بشكل ذكي وموارب أن رئيس البلاد يكرم القتلة الذين يتدثرون بثياب التديّن.
وحين يريد ان ينتقد الدولة البوليسية الأنموذج في العالمين العربي والأفريقي، يجيد لنا خياله الخصب بأن بطل روايته صائد اليرقات عبد الله حرفش قد فقد ساقه اليمنى، واصيب زميله بالشلل الرعاش أثناء اداء واجبه كرجل أمن ومخابرات وطني، جراء حادث سببه ضعف التنسيق بين الأجهزة الأمنية خلال مطاردة وهمية، ليؤول مصيره إلى معاش قسري، يتبعه تجاهل واهمال من قبل الجهاز الذي ينتسب إليه، ويمعن امير تاج السر في التهكم من هؤلاء حين يروي على لسان البطل قوله كأحد منسوبي جهاز الامن قبل تقاعده القسري: "وفي احدى المرّات، وفي مباراة حامية ممتلئة بالصراخ والتشنّجات، سمعت مشجعّا مهتاجّا يصف لاعبّا أضاع هدف الفوز لفريقه، بخيانة الوطن. علق اسم اللاعب في ذهني على الفور، وانكب في احدى أوراقي المرسلة إلي إدارتي، لكنّ أحداً لم يسأله أبداً، ووبِّخت بشدّة على ذلك التقرير، وذلك أن المشّجع كان يقصد فريق (الوطن) وكان اللاعب الذي أضاع الفوز من بين صفوفه."
وفي ذات السياق، نجده بفطنته الوقّادة، يرصد لنا نكتة إيحائية متداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كانت عن امرأة عراقية غاب عنها زوجها عن المنزل يوماً كاملاً ولا تعرف عنه شيئاً، وظلت تبكي بلا توقف ظانة أنه تركها وذهب بصحبة امرأة أخرى، وقالت لها أمها: "تفاءلي خيراً يا بنّية، لعل انفجارا حدث في السوق أو مكان العمل ومات فيه". ويا للنكتة من مفارقة!
هذا الالتزام الممزوج بنزعته الإبداعية المتوهِّجة، وخياله الخصب، بالإضافة إلى امتلاكه ناصية اللغة السرية السلسة، بهذه المقومات المائزة، قطع امير تاج السر شوطاً بعيداً واحتفظ بمسافة مريحة بينه وابناء جيله من الروائيين السودانيين في طريق الترّبع على العرش الذي شغر برحيل الأديب القامة الطيب صالح طيب الله ثراه.
وتعتبر رواية (صائد اليرقات) عمل فنيّ ملهم للروائيين المبتدئين، تلفت انتباههم إلى المكامن المحتملة لاصطياد اليرقات الروائية، وفي ذات الوقت يسّلط الضوء على محنة الكتّاب وجميع المهتمين بالشأن الثفافي، في البلاد العربية والأفريقية المأزومة بحكوماتها البوليسية، وحواجزها الأمنية من الوعي المجتمعي والأفكار النيّرية.
 حبكة الرواية عبارة عن كاميرا خفية، يحملها الروائي (أ.ت) وهو اختصار لأمير تاج السر كشخصية موازية للكاتب، ليفضح محاولات عنصر الأمن والمخابرات، الخائب والفاشل (عبدالله فرفار) والذي يعتقد أن خبرته في تحرير التقارير الأمنية تؤهله ليكون روائي يشار إليه بالبنان، ليجد نفسه فريسة بدلاً من صائد يرقات روائية.
وحين ترجمت روايته (ايبولا 76) إلى اللغة الإنجليزية، والتي تدور احداثها بجمهور الكنغو بغرب افريقيا، عرّف امير تاج السر على انه روائي افريقي، وفي صائد اليرقات نجد الفضاء الروائي يحتمل ان يشمل أي بلد عربي، بتجاهله ذكر اسماء المدن وأماكن وقوع الأحداث، او بذكر اسماء اعلام غير معروفة.
وحينما يختار امير تاج السر اسم (قصر الجميز) ليشّكل جزء محوري من الحيز المكاني لأحداث روايته الفّذة (صائد اليرقات)، نجد أن رمزية هذه الشجرة يوحي الحيز الفضائي الأوسع للرواية، حيث ان شجر الجميز حسب تعريف موسوعة ويكيبيديا "فإن  موطنها الأصلي الشرق الأوسط وشرق أفريقيا وجنوب الجزيرة العربية". وهي شجرة تاريخية لها مكانة خاصة عند المصريين، وقيل موطنها الأصلي بلاد النوبة.
امير تاج السر، كاتب تربى في بيئة معطونة في القيم والأخلاق، ويمتلك ناصية التعبير السلس، وخيال جنوني لا ينضب، مخلص لمعجبيه، ومهنته الأساسية (الطب) توفر له تجارب إنسانية ثرة، يمكننا ايضا الرهان عليه لملأ الفراغ الذي خلفه اديبنا الكبير الطيب صالح برحليه المر.
//إبراهيم سليمان//