الأربعاء، رجب 08، 1430

حكومة الإنقاذ ... تمت طبخة التعداد السكاني بالموية

حكومة الإنقاذ ... تمت طبخة التعداد السكاني بالموية
في محاولة يائسة لتبرئة ساحته من التهم البشعة المنسوبه لنظامه في شخصه ، إستشهد رئيس النظام المشير عمر البشير بمعدل النمو الذي طرأ على سكان ولاية جنوب دارفور والبالغ حوالي 90% عما كان عليه عام 1993م حسب زعم مؤسسة الرئاسة المعلن مؤخرا إستنادا على نتيجة التعداد السكاني الخامس ، رغم المبالغة الواضحة في هذه النتيجة ، يتمسك بها المشير المتهم على أنها دليل إستقرار وبرهان فرية تهمة الإبادة الجماعية لأهالي دارفور ، التي يحاول المدعي لويس اوكامبو جاهدا تقديم الأدلة الكافية لإلحاقها بقائمة التهم الموجهة لرئيس النظام.

إذا سلمنا بهذه النتيجة رغم صعوبته ، وكما إراد رئيس النظام إن يستشهد بها على براءته ، يمكن تقديمها كشهادة ضده تبين الأعداد المهولة من عرب النيجر الذين تم إستجلابهم وتوطينهم بغرض تغيير التركيبة الأثنية بالمنطقة ، وإن حققت ولاية جنوب دارفور معدل النمو الخرافي بفضل الإستقرار وتوفير مقومات الزيادة المزعومة ، فإن تراجع معدلات النمو بولايتي شمال وغرب دارفور ليس له تفسير غير أمرين إثنين ، إما نزوح بالجملة أو نقص في الأنفس بالإجمالي ، والدلائل المادية تؤكد الأمرين معا ، فحسب الإفادات الموثوقة لمفوضية الأمم المتتحدة لللاجئين ، تقدير نازحي دارفور بأكثر من ثلاث ملايين نازح ومهجر قسري ، والمقابر الجماعية لضحايا الحرب بسبب اللجؤ إلى العنف المفرط من قبل قوات النظام لا تخطؤه العين في أي منحى من أراضي الإقليم.

رئيس النظام حاول إنتقاء القرائن من وسط كومة مغالطات وغاب عن وعيه خطورة الإحتكام للأرقام ، ونسيَ أنه رجل عسكري غير ملم بقوانين النسبة والتناسب ، كمعلم الدفاع الشعبي الذي يرغم طلاب الشهادة السودانية بالتسليم على أن الزاوية القائمة 180 درجة دون جدال ، أراد أن يستخدم أحدى شفرات سلاح الإرقام دون الإكتراث بالجانب الآخر وهى تنخر في قضيته المفتوحة ، أراد أن يرتقها فزادها فتقا.

إن حققت ولاية الخرطوم نموا سكانيا بمعدل 100% لما إستغرب أحد لأن مقومات ذلك متوفرة ، إذ أن المجتمعات بهذه الولاية (الغول) تتزاوج جماعيا في أية مناسبة دينية أو سياسية ، ويتمتع مواطنوها بالحظوة ورواقة الدم والتعددية الزوجية المدعومة من الدولة ، وبين أيديهم فتوى سارية المفعول تبيح لهم زواج المسيار ، ولا حرج لدى مترفيها في نكاح المتعة ، وبها شقق مفروشة مهيأة للزيجات العرفية ، وحضانة للقطاء بالمايقوما تستقبل أبناء السفاح دون حرج ، وتستقبل هوامشها كتائب المليشيات المسلحة والمنزوعة السلاح عقب التوقيع على أية أتفاقية من الإتفاقيات التي تصعب على الحصر، كلها أمور مشجعة على النمو السكاني .

أما ولاية جنوب دافور فصحيح أن مشترك نيالا قد مُنع عن نقل (الجنقجور) إلى الأوسط و الخرطوم ، وصحيح أن التطعيم قد عم البوادي والحضر بفضل اليونسيف ، ولكن الصحيح أيضا أن لعلعة السلاح لم تنقطع طيلة الست سنوات الماضية داخل نيالا وخارج الضعين ، تتوقف في تُلس لتستأنف في عديلة ، ومن المعلوم بالضرورة أن معدل الخصوبة لكافة فصائل الثديات في علاقة عكسية مع الرعب ، كلما إرتفعت نسبة الخوف وقلت الطمئنية ، كلما زادت معدلات الإجهاض وسط الإناث وإنخفضت هرمونات البروجسترون لدى النساء ، الصحيح إن حرب الجنوب الذي كانت وقودها أبناء دارفور قد توقف منذ حوالي خمس سنوات ، والصيحيح أيضا أن عددا مماثلا من شباب دارفور قد أرغم على التضحية بأرواحهم ثمنا لرفع الظلم وفداءا لإنجاز العدالة ، إذن مقومات النمو الطبيعي للسكان بالولاية لتحقق الضعف تقريبا غير متوفرة إلا بمنطق العساكر الذي لا مراء فيه ، خاصة ومن المعلوم أن مخيم كلما لا تتبع لحكومة نظام الإنقاذ ، فهي مقاطعة تابعة للزعيم عبد الواحد نور يعسكر بها حوالي 800 ألف نازح وإذا أضفنا هذا الرقم إلى 4,6 مليون المزعومة تصبح إجمالي سكان جنوب دارفور 5,4 مليون أي بمعدل نمو أكثر من مائة في المائة حيث أن عدد سكان الولاية في تعداد عام 1993 بلغت 2,2 مليون

قبل إعلان نتيجة التعداد السكاني الخامس بفترة إتصلت على أحد المعارف مسئول بأحدى محافظات شمال دارفور ، وبحسن نية سألته عن عدد سكان المحافظة لإستشهد به في مقال عن إستحاقات أهالي المنطقة ، أبلغني عدد الأسر المسجلة بالحافظة وطلب مني ضربها في العدد 7 (متوسط أفراد الأسرة) ، أُشهد الله على صدقية هذه المعلومة ، والمحافظة المعنية تعتبر من المحافظات الآمنة والمستقرة إلى حد كبير ، أعتقد أن مفوضية الإحصاء والتعداد السكاني لو إعتمدت هذه التقنية في عموم ولايات دارفور ، ثم إضافت إليها عدد الأسرة المسجلة بمعسكرات النزوح لحصلت على نتيجة أقرب للواقع من هذه الطبخة النيئة والفضيحة المعروضة على الناس الآن.

وسط التوهان والإفلاس المنطقي غاب عن وعي رئيس النظام أن تمهم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب لا تُضحض بنتيجة تعداد سكاني متموية بالموية ، وإنما بتبرير مقبول لعناصر القصد الجنائي المتوافر بكثافة في صحيفته ، كان عليه تبرير رفضه المعلن على الهواء للأسرى والجرحى من مواطني دارفور ، كان عليه التبرؤ عن مليشياته الذين أطلقوا النار عشوائيا على المدنيين العزل بعدما سئموا إقتناص المشتبهين بالتمرد ، كان عليه كجنرال وصل رتبة مشير تبرير إمطار قواته الجوية لقرى المدنيين ليلا بوابل من الجحيم دون إخطار مسبق ، كان عليه إيراد مسوغات إستباحة مبعوثه الأمني أحمد هارون لأرواح وممتلكات أهالي الثوار وإعتبارها غنائم حرب وحوافز للجنجويد.

بكل وضوح الدلائل تشير انهم (تمو الطبخة بالموية) دون عيار ، فأصبحت طبخة نيئة وغير مبلوعة ، وقد كشف رئيس النظام دوافع هذا الترقيق ، وإتضح للجميع ان لهم مآرب شتى في الرقم المعلن عن المنطقة المعنية ، ومع إرتفاع عدد المشككين في النتيجة ، حتى من بعض أعوان النظام أمثال رجل الأنقاذ القوي بعموم دافور الأستاذ كبر ، بات واضحا إن الرقم المسلم لمؤسسة الرئاسة من قبل مفوضية الإحصاء غير الرقم المعلن ، والمعروف أن أهل الإنقاذ مخافة الله عندهم قليلة أو تكاد تكون معدومة ، والقاعدة المعروفة النيئ للنار.
ibrahimbasham@yahoo.com

ليست هناك تعليقات: