الاثنين، مارس 01، 2021

مأزق التفاوض .. الأسباب الموضوعية وغير الموضوعية

مأزق التفاوض .. الأسباب الموضوعية وغير الموضوعية

لا تستطع "ترويكا" الحكومة الإنتقالية أن تنفي عن نفسها أنّها في مأزق عويص بشأن التفاوض لإحلال السلام الشامل والمستدام في البلاد، نستثني التنظيمات المسلّحة من هذا المأزق، ونرّكز على الإنتقالية لأنها وحاضنتها السياسية (قحت) هي المكلّفة بإنجاز هذه المهام حسبما وردت في الوثيقة الدستورية، التي بموجبها تولّت قيادة البلاد، كما أنّها تمثّل الطرف المُعطي أو الجهة المنوط بها تقديم الضمانات لإستحقاقات السلام لأصحابها الذين رفعوا السلاح في وجه الحكومات  المركزية من أجل الحصول عليها، أو أخذها عنوةً وإقتدارا. وأنّها من "يدها في البارد" والثوار وأهاليهم هم من يطؤون الجمرة المتقّدة، لذا هم الأكثر تطلعا لشروق فجر السلام.

والسلام الذي نعنيه، هو السلام الشامل، الذي يوّقع عليه عبد الواحد محمد نور وعبد العزيز الحلو بقناعات راسخة، وإرادة حرّة، ولم يستثني أحد رفع أي نوع من أنواع السلاح في وجه الحكومات المركزية، لذا نعتبر الحوار الجاري منذ أكثر من سنة في مدينة جوبا، بين الحكومة الإنتقالية والجبهة الثورية السودانية، ما هو إلاّ مرحلة أولية من مراحل إحلال السلام.

دوافع هذا المأزق التفاوضي بعضها موضوعية، أي ليس من الإنصاف أن نلوم عليه الطرف الحكومي أو التنظيمات المسلّحة. ترجع حيثيات هذا المأزق  بالأساس إلى قِصر المدة الزمنية التي حددتها الوثيقة الدستورية بالستة أشهر الأولى من عمر الحكومة الإنتقالية، يلمّح هذا السياق الزمني الضاغط إلى الحرص على تحقيق السلام كأولوية قصوى لحكومة ما بعد ثورة ديسمبر المجيدة، إلاّ أنّ هذا السياق الزمني غير موضوعي نظراً للتراكم الكثيف لبواعث حمل السلاح، وإتساع رقعة الحروب، وتعدد كيانات التنظيمات المسلّحة.

وبسبب هذا الضغط الزمني، لم ينتظر المجلس السيادي، تشكيل الحكومة الإنتقالية، وتأسيس هياكل مفوضية السلام، ومن ثم البدء الراكز في العملية التفاوضية، بل تلقّف السيادي بحسن نية ملف التفاوض، وهرول إلى جوبا على عشم أن يصطاد السلام على عجل قبل تشكيل الحكومة الإنتقالية، ومن باب هذه العجلة، تسلل الشيطان إلى قاعة المفاوضات، وإتخذه مقراً دائماً له. وسوس الوسوسة الأولى لطرفي التفاوض، أن أمنحا الجبهة الثورية الحق الحصري في حراسة إحدى بوابات قاعة التفاوض، ثم وسوس الوسوسة الثانية، أن وافِقا على فتح مسارات وهمية، لمن لم يحمل السلاح يوماً من الأيام في وجه الحكومات المركزية، بل لمن يعتبرون إمتدادات طبيعية للحاضنة المركزية على مرّ التاريخ، والمقصود هنا، مساريّ الوسط والشمال، والشيطان يعلم أن الأخيرة هذه تلقى هوى في نفس (قحت) الحاضنة السياسية للحكومة الإنتقالية. هذا التوهان التفاوضي، جعلت المفاوضات بمنبر جوبا تبدو عبثية وغير جادة، تكتنفها المجاملات والإمتيازات التفاوضية المجانية وعدة إستفهامات.

ومن الحيثيات غير الموضوعية، التي عمّقت المأزق التفاوضي، الموقف الحكومي المهادن من رموز النظام البائد، خاصة المطلوبين دولياً، لا هي أبدت مجرد الموافقة على تسليمهم للمحكمة الجنائية الدولية، ولا هي شرعت في محاكمتهم بصورة جادة بخصوص تهم الفساد والإنتهاكات الأخرى التي تجرمها قوانينهم التي صاغوها بأيدهم الآثمة، بالإضافة إلى الإستمرار في المراوغة وعدم حسم موقف الحكومة الإنتقالية من جدلية الدين والدولة، الأمر الذي شكك في حرصها على الحفاظ على وحدة البلاد، فقد إنفصل جنوبنا الحبيب بسبب الغلواء في الزج بالإسلام السياسي في إدارة شئون البلاد والعباد.

نزعة الحكومة الإنتقالية في التمسك بالطرح الإسلاموي، كان سبباً موضوعياً لمغادرة جناح عبدالعزيز الحلو لطاولة التفاوض، بعد أن جلس إليها بعشم، ليضيف المأزق "ضعثٌ على إبالة"، ولتبدو الحكومة الإنتقالية، أنها تبحث عن سلام مجاني، أو أنها مفلسة ليست لديها ما تقدمه عربوناً مستحقاً للسلام الغالي.

لنخلص إلى أن موقف عبد العزيز الحلو مبني على رؤية موضوعية من موقف غير موضوعي، بعد أن أبدى حسن النوايا، وجلس للتفاوض، بخلاف عبد الواحد نور، الرافض لمبدأ التفاوض مع حكومة غير منتخبة، وهو من وجهة نظرنا غير موضوعي، وكان الأجدر به أن يطرح شروط حركته للتفاوض، ورمي الكرة في ملعب الطرف الحكومي، رغم عدم إتخاذه خطوات جادة تشجع للتفاوض معه.

ونخشى أنّ الأستاذ عبد الواحد، قد لا يعترف بالحكومة المنتخبة، حال وصول البلاد لتلكم المرحلة، ناهيك عن إحتمال موافقته على الجلوس للتفاوض معها. المأزق التفاوضي في ملف عبد الواحد، يبدو موضوعي وغير موضوعي، فالحكومة لم تتجمل، وعبد الواحد لم يجاملها بعشم الجلوس معها، ولم يجامل الشعب السوداني بانه رجل الحرب والسلام.

غياب حكومة حمدوك، وتكالب السيادي، سبب موضوعي لتعّثر المفاوضات الجارية بمدنية جوبا، سيما وأنّ قحت تبدو غير متحمّسة للسلام بسبب تضارب المصالح السياسية، والسلام الشامل، يبدو أنّ حمدوك زاهداً فيه، ولم تتعدى طموحات حكومته إنجاز المرحلة الأولي منها، والمتمثل في توقيع إتفاق مع الجبهة الثورية، لتحتفل وتنطط، وحتى هذا السقف المتواضع متعّثر، رغم الوعود المتكررة، والمصفوفات المتحّركة، والزيارات المكوكية، والاستجداءات المخجلة من كبار مفاوضي الجبهة الثورية. فقد بشّر الوفد المفاوض مراراً بدنو أجل التوقيع، مهونة من عمق أغوار مستنقع الترتيبات الأمنية، الذي قصم ظهر ملف المنطقتين، ومزّق إتفاق نيفاشا فيما يخصهما، وأخطر ما في هذا المستنقع الجهنمي، سهولة الإتفاق حوله على الورق، أي الترتيبات الأمنية، وصعوبة تنفيذ ما يتفق عليه على الأرض، أي المأزق بين التنظير التفاوضي والواقعية التنفيذية، والأمر الثاني يتمثل في جنوح النخب العسكرية المركزية إلى محاولة الضغط على حملة السلاح على مرّ التاريخ، الأمر الذي أدى إلى فشل كافة الترتيبات الأمنية، وجنرالات الجيش المركزي، هم أصحاب مصلحة في إستمرار الحرب، ولا خلاف حول ذلك.

ما هو غير موضوعي في ملف الترتيبات الأمنية، محاولة الإستغلال الحكومي للرغبة الملّحة للجبهة الثورية في الوصول إلى إتفاق سلام، وإسترجاع حالة اللاحرب قبيل إندلاع ثورة ديسمبر، لتبدو القوات المسلّحة السودانية أنّها منتصرة ميدانياً، وأنّ لها اليد العليا في ملف الترتيبات الأمنية.

ومن الأسباب الموضوعية لمأزق مفاوضات السلام الجارية بمدنية جوبا، هو تأخير وتعثر تشكيل الجهاز التشريعي، وإكمال هياكل مفوضية السلام، وضعف شخصية وصلاحيات رئيس المفوضية، هذا السبب في حد ذاته موضوعي، إلاّ أنّ تأخير هذه الخطوات غير موضوعي.

وعليه حتى إن تم التوقيع خلال الأيام القادمة على إتفاق سلام، سيظل معلقاً إلى حين تشكيل الجهاز التشريعي للمصادقة عليه، حسب نصوص الوثيقة الدستورية، ولا أحد يعلم مقدار المدة الزمنية التي سيستغرقها المداولات؟ وهل يتم المصادقة عليه، أم سيعاد الإتفاف إن كان نيئا لنار التفاوض. هذا الأمر يتوقف على تركيبة المجلس التشريعي المرتقب، ومزاج نوابه، والسياق الزمني الذي يتحكم في دفة الوضع السياسي المتحرك.

أخيراً، يعتبر غياب الضامنين الدوليين والإقليميين، عن مفاوضات جوبا، أحد مسببات المأزق التفاوضي، يضع إستفهامات حول مقدرة الحكومة الإنتقالية، في الإيفاء بالإستحقاقات المالية الضرورية لإحلال السلام، وهي بلا شك مبالغ جادة ومهولة، عدم توفرها، سيترك أي إتفاق حبر على ورق، بالإضافة إلى ركون الأطراف الموقعة على إلتزامها الذاتي ببنودها، دون مرجعية تتعدى دولة جنوب السودان الشقيقة.

نأمل ألاّ تقود هذه الأسباب الموضوعية وغير الموضوعية للمأزق التفاوضي، إلى توقيع إتفاق "دفن الليل أبو كراعاً برا" مع الجبهة الثورية كمرحلة أولية من السلام الشامل.

//إبرهيم سليمان//

أقلام متّحدة

15 أغسطس 2020م


 


رئيس الوزراء أرضى القوى السياسية .. فهل يرضي الشارع الثوري؟

رئيس الوزراء أرضى القوى السياسية .. فهل يرضي الشارع الثوري؟

مما يثير الشفقة، أنّ دولة رئيس الوزراء د. عبد الله حمدوك، يكافح بكل ما أوتى من حيّل سياسية للتوفيق بين مطلوبات إنتقالية شبه متقاطعة، على الأقل على مستوى ترتيب أولويات تنفيذها، فالمعلوم بالضرورة أنّ ثورة 19 ديسمبر إرتكزت بصورة أساسية على أعمدة ثلاثة، حرية، سلام وعدالة، إلاّ أننا نلحظ في الوقت الراهن، أنّ تأمين معاش الناس قد قفز إلى الركيزة الأولى، يليها مرتكز العدالة، المتشابك مع السلام. ولأسباب منهجية تتعلق بكيفية الوصول إلى إتفاق سلام جزئي في جوبا العام الماضي، إرتاب الشارع الثوري من مخرجات هذا السلام المنقوص، وتراجع إهتمامه به كأولوية، لذا يبدوا للمراقب، أن السيد حمدوك بتشكيل حكومته الثانية، قد حظى بتوافق المكونات السياسية، على حد تصريحه، إلاّ أنه قد أثار وجوم الشارع الثوري، الذي فقد نفسه في ألوان التشكيلة التي ولدت من رحم إتفاق جوبا للسلام، سيما وأنّ سمة المحاصصات قد غلّبت الكوادر السياسية على الرموز الثورية.

معاش الناس قبل الحريات

تمحور الإهتمام الثوري في الراهن السياسي، حول معاش الناس المتردي، والذي ظن كثيرون أنّ الوعود الحكومية غير الواقعية خلال ما يقارب العامين من تكليف د. حمدوك لتولي الوزارة، لهي كافية لإيجاد حلول مرضية لإحتواء ناريّ الندرة والغلاء، هذا الإخفاق المحزن على وشك أن يحيل مآل ثورة ديسمبر المجيدة إلى ثورة جياع، إندلعت براكينها في معظم أقاليم البلاد، متزامنة مع ميلاد حكومة الشركاء، التي طال مخاضها، لدرجة أزهد الشارع الثوري في جنينها، وهذا مؤشر سلبي على إحتمال نيل هذه الحكومة رضى الثوار، أصحاب الرصّة والمنصة في مآل البلاد ووجهته المستقبلية.

هل ينام شباب الثورة على خشخشة الدولارات الموعودة؟

إستمرار التوجهات الحكومية إلى القروض بالشروط الدولية المذِّلة، كمنهج أوحد للمعالجات الإقتصادية، لم تقّربها إلى رضى الشارع الثوري زلفا، وبات معلوماً من التجارب العالمية، أنّ البنك وصندوق النقد الدوليين لا خير فيهما، وأبلغ دليل على عدم خيرتهما، فقد أوهما للحكومة السابقة، أنّ لا سبيل لتحقيق الوفرة بالنسبة لسلعتيّ الوقود والدقيق أو القمح، إلاّ برفع الدعم الحكومي عنهما، وتحرير سعريهما، إلاّ أنّ الواقع قد كذب هذه الوصفة. وعليه، لم يسلم واقع معاش الناس من إستمرار التردي، الذي أخرج غالبية الشعب عن دائرة المقدرة الشرائية، وأوصل التضخم إلى أرقام خرافية، دون مبالاة من قبل دهاقنة الحلول الدولية، وربائب المؤسستين.

إلى متى تنتظر حكومة الشركاء الدولارات الدولية؟

وما يزيد الوضع ضغث على إبالة، أنّ السيد رئيس الوزراء يسترق السمع لخشخشة الدولارات الدولية على علات تبعاتها، بسقوفات مفتوحة، دون أن يكون لديه بدائل أخرى، وهو دون غيره يعلم علم اليقين، أنّ المؤسسات الدولية، وحتى الدول العظمي الغنية، لن تقرضه سنتاً واحدا، أو تستثمر دولار أخضرا في البلاد، ما لم يرفع سيادته هيمنة القوات المسلحة والأجهزة الأمنية يديها عما يتقارب ال 80% من إقتصاديات البلاد، وهي معفية من الضرائب ومستثناه من الجمارك، ولا تعرف الشفافية المالية، الأمر الذي لا يدع مجالاً للتنافس التجاري الضروري للمستثمر الأجنبي.

هل ينخس حمدوك عش الدبابير "الإقتصادي"؟

وبكل أسف السيد رئيس الوزراء، يعرف نفسه أنه أضعف من أن يمس هذه الشركات المحمية من المكون العسكري بالمجلس السيادي، سيما وأنّ وزير ماليته في التشكيلة الجديدة، هو الآخر عسكري المزاج، إسلاموي الهوى،  وعودة الوزيرة المكلفة سابقا هبة، المتملقة والمتسترة للمكون العسكري، لذا لا يتوقع الشارع الثوري، حدوث تغير جوهري في هذا الواقع المعيب إقتصادياً وثورياً، والذي يمثل أم المعضلات في واقع البلاد المأزوم، والمحدد الأكبر لمصير الفترة الإنتقالية برمته.

إقالة النائب العام .. بيد حمدوك لا بيد الثوار

أما عن ملف العدالة، كأولوية ثورية بعد معاش الناس، فإن تجرّأ السيد رئيس الوزراء، من إقالة النائب العام الكارثي من تلقاء مسئوليته فبها، وإلاّ فإنّ مليونية ثورية واحدة لهي كافية لوضع حدٍ لإستهتار مولانا تاج السر الحبر بميزان العدالة، وحينها قد لا يتنبأ السيد حمدوك بسقوفات مطالب مثل هذه المليونيات الغاضبة. باتت قناعة راسخة للشارع الثوري، أنّ في ظل ولاية النائب العام تاج السر، ستضيع أرواح شهداء الثورة، وشهداء الإبادة الجماعية هدرا.

لا سلام بلا كاودا، ولا أمان بلا جبل مرّة

ما لم يسحب السيد رئيس الحكومة بساط السلام، من تحت أقدام المجلس السيادي، فلن يستطع الجلوس على بساط أحمدي مع الحلو وعبد الواحد في كاودا وجبل مرّة، ومن غير هذا لا نظن أنّه سينال رضى الشارع الثوري، ولن يلتفت أصحاب الجلد الرأس على منجزاته المنقوصة في هذا الشأن.

خلاصة القول، فرص حكومة الشركاء في نيل إعجاب الشعب، والفوز برضى الشارع الثوري، شبه معدومة، ما تأتي بما لم يأتي به الأوائل.

//إبراهيم سليمان//

أقلام متحدة

15 فبراير 2021م



قوات الكفاح المسلح .. المطلوبات التأهيلية

 قوات الكفاح المسلح .. المطلوبات التأهيلية

مع الفوارق الأخلاقية، مثلما تقّبل المواطن قوات الدعم السريع، ما من شك أنه سيتقبل قوات حركات الكفاح المسلح، بعد توقيع إتفاق سلام جوبا، والبدء في تنفيذ بنودها الأمنية،  سيما في معاقل حواضنها الإجتماعية، والتي لا تزال أوضاعها الأمنية مضطربة، وقلقة بسبب خروج قوات اليوناميد، وبعيداً عن إجراءات الترتيبات الأمنية المنصوص عليها في إتفاق جوبا للسلام، بالضرورة هنالك خطوات مهنية ونفسية لا مناص من إتخاذها لضمان إضطلاع هذه القوات بدور فعال وإيجابي في تحقيق الأمن في ربوع البلاد بصفة عامة ومناطق النزاع المسلح خاصة.

دفن المرارات الثورية

طيلة سنوات الكفاح السلح، تراكمت مرارات، وتكدست رواسب نفسية، نتيجة تقاطعات ثورية، ومشاحنات ميدانية، بين مكونات هذه القوات، وما أدّل على هذه الرواسب، أكثر من وتائر التشظي التي نتجت عنها فصائل تصعب حصرها، ونعتقد أنّ التسامح سيكون أسهل بين مكونات قوات الكفاح المسلح التي ستشارك ضمن قوات حفظ الأمن في إقليم دارفور على وجه التحديد، ستكون فيما بينها، بيد أنّ هواجسها النفسية، وتوجساتها تجاه القوات النظامية وشبه النظامية الأخرى، والتي ستشاركها ذات المهام تحت قيادة موحدة، نعتقد إنّ هذه الهواجس، ستصعّب مهامها، ما لم تخضع كافة مكونات قوات حفظ الأمن في دارفور إلى دورات تأهيلية مكثفة، وتستوعب مضامين ورش عملياتية ميدانية مرّكزة على التسامح والتعايش السلمي، وكيفية تجاوز المرارات الثورية، والتجاوزات الأخلاقية من قبل كافة الأطراف في حق بعضها البعض، وفي حق حواضنها الإجتماعية.

كيف يتحول الثائر إلى رجل بوليس محترف؟

بكل تأكيد أن قوات الكفاح المسلح، وكذلك قوات الدعم السريع، تحتاج إلى ورش تؤهلها للإلمام بأسس المهام الشرطية الروتينية، وأساسيات الحقوق المدنية وأبجديات القانون الجنائي، ناهيك عن بديهيات ضبط النفس، والقدرة على رباطة الجأش، والصمود أمام محاولات الإستفزاز المدني، قادر على المشاركة الفاعلة في بناء السلام، والحفاظ على مكتسباته،  وهي سمات تميز رجل البوليس المحترف عن سواه من القوات النظامية،

المزيد من الإنضباط

بلا شك أنّ طبيعة العمل الثوري الميداني، تترك مساحات واسعة من حيز التصرف للثائر المسلح، وبما أنّ ذاك العهد قد ولى دستورياً بالتوقيع على إتفاق جوبا للسلام، وإنتهى عملياً بإنضمام ثائر الكفاح المسلح إلى القوة المنوط بها حفظ أمن العباد والبلاد، تحت قيادة نظامية، هذا التحول يتطلب بالضرورة إن يتحلى الثائر المسلح، بالمزيد من الإنضباط، والإنصياع للتعليمات حرفياً، وأن يتقّمص شخصية رجل الدولة، المحايد والمنضبط، والحريص على إتباع القانون، وأن يستبسل في سبيل تنفيذه دون تجاوزات أو محاباة، وبعيداً عن إستغلاله، أو الركون إلى التشفي الشخصي، أو الإنتصار للحواضن الإجتماعية، وممارسة التكتم، وصون أسرار الأسر، ومراعاة خصوصية المتهمين ..إلخ.

لا بد من معايير إستثنائية للإختيار

بديهياً أن يتم إنتقاء عناصر قوات الكفاح المسلح وفق معايير لتشكيل قوة حفظ الأمن في دارفور، والبالغ عددهم 6,000  عنصر حسب بروتكول الترتيبات الأمنية، أي نصف عدد القوة، هذه المعاير يجب أن تكون استثنائية لمهام استثنائي، بحيث يتجاوز التنوع، ليشمل السمات الشخصية من زكاء إجتماعي،  ورزانة وحس أمني، وسرعة البديهة، والتنّزه عن العصبية الإثنية، بالإضافة إلى مهارات الإقناع، وملكة الإستماع، والفراسة الأمنية والفضول الإيجابي.

يقننا، أنّ قوات الكفاح المسلح، إذا أُحسن إختيارها، وأُحسن تدريبها وتأهليها، سيضلعون بالمهام الأمني التي توكل إليهم على أكمل وأفضل وجه، وأن تحول طاقاتها الثورية، إلى طاقة إيجابية مثمرة، ترضي أنفسهم الطوّاقة للسلام، وترضي مجتمعاتها والمتعّطشة للإستقرار، والمتطلعة للتعايش السلمي، وستكون هذه العناصر خير معينة على القضاء على التفلتات الأمنية، ووضع حدٍ للتجاوزات العشائرية المتكررة.

//إبراهيم سليمان//

أقلام متحدة

 

 

دماء غرب دارفور .. فشل الحلول الأمنية وحدها

 دماء غرب دارفور .. فشل الحلول الأمنية وحدها

من ذات المنطقة، في بداية التسعينات من القرن الماضي، اندلعت مواجهات اثنية من اجل السيطرة على الأرض البكر، ارض الخير والطيبة. تلك المواجهات المبكرة أحدثت جرحاً غائراً في جسد البلاد، ظل مفتوحاً بأحقاد القادة، يجدد النزف بوتيرة ثابتة إلى يومينا هذا، جاءت يوناميد وغادرت، وقبلها غادر رموز نظام الانقاذ المشهد لكن ظلت أرواحهم الشرشرة تحوم حول المشهد، تتعهد الجرح بالإنكاء.

خلال شهري ديسمبر ويناير  الماضين، اندلعت مواجهات قبلية في مدينة الجنينة، بسبب شجار شب في معسكر كرينديق، أزهقت أنفس عزيزة، وسالت دماء ذكية بين أهالي المنطقة، على اثر هذه المواجهات خف وفد رفيع المستوى ضم نائب رئيس المجلس السيادي الفريق أول حميّدتي، والسيد رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، وزير العدل د. نصرالدين عبد الباري، والنائب العام مولانا الحبر نور الدائم، وقد تعهد السيد وزير العدل وكذلك النائب العام باجراء تحقيق عاجل لمعرفة سبب المواجهات وتقديم الجناة للعدالة،  وإلى يوم الناس هذا لم يسمع أحد عن نتائج تلك التحقيقات لتنضم إلى قائمة الوعود الكذوبة، والتي ظننا أنها قد ولّت مع العهد البائد، ولكن يبدو أنّ المسؤول الدستوري الصدوق لم يولد بعد، يعود النائب العام مرة أخرى إلى ذات المشهد ويكرر ذات الوعود دون أن ترجف له رمش.

علي اثر الموجهات الأخيرة صرّح والي الجنينة بان لهجة المهاجمين لمنزله ليست سودانية، في إشارة ضمنية منه إلى شبه تدخل خارجي في الهجوم على حاضرة الولاية، ثم بعد أيام يدلي بتأكده من ضلوع المؤتمر الوطني في اتون أحداث العنف الترويع الأخير، وبلا شك أنّ كلا من الادعائيين ممكن لكنهما معا، مربك للمتابع، وتثير الشكوك، سيما وأنّ ضلوع الفلول أصبحت شماعةواطيةلكل مسئول تنفيذي فاشل، والحقيقة أن هنالك من يتحرك في المنطقة، ضمن حساباتهم الخاصة وأجندتهم العشائرية المعروفة، وفى تقديرنا من البداية ما كان للوالي الحالي، أن ينافح لتولى مقاليد هذه الولاية، لولا شهوة السلطة بعد طول حرمان لأنه يعرف نفسه لا يمكن أن يكون محايدا مهما إجتهد، لذا فقد فشل في هذا الاختبار من أول محاولة.

فلتعلم السلطات الإنتقالية، من الآن أنّ المواجهات غرب دارفور ستتكرر على ذات النسق، مرات ومرات، آجلا أم عاجلا، ومن واجبها الأخلاقي، الإستعداد الفوري بكافة الوسائل الممكنة لمنع المزيد من إراقة الدماء المجانية بين الأهالي، وليس مقبولاً البتّة أن تكتفي السلطات الأمنية برفع التقارير وتكريس الجهود لحماية المنشآت الحكومية، عليها أن تحمي معسكرات النازحين كما حمت منزل والي الولاية مؤخراً، كما عليها أن تبحث بصورة جادة عن رؤوس وقيادات المكونات العشائرية التي تتقاتل، للتفاهم معها، في ذات الوقت التي تكون فيها مستعدة لقطع يد من يحاول العبث بأرواح ودماء الأهالي.

طالما السلطات الإقليمية والولائية، لا حول لها ولا قوة، إلاّ بالإمدادات المركزية، لتدارك الطوارئ الأمنية والعدلية والمالية، فلن ينصح الحال المائل في الهامش العريض أبداً، في مثل هذه الولايات الملتهبة، ومناطق الجراحات المفتوحة، الضرورة تقتضي منح السلطات المحلية صلاحيات تشريعية واسعة، وميزانيات مفتوحة، تمكنها من تعزيز الوحدات الأمنية بالعدة والعتاد، تغنيها من قبضة المركز، الذي يمثل رجل المطافئ المتثاقل، هذه الصلاحيات والإمكانيات ضرورية لوقف أية جهة تحاول عبثاً فرض  إرادته على الآخرين بالقوة، وتنفيذ ما يتم الإتفاق عليها بين مكونات المنطقة حرفياً، ودون تسويف أو محاولة إلتفاف.

رغم أهمية هيبة الدولة، لردع الذين يروعون الآمنين، ورغم ضرورة تحقيق العدالة الناجزة لإنصاف ضحايا الإعتداءات المتكررة والمتراكمة على المدنيين العزّل، إلاّ أنّ الأيام قد أثبتت إستحالة إستتباب منطقة غرب دارفور خاصة، وإقليم دارفور بأسره، دون مراجعة علاقة الإنسان بالأرض، وهو أس المشكلة، أي على شركاء الفترة الإنتقالية، الشروع الفوري في تنفيذ مقررات بروتكول الحواكير الواردة في إتفاق سلام جوبا

//إبراهيم سليمان//

ebraheemsu@gmail.com