الخميس، ذو الحجة 23، 1433

مريم المهدي .. تتعرض لكمين في لندن


مريم المهدي .. تتعرض لكمين في لندن

 

لو لا أنها بنت الإمام، لظننا أن منظمي الندوة أخذوها للمنصة على حين غره، ذلك ان مشاركتها لم تكن معلنة عنها في الدعوة للمناسبة، فقد تفاجأ الحضور بتواجدها، في وقت تناقلت صحف الخرطوم ان السلطات الأمنية منعتها من السفر إلى نيالا، والسيناريوهات المتوقعة لهذا التصرف من قبلها، "تحنيس" السلطات الأمنية، ومن ثَم الاستنجاد بأخويها المستشار الرئاسي والضابط الأمني، ثم التفكير في وِجهة اخري مفتوحة المنافذ، وما درى ناس لندن أن الدكتورة مريم المنصورة كما يحلو لأحبابها الأنصار مناداتها، في حال ترحال دائم، تخطت معدلات سفرها الوزيرة الأمريكية هيلاري كلنتون، فقد ذكرت انها قادمة من ندوة في ألمانيا، هذه الرحلات المكوكية المتصلة على حسابها الخاص بالطبع، وإلا لاحتاجت لطائرة خاصة حال تكليفها بمهام رسمية من الدولة. بترحالها الماراثوني يبدو أنها توجه رسالة الي د. إبراهيم الأمين مفادها أن ما تقوم بها بدفعها الذاتي، كأمينة للاتصال والعلاقات الخارجية، لا قبل لاحد سواها بها.

لا يفهم مما جاء في صدر المقال أنها لم تكن مستعدة لموضوع الندوة المنعقدة في الثالث من نوفمبر الجاري تحت عنوان "وحدة قوى المعارضة مدخلًا لإسقاط النظام"، بإبراز هاوس وسط لندن بحضور مكثف، بالعكس فقد تحدثت كعادتها بإسهاب وبدون توقف لالتقاط الأنفاس او تناول جرعة ماء، ويبدوا أنها كانت متحسسة، أنها جاءت للنزهة السياسية في المكان الخطأ والزمان الخاطئ، بالنظر إلى مواقف حزبها من جملة متغيرات في البلاد، وموقف والدها الإمام من النظام، ومشاركة أخويها عبد الرحمن وبشري في سلطة الإنقاذ الغاشمة، واعلانها عن نموذجها المفضل من انتفاضات الربيع العربي للتغيير في السودان، لذا فقد شرعت في مستهل حديثها في ترطيب الجو، وبناء ساتر استعطافي لامتصاص أي هجوم مباغت، حيث أنها أشادت بالحضور النسوي في محاولة إستقطاب جندري، ومن ثَم عرجت إلى تكسير الثلج لقوى الهامش من خلال الإشادة بحركة التحرير جناح مني آركو مناوي، مفندة كيف أن السلطات حرمتها من التحول إلى حزب سياسي وفرضت عليها الخروج من الساحة السياسية والعودة إلى الميدان، وفي ذات السياق، وبدون مناسبة أشارت إلى منعها من السفر من قبل السلطات الأمنية السودانية، دون أن توضح كيف سمحو لها بالمغادرة إلى لندن، يبدو أن ناس الأمن على علم بأن ناس لندن ليس على رؤوسهم قنابر.

فور اعلان المنصّة عن وجود الدكتور مريم وان لها كلمة، سمع الحضور أصوات تعميير المسدسات، والمصيبة أن المنصة فتحت باب المداخلات بعد كلمتها مباشرة، فقد تحدثت بعد السيدين على عسكوري ممثل الجبهة الثورية ود. الكنين ممثل الجبهة الوطنية العريضة، أي أن النقاش بدأ والدم يغلي في العروق، بسبب حديثها التبريري في مضمونه، فقد كررت مناشدتها بعدم تجريم القوى السياسية السودانية لبعضها البعض بسبب المواقف او الرؤى، ومشددة على أن الكلمة الأولى والأخيرة ينبغي ان تكون لجماهير الشعب السوداني، ورغم عدم الخلاف على هذا من حيث المبدأ، إلا أن عقل الحصيف السياسي ينصرف إلى جماهيرية حزب الأمة، والدوائر الانتخابية التي فاز بها في آخر انتخابات حره ونزيهة، ذلك أن الأوساط السياسية باتت تتحدث عن الديمقراطية التوافقية كحل مرض وآمن للمأزق الوطني إلى حين.

ولكن يبدو أن دكتورة مريم لم تتمرن على عمل الساتر بصورة احترافية خلال عملها كمجندة بجيش الأمة بأريتريا تحت قيادة أخيها الأمير والمستشار الانتقادي لاحقا، فقد خاب أملها في منسوبي حركة مني رغم إطرائها لهم والدفاع عنهم، فقد انطلقت اولى الرصاصات إليها من مداخلة الأستاذ حسين اركو مناوي، ثم توالت عليها النيران، من كافة الاتجاهات، حتى من بنات جنسها، منها بالذخيرة الحية ومنها بالطلقات المطاطية، فالسيدة سوزان كاشف ممثلة حركة قرفنا الشبابية ضربت بالإشادة النسوية من قبل الدكتورة عرض الحائط ولم ترحمها، وقد أفادتها عودتها إلى مقعدها وسط الحضور، اكثر من المصدات  الاستباقية، والشخص الوحيد الذي حاول رفع النيران عنها هو السيد شريف ياسين ممثل حزب البعث، حيث قال في مداخلته: يجب عدم التأويل على التغير المسلح لأنه قد يؤدي إلى دكتاتورية حسب رأيه، ضاربا بالثورة الإرتيرية كمثال

اختتمت الدكتورة كلمتها قائلة سوداننا ده كما قال شاعرنا الكبير محجوب شريف (بعد الدعاء له بعاجل الشفاء) وطن حداي مدادي، وطن خير ديمقراطي، وما نبنيه فرادي، وتوقفت هنا، إلا أن الحضور استمر، قائلا بصوت جماعي مسموع: "ولا بالضجة في الرادي" أي أنت يا دكتورة بنت ابيك!! ومن شابه أباه ما ظلم.

خلال كلمتها تطرقت إلى ثورات الربيع العربي، إلا انها "فطت" الثورية اليمنية، ونظن أنها قصدت الابتعاد عن هذا النموذج "النحس" لما سبب لها من صداع مزمن، أي انها تحاشت سيرة البحر.

استطاعت د. مريم تغيير مجرى النقاش مائة وثمانين درجة، فقد أشعلت جوه الذي سيطر عليه منسوبي قوى الهامش بوضوح المطالب والثقة في الطرح و الحماسة الزائدة، وأخطر ما ذكر فيها جاءت في كلمة حسين أركو مناوي حيث قال فيما مضمونه: هذه المرة حقوقنا نأخذها بأيدينا، ولا ننتظر من احد ان يمنحنا إياها، بمعني لسنا في حاجة لوصاية من جهة أو أبوة احد.

لظروف خاصة لم أتمكن من حضور ختام الندوة، وأنا خارج من القاعة وهي في اوج سخونتها، قلت لقريبة الدكتورة مريم الجالسة في الصفوف الخلفية، قلت لها: قريبتك دي ما أكلت نار! فقالت: ولكن قريبتي دي ما قوية.

حقيقة كانت الدكتور مريم محيضة الجناح، وحيدة كالسيف، وإن لم تتاح لها فرصة اخرى للدفاع عن كلمتها، ستعود للخرطوم وفي داخلها غصة مرة، واسي علي تكاليف الرحلة، وإن كانت على وفاق سياسي تام مع والدها الإمام، لأرسل معها في المرة القادمة، الفريق صديق إسماعيل لما عرف عنه من قوة عين "انقاذية"، في محاولة لإدخال ناس لندن في علبهم، بالنبش في ماضي عواجيزهم، أما الشباب من لدن شباب قوي الهامش، وحركة قرفنا وحركة التغيير، فلا قبل لهم بهم، وان أتت بامانتها العامة "الموازية" لأمانة د. إبراهيم "مكتوف الصلاحية" بكاملها.

الخلاصة: رغم أن إسقاط النظام يعتبر أولوية قصوي، لكن من خلال جو "الكمين" يتضح أن هنالك مواضيع كبيرة ومفاهيم خطيرة لا تزال محتاجة للنقاش الجاد، والتناول الصريح من قبل كافة مكونات الشعب السوداني، بروح رياضية وعقليات ناضجة، وإلا بعد الانهيار المباغت المتوقع للنظام، ستكون هنالك مواجهات مفتوحة، بالإمكان تدارك منطلقاتها الآن بالحوارات المكثفة والسمنارات البناءة، ونعتقد ان لندن رغم "كمائنها" السياسية المحكمة، مؤهلة دون غيرها للاطلاع بهذه المهمة.


ابراهيم سليمان/آفاق جديدة/ لندن

ليست هناك تعليقات: