الاثنين، جمادى الأولى 13، 1437

مكبث ... القاتل يُقتل ولو بعد حين


مكبث ... القاتل يُقتل ولو بعد حين 


في نظر النقاد، أن مسرحية مكبث، في سيكولوجيتها، أعمق مآسي شكسبير، ورغم تراجيديتها تعتبر اعظم اعماله، لأنها الأكثر ارتباطاً بالإنسان والأصدق دلالة على نوازعه، وهي اول عمل درامي يتخذ الشرّ موضوعاً لمشاهده، الشرّ كتصرف بشري محض. وما يحرك مكبث، ليست  طموحاته او نزاعاته الداخلية فحسب، وإنما هي نزعة الشر التي إذ تدفع الإنسان الى القتل والتعطش الى دماء بني جنسه، تقتله في الوقت نفسه، وما يمكن مشاهدته في المسرحية، هو سقوط مكبث نحو الجريمة وفي مستنقعها.
ملخص المســـرحية:
خلال حكم الملك دنكان، ملك اسكتلندا، كان يعيش لورد اسمه مكبث، وكان من رجال الملك المقربين، لما يتمتع به من شرف وشجاعة في القتال، وبينما كان القائد مكبث وزميله القائد بانكو، عائدين منتصرين من موقعة كبيرة، يستوقفهما ثلاث ساحرات، يتنبأن له بأنه سيكون ملكا، وأن سلالة زميله سيكونون ملوكا، ثم يختفين.
يندهش مكبث من هذه النبوءة لعلمه أنه طالما أن أبناء الملك أحياء، فلا يستطيع أن يأمل في الوصول الى العرش، وبينما هما واقفين يفكران في هذه الأمور الغريبة، يصل رسول خاص من قبل الملك، ليخلع على مكبث لقب واسم دوقية كاودو(منصب رفيع). كان لهذا الحدث الغريب أثره على نفس مكبث، لأنه يطابق مع ما قالته الساحرات، الأمر الذى يملأه بالحيرة، يقف مذهولا، غير قادر حتى على الرد على الرسول. ومنذ تلك اللحظة، تبدأ الآمال الضخمة تداعب خياله، في امكانية تحقيق النبوءة الثالثة، وبالتالي فقد يصبح ذات يوم ملكا لاسكتلندا .
يلتفت الى صديقه بانكو، ويقول له: ألا تتمنى أن يكون أولادك ملوكا؟ خاصة وأن أول ما وعدتني به الساحرات قد تحقق" يجيبه صديقه: "ان هذا الأمل قد يدفعك للتطلع الى العرش، لكن رُسل الظلام قد يصدقون معنا في أشياء صغيرة ، حتى تقودنا الى ارتكاب أفعال شريرة ".
لكن كلمات الساحرات، كانت قد استقرت في أعماق تفكير مكبث، ولم يأبه لتحذيرات صديقه بانكو الطيب. ومنذ ذلك الوقت يوجه كل تفكيره في كيفية الفوز بعرش اسكتلندا ..
الخـــــط الدرامــــى
يقص مكبث لزوجته تلك النبوءة الغريبة للساحرات، وهي سيدة شريرة تطمح في مكانة عالية لنفسها ولزوجها، وتستمر في مناقشة مكبث في ذلك الأمر، ولم تتورع في أن تقول له ان قتل الملك أمر ضروري جدا لتحقيق النبوءة.
لاحقا يقوم الملك دانكن بزيارة مكبث في قلعته، لتهنأته بانتصاره  في الحرب، وفى منتصف الليل تظل الليدى مكبث مستيقظة تخطط لقتله، وهى لم تكن تفعل ذلك خروجا عن المألوف بطبيعة كونها امرأة، لكنها كانت متخوفة من طبيعة زوجها، من أن تكون مشبعة بلين العاطفة الانسانية، للقيام بعملية القتل، ورغم أنها كانت تعرف رغباته الطموحة، لكنه كان يخشى ارتكاب الأخطاء الفاحشة، ذلك لأنه لم يعتاد لارتكاب مثل هذا الجرم العظيم.
 تنجح الليدي مكبث في اقناع زوجها بالجريمة، لكنها كانت تشك في ارادته للتنفيذ، لعدة اعتبارات تقف الآن ضد هذه الفعلة، ففي المقام الأول هو ليس شخصا عاديا، بل من المقربين الى الملك، كما أن الملك يحل في ضيافته اليوم، ومن واجب المضيف أن يمنع أية محاولة لقتل ضيفه، لا أن يحمل هو أداة الجريمة، بل في نظره أن الملك دنكان ملك رحيم، واضح في خصومته مع أعدائه، ومحب لأعوانه من النبلاء، وبالنسبة له بصفة خاصة .. ان مثل هؤلاء الملوك هم رسل العناية الالهية، وسوف يلقى كل من يؤذيهم العقاب مضاعفا من أعوانهم. هذا بالإضافة الى أن الملك كان يخصه دون الرجال جميعا لرجاحة فكره، فكيف يلوث كل هذا التكريم، بدماء جريمة بشعة كهذه؟! لكنها كانت أمرأه من ذلك النوع الذى لا يتراجع عن هدفه الشرير بسهولة .. فتبدأ تصب في أذنيه كلمات تشحن رأسه بوجهة نظرها .. وتقدم له المبرر تلو المبرر، لكى لا يتراجع عن تحقيق ما وعدته به الساحرات، وتكرر، كم سيكون التنفيذ سهلا، وكيف أن فعل مثل هذا ذات ليلة قصيرة، سيسعدهم باقي لياليهم وأيامهم القادمة، وتوصلهم الى العرش والسلطة الملكية! .وأخذت تسخر من تراجعه عن قصده ووصفته بأنه متردد وجبان وليس برجل.
تدفعه لارتكاب الجريمة، يقتل مكبث الملك دانكن وهو نائم .. وبمجرد اقترافه الجريمة، يتخيل أنه سمع صوتا يصيح: "لن يذق مكبث طعم النوم بعد الآن: لأنه قتل نائما، نائما بريئا، وهذه سنة الحياة " . ويظل الصوت يردد صيحاته في أرجاء البيت: "لن يذوق طعم النوم بعد الآن.
يهرب ابنا الملك، اللذين كانا من المفترض أن يخلفاه في الملك، يصبح العرش خاليا، ويتوج مكبث ملكا، وهكذا تتحقق نبوءة الساحرات تماما .
في اسكوتلندا، يبدأ كل ما بناه مكبث بالتصدع والسقوط، فيهجره أتباعه، وتصاب زوجته بالجنون، ولا يبقى له إلا تلك العجائز المشعوذات، تدور أحداث المسرحية، وتنقلب نعمة الملك إلى نقمة بسبب الكوابيس التي تلاحقه، وتنتحر زوجته بعد أن تصاب بالجنون، ومن ضمن الهلوسات التي تلاحقه، رؤيته شبح صديقه بانكو بعد أن يستأجر رجلين لقتله، هو وأبنه فلينس وتنجح عملية القتل، ولكن فلينس أبن بانكو يلوذ بالفرار. تنتهي القصة بمقتل مكبث على يد مكدف ابن صديقه بانكو.
مكبث (م) والبشير(ع) وبينهما فرويد
·       م ــ يعود منتصراً من معركة على المتمردين، ويدبر انقلاب على الملك
ع ــ يعود من انتصار وهمي من بلدة ميوم في الجنوب، ويدبر انقلاب على الشرعية
·       م ـــ تنبؤه ساحرات بأنه سيكون ملكا
ع ــ يقول له بلة الغائب أنه سيحكم ما بين 16  و 61 عاما، ومؤخراً يقول الدجال السياسي ممتاز، أن حزبهم يمكن أن يحكم أو سيحكم 50 عاماً، ليس هنالك فرق.
·       م ــ يغتال الملك دنكن غدراً  وهو نائم، ولم يذق طعم النوم من لحظته.
ع ـــ يغتال الديمقراطية بليل، ولم يذق نظامه طعم الاستقرار حتى اللحظة
·       م ـــ يغتال صديقه بانكو واحد ابنيه
ع ـــ لا تزال ملابسات مقتل صديقه الزبير، تكتنفها الغموض، وتزيدها غموضا، إحالة أبنه مصعب إلى المعاش في سن الشباب، (قتل معنوي) خوفاً من الثأر لدم ابيه، او تحسباً لمكر صهره نافع!
·       م ــ ينتابه الهذيان أو الوسواس القهري، حيث تبدأ أشباح من قتلهم في الترائي له وسط المآدب التي يقيمها، ويبدأ بالتكلم معها فاضحاً نفسه أمام الناس. ثم نجده يندب حظه قائلا أن كل محيطات العالم، وكافة عطور الجزيرة العربية "لن تكفِ لغسل الدم من يديّ".
ع ـــ يقول امام الملأ في بيت السيسي: "لقد سفكنا دماء اهل دارفور لأتفه الاسباب، ويؤكد أن قاتل النفس البريئة لم يدخل الجنة"، وقبله ردد ذات المعنى إثناء استشفائه بالرياض
·       م ـــ الزوجان مكبث لا ينجبان الأطفال, مكبث أبتر، والسيدة مكبث عاقر
ع ــــ لم يرزق بذرية (عقائدياً هذا الأمر رباني، فقط اقتضته المقارنة)
·       م ـــ اباد كل من رآه يقف في سبيل تحقيق ما تنبأت له بها المشعوذات، اللائي يقلن له من يقتلك لم تلده إمرءه، وحين يبرز له ابن صديقه بانكو، ويخبره انه قاتله، لأنه وُلد قيصرياً، ينهار، ليلقى مصرعه على يديه.
ع ـــ  إنساق لارتكاب سلسلة من الجرائم لا فكاك منها للحفاظ على الحكم، واصبحت القيم لديه مشوشة ومضطربة.
انشغل فرويد كثيراً بشخصية مكبث، وتمنى لو أن شكسبير اسهب في مسرحيته هذه، والقصيرة نسبياً، ليتمكن من ايجاد رابط بين النزعة الشريرة للبطل وحالة عدم الإنجاب، ومعرفة عما إذا كان مكبث والليدي مكبث يمارسان حياة زوجية طبيعية. ثم يخلص إلى أن للبطل شخصيتان في هذه المسرحية، أي أن مكبث والليدي مكبث هما وجهان لشخصية واحدة، بمعنى أن زوجته ما هي إلا نفسه الشريرة  التي بين جنيه، ويريحه هذا الاستنتاج من رهق التفكير في صلة الدموية بعدم وجود الذرية في حياة الأشرار. هذه النظرية رغم تردد فرويد في البت فيها، صدقت مع كُثر، منهم هتلر وكتشنر الذي أباد الأنصار في كرري، والنميري الذي اباهم في الجزيرة أبا، بالإضافة إلي البشير الذي اباد شعوب الهامش، من الجنينة إلي بورتسودان، ومن كادقلي إلى كجبار.
ضمن مشاهد المسرحية، تصحو الليدي مكبث ليلاً، وتتمشى وسط ردهات القصر الملكي، وهي شبه نائمة، وتباشر غسل يديدها بشكل متكرر، تزعم انهما لا تزال بهما الدماء، ولما كانت حسب فرويد، هي الوجه الآخر للبطل، يقول إن مشي النائم، ظاهرة طبيعية عند الأطفال، أما عند الكبار، فهي حالة مرضية مرتبطة بالجريمة من منظور القيم المجتمعية أو حق التقديس الألوهي. وكذلك كان تفسير فرويد لظاهرة الهذيان او الوسواس القهري، إلا أن العلم الحديث ارجأ الأخير إلى خلل دماغي فيسلوجي. اوضح تجليات هذه الظاهرة، التي بدأت تلازم رأس النظام البشير منذ فترة، حدث من قبل للحجاج بن يوسف الثقفي حيث كان يهذي في آخر أيامه: "ويلٌ للحجاج من دم سعيد ابن جبير"
فيما بعد، قال تلاميذ فرويد، أن القصاص هو خلاص للأشرار الغارقين في بحور الدماء، من شرور أنفسهم.
من حيث التسلسل الدرامي للمسرحية، نلاحظ أن مسيرة حياة مكبث والبشير، تتطابقان حذو النعل بالنعل، أي أنه اجاد دول البطولة بامتياز، هنا تكمن عظمة أعمال شكسبير الدرامية، وبخاصة مسرحية مكبث التي اثبت أنها صالحة للعرض على مسارح كافة شعوب العالم، وفي كل العصور، فقد مضى على اول عرض لها 410 سنوات.
من السهولة الاستنتاج أن مكبث كان ضحية لنبوءة المشعوذات، وكذلك طموحاته الشخصية وحسب رأينا الشخصي، إن لم يكن شكسبير يُعبر عن القناعات السائدة في المجتمع الذي كان يعيش وسطه، فإنه بهذا العمل يروج للشعوذة، وإلا لما جعل نبوءة الساحرات تتحقق مائة بالمائة، آخذين في الاعتبار أن الملك جيمس الأول، ملك إنجلترا في تلك الفترة ، وكذلك الكنيسة، قد حاربا السحرة والمشعوذين حرباً لا هوادة فيها، رغم أن نهاية المسرحية منطقية وأخلاقية ملخصها أن القاتل، يُقتل ولو بعد حين.


ليست هناك تعليقات: