الثلاثاء، ربيع الأول 30، 1431

العدل المساواة والمؤتمر الوطن من يتزاكى على من؟

العدل المساواة والمؤتمر الوطن من يتزاكى على من؟

السياسة فن الممكن ، وتحين الفرص لتسديد الأهداف المعلنة والمستترة ، لذلك الغشامة والصرامة ليستا من صفات السياسي الناحج الذي يتمحور عمله في القراءة الصحيحة للظروف المحيطة بخصومه وتحديد التوقيت المناسب لإرباك حسابات أكبر قدر من النافسين السياسيين ، وما أهون تبرير الوسائل أن تحققت الغاية المقنعة للقطاع المعني من الجماهير.

في هذا المقال نحاول سبر أغوار الظروف المحيطة بحركة العدل والمساواة السودانية ، وحزب المؤتمر الوطني ، والتي تداخلت ظلالها في إتفاق أنجمينا الإطاري الأخير بهذه الصورة الدراماتيكية المفاجأة والتي أربكت حسابات خصوم ومنافسي الطرفان.

لقد أوضحت في مقال منشور في 16 فبراير من العام الماضي على أعقاب بدء التواصل بين الطرفان في الدوحة وتوقيع إتفاق حسن النوايا ، أن لحركة العدل والمساواة ، وضع إستثنائي ضمن ثوار دارفور الآخرين والمتمثل في رزوح أسراها الشرفاء للتعذيب المستمر ، مع عدم إستبعاد إرتكاب النظام حماقة بتنفيذ أحكام الإعدام الصادرة بحقهم جزافا ، إن أقدمت الحركة على تنفيذ عمل مماثل ، والواجب يحتم على أية جهة مسئؤلة السعي بكل ما أوتيت من قوة لفك قيود أسراها والحفاظ على أرواحهم بأي ثمن ، وها هي حركة العدل والمساواة تتحين الفرص المناسبة لتحقيق هذه الغاية .. إنطلاقا من هذه الفرضية لا أرى فرقا بين إتفاق حسن النوايا الموقع سابقا بين الطرفان ، والإتفاق الإطاري الموقع مؤخرا سوى تضخيم الضجة المصاحبة للحدث الأخير ، وليس مستبعدا أن تتزاكي حركة العدل والمساواة لضمان فك أسراها ثم الإلتفاف حول الإتفاقية ، طالما انها ثنانية وحزب المؤتمر الوطني نفسه لديه رصيد وافر من هذا المسلك ، ومن الواضح أن المؤتمر الوطني يقظا لهذه الفرضية ، بإحتفاظها بثلثي الأسرى ، رغم إلغاء رئيسها إحكام الإعدام الصادرة بحقهم تعسفا.

هنالك أيضا مستجدات في الساحة الثورية الدارفورية بالتأكيد لم تغفل عنها حركة العدل والمساواة ، ومن الجائز انها ساعدت في تلين موقفها ، والمتمثلة في دخول الزعيم الدارفور المثقف والنظيف د. التجاني سيسي الحاكم الشرعي لدارفور والذي إغتصبت نظام الإنقاذ بمعاونة بعض قادة حركة العدل المساواة سلتطه في يونيو 89 .. دخول هذا الرمز وما يتمتع به من ثقل سياسي وخبرة إدارية ومكانة دولية بالإضافة إلى سنده الشعبي ومرجعيته الإنثنية ، من الممكن أن يجعل زعيم العدل والمساواة الدكتور خليل إبراهيم يتحسس موقعة وسط الساحة الدارفورية ، ويهرول نحن الزعامة ، وبالتأكيد أن إمكانية توحيد فصائل حركة تحرير السودان تحت مظلة الدكتور سيسي الممتدة سيحجم حركة العدل والمساواة ، خاصة بعد توقف نشاطها العسكري ، مع بروز مزاعم أنها فقدت الكثير من الرجال والعتاد خلال عملية هجومها على ام درمان في العاشر من مايو 2008م وإدعاءات فصيل مناوي بتكبيدها خسائر في جبل مون ، والتقارب الشادي السوداني ، وخوفها على مصير أسراها.

إن نزل الدكتور سيسي بكامل عتاده في الساحة الثورية الدافورية ، من المؤكد سينحني له خلق كثير ، بمن فيهم الزعيم الأستاذ عبد الواحد محمد نور ، ومن المؤكد أيضا أن البعض سيصاب بالغيرة و (الطُمام) ، وينتعش أفئدة فئة مستنيرة من أبناء الإقليم.

إن إكتمل خطوات هذا التحول الهام في الساحة الثورية الدارفورية ، من الوارد ألا تتمكن حركة العدل المساواة جني ما تتوقعها من ثمار نضالها شبه المنفرد منذ توقيع أبوجا 2006م ، وهي تعتقد أن السيد منى أركو مناوي أخذ نصيب حركة التحرير ، وساهمت في تعقيد القضية بالقتال نيابة عن النظام بشكل أو بآخر ، والنصيب الأكبر مما تبقى من مناصب يفترض أن تكون من نصيب حركتهم ، لذا هي تسعي للحفاظ بالمحورية الثورية والسياسية وترفض الندية ... إختارت الدوحة كمنبر للتفاوض عبدت بذلك طريقا وعرا ، وعندما تكالبت عليها الفصائل ، تركتهم نياما في فنادق الدوحة ، ليفيقوا على إتفاقها الإطاري بأنجمينا ، تركوا أمر توحيد فصائلهم ، لمتابعة تفاصيل العمل الدكاكيني بين قائد الحركة وممثل النظام ، لذا رفض الندية والإحتفاظ بالمحورية ليس مستبعدا ان تكون ضمن حسابات الحركة.

ومن الجائز أن زعيم العدل والمساواة ، إستشعر خطورة تزيف إرادة المواطن الدارفوري خلال الإنتخابات المرتقبة مهما كانت شكلها ، بخلق مناهضين للشرعية الثورية المتوقعة ، وفكر ثم دبر إلقاء طُعم شهي للنظام ، إذا إبتلعه ، تجره الحركة إلى تأجيل الإنتخابات في عموم السودان ، أو إستثناءها على الأقل في دارفور لتشارك في هندستها حسب رؤيتها ، سيما وأن كافة الفصائل تطالب بفترة ثورية إنتقالية تأخذ فيها نفسها وتصلح أحوالها قبل خوض مخاطر الإنتخابات.

أما المؤتمر الوطني فدوافعها مكشوفة ، إبطال التهم وقرارات التوقيف الصادرة بحق رئيس النظام وإثنين من رموزها ، وإخماذ جذوة الضغط الدول بسبب الفتنية التي أشعلها في دارفور ولو مؤقتا ، إلى حين التمكن من إكمال عملية تزييف الشرعية خلال الإنتخابات القادمة ، ولعل إعتزام رئيس النظام التوقيع بنفسه على الإتفاقية حتى قبل إكتمالها ومباركتها من كافة الأطراف ، تعتبر خطوة اولى من نوعها في تاريخ توقيع الإتفاقية التي يصعب حصرها لهو دليل على قلق رئيس النظام ولهفته لتحقيق هذه الغاية ... النظام على يقين أن حركة العدل المساواة التي وصلت مقار أجهزتها الأمنية ، لا تعجز عن الوصول إلى صناديق الإقتراع في عموم الغرب السودان ، وبمثل هذه التنازلات تعتقد النظام ضمان عدم عرقلة حركة العدل والمساواة سير العملية وتعكير أجوائها في أطراف الهامش. ، إذا إستثنت دارفور من أجلها.
لكن إن ظن قادة المؤتمر الوطني أن توقيع إتفاق إطاري أو جوهري مع فصيل محوري أو حتى كافة الفصائل الدارفورية سوف تبطل قرارات محكمة الجنايات الدولية ، فإنهم بلا شك يضحكون على أنفسهم ... الشئ الوحيد المحتمل أن تخلصهم من هذا الكابوس المرعب ، تشكيل حكومية قومية وإجراء محكمة هجين في ظلها.

على المرء ألا يستبعد اي شي في هذه الحياة وخاصة في السياسية ، ولكن لا أعتقد أن حركة العدل والمساواة ، ستركن إلى إتفاق ثنائي غير مرض لقادة رفيقاتها الحركات الأخرى ، إن لم تكن حرصا منها على سواد عيونهم ، فقناعة منها بإمكانية أصغر فصيل إفساد مثل هذه الإتفاقيات ، ولا أتصور أن دكتور خليل ، يذهب للخرطوم ويتلفت إلى جيل مون ، وإستبعد أن تصدق الحركة في النوايا للنظام بتوقيع إتفاقية أبوجا ثانية تعرف مصيرها ... بإمكانها لعب بلوتيكيا من هذه الشاكلة كنوع من البراغماتية ، لكن أشك في إنها تعتد بها.

ومن زاوية اخري ، من الجائز أن المؤتمر الوطني ، دقق حساباته الإنتخابية بواقعية ، وإستنتج أن مستوى التزوير الذي خطط له ، لا ترتق ثقوب هزيمته المؤكدة على كافة المستويات ، لذلك فكر في المخارجة بتأجيل الإنتخابات ، مرة تلو الأخرى ، حتى تسأم الحركة الشعبية وتمل مناصروها الدوليين ، والسماح لها بإعلان دولتهم المستقلة من طرف واحد ، وبذلك تدعو المؤتمر الوطني إلى حكومة قومية في الشمال تضمن نفوذه فيها ، وتتمكن من خلالها حماية رئيسها وكافة المطلوبيين الدوليين ، وتستند هذه الفرضية على أن الأصوات النظيفة للمواطن الدارفوري ، لا تصب في صناديق المؤتمر الوطني ، حتى أن جلب لهم المن والسلوى ، وليست من مصلحة المؤتمر الوطني الحرص على هذه الخطوة ، اللهم إلا أن توقع مباركة د. خليل لعملية التزوير والتزييف المرتقبة.

الوضع الشائك لقادة المؤتمر الوطني لا يسمح بالمجازة بالسلطة على إنتخابات أفاق لها النائمون منذ عقديين ، وضعهم النظام في أعداد الموتى ، إما الفوز المضمون أو النسف ، وأعتقد أنهم فضلوا النسف المسبق على النسف بعد الهزيمة.

هنالك فرضيات تجعل من تنزيل الإتفاق الثنائي أرض الواقع في بعض جوانبه غير منطقية ... لا يستقيم سلام دارفور دون إرضاء قبيلتي الفور والمساليت العريقتين ... دخل السيد مني القصر بخلفية إثنية ، ورغم عدم إستمتاعة بالبقاء بداخله لمدة أربع سنوات ، وحسب التركيبة الإثنية الدارفورية المعقدة ، ليس معقولا أن يدخله غيره في وجهوده أو عدمه من نفس الإثنية ، كما ليس معقولا أن يكون من في القصر وحاكم الإقليم الموحد المرتقب من إثنية واحدة ... أي منصب أسفل الأستاذ على عثمان ، فهو مستشار ، وأي منصب أعلى منه ، مجرد التلويح به يعتبر معضله حقيقية للمؤتمر الوطني ... تجاهل الدور الليبي في أي إتفاق جدي يعتبر حماقة يدفع ثمنها أصحاب القضية الأصليين من أهل الإقليم... ليس معقولا أن تطرد تشاد المعارضة السودانية ، وتحتفظ النظام بالمعارضة التشادية في ديار البرتي المسالميين ...أحسب أن حركة العدل والمساواة المعنية برفض علي هكذا وضعية... حسب تسريبات الإطار النظري للإتفاق ، قبول حركة العدل والمساواة مبدأ قطع صلتها بحزب المؤتمر الشعبي ، يعتبر تأكيد ضمني منها لنفيها المستمر لهذه التهمة.

ظروف وملابسات الإتفاق المطبوخ ليلا في أنجمينا والمنتظر تجييره (سمنا) نهارا في الدوحة ، تحتمل أن تكون حركة العدل المساواة تتزاكي على المؤتمر الوطني ، بإستغلال ظروفه الحرجة ، وحاجته الماسة (لقشة) تتمسك بها من الغرق في الإنتخابات و المحاكم الدولية ، لتحقق أكثر من غاية أشرنا إليها ، مع الإحتفاظ بالبارود جافا في الحواكير المحررة ، ومن الجائز ان المؤتمر الوطني تتخابث على حركة العدل والمساواة ، بإستغلالها لتأمين صناديق الإنتخابات المرتقب تزويها ولجم أفواه قادتها مؤقتا أمام الميديا العالمية ، لتطلقهم عكس الهواء بعد إستنفاذ غرض الإتفاقية ، الأسابيع القليلة القادمة ، ستكشف على الحقائق ... أتمنى ألا يخيب قادة العدل والمساواة حسن ظننا بهم.
ibrahimbasham@yahoo.com
______
رابط المقال بموقع صحيفة سودانايل:

ليست هناك تعليقات: