الاثنين، صفر 14، 1430

حوار عابر مع عضو هيئة الدفاع عن السودان

في نقاش عابر مع السيد محمد الأنصاري أحد مؤسسي ما يسمى الهيئة العالمية للدفاع عن السودان جمعتنا مناسبة إجتماعية وذلك قبل تكوين لجنتهم المشبوهة هذه ، ذكرت له كيف أن نظام الإنقاذ قد دمر الرأسمالية الوطنية ومهد لطغيان الرأسمالية الطفيلية فرد على الرجل أن الرأسماليين الوطنيين موجودون ولم يقبر منهم أحد ، شركات أبو العلاء موجودة ، مجموعات آل البرير موجودة وشركات الشيخ مصطفى الأمين موجودة ، قلت وأين محمد عبد الله جار النبي على سبيل المثال فإستنكر عليّ الرجل إعتبار جار النبي رأسمالي وطني بقول "كمان جار النبي عملتو رأسمالي وطني؟"

ما دفعت بهذه الخاطرة إلى واجهة ذاكرتي هو التأمل مليا في صور القصر المنيف لرجل الأعمال السوداني النفيدي ولعل هذا القصر يعتبر تجسيد صارخ للنقلة في أولويات رأس المال الوطني الذي أضطر للخروج من القطاعات الإنتاجية جراء إرتفاع معدل المجازفة بها وذلك بسبب هشاشة الإقتصاد الوطني من ناحية وضعف المنافسة وسط مؤسسات الحظوة التي تتمتع بالإمتيازات والإعفاء الضريبي من ناحية أخرى.

الرأسمال الوطني كان له القدح المعلى في رسم سمات أسلوب الإنتاج السائد في ربوع البلاد بإختباره للمشروعات التي تخلق التناغم للمجتمع ككل ، وتعتبر شركات الشيخ مصطفى الأمين طيب الله ثراه خير مثال لهذا النموذج المشرف للرأسمال الوطني ، كيف لا وذلكم الوطني الأمي الأمين قد وطن زراعة زهرة الشمس بالسودان ومن منا لم يسمع بمشروعات الشيخ مصطفى الأمين في القربين والقيقر وبوت ، مشروعات على مد البصر بالنيل الأزرق ، من منا لا يذكر معاصر زيوت ومصانع الصابون الحديثة للشيخ مصطفى الأمين الملايين من أفراد الأسرة السودانية الكريمة شاكرة لربها ممتنة لشيخيها لأن قيض الله لهم العيش الكريم والرزق الحلال على يد ذلك الشيخ الثري الحكيم الذي نزع المولى الجشع من قلبه .. أينما وجدت حبة زيتية في أرض السودان سارع الشيخ مصطفى لشرائها وإشراك حاصده في عملية عصره ولم يكفي بذلك بل يعيدها له زيتا صائغا وصابونا منظفا … هنا يجب التأمل في كيفية تدوير الرأس المال الوطني من أجل الوطن ومواطنه.

أما الرأس المال الطفيلي فإنه يتعمد تجاهل المنتج الوطني من الحبوب ويهرول لإستيراد زيوت من شركات ماليزية مملوكة لأعضاء الحزب الحاكم دفعت قيمتها من ضرائب المزارع المسكين ، الرأس المال الطفيلي الذي نبت في تربة الإنقاذ الفاسدة أجبن من الولوج في هكذا مشاريع حيث تأتي مردودها الإقتصادي مرة واحدة في السنة وهو لا يعرف غير الربح السريع لذا يتجه إلى أسواق المضاربة والعقار والقطاعات غير الإنتاجية ذات المردود السريع أو المضمون.

ولأن الناس على دين ملوكهم فليس بمستغرب أن يشيد السيد النفيدي مثل هذا القصر الإستفزازي غير آبه بمشاعر الشعب السوداني الذي يرزح غالبيته تحت خط الفقر ، يشيد مثل هذا القصر بمئات الملايين من الدولارات من حر ماله بالطبع لأن الدولة قد شيدت قصورا رئاسية وإستوردت يختا باذخا كذلك من حر مال الشعب لزوم محفل دولي زال بزوال مراسيمه ، يشيد السيد النفيدي ذالكم القصر لأن مفهوم التنمية عند السلطان التطاول في البنيان ومزاجه أن تضاهي عاصمته عواصم البترول.

وما ظهر على واجهة ذاكرتي أيضا حواراً ممتعا شاهدته للمثقف الأمدرماني الأستاذ حسين خوجلي مع الأستاذ عبد الباسط سبدرات عبد الفضائية السودانية ذكر الأستاذ حسين أن والدهم كان من مصدري الماشية وأن حالتهم كانت ميسورة مع بداية ظهور الثلاجات وإن والداهم كان يمانع من شرائها رغم الطلب المتكرر لأفراد العائلة بحجة أن الحالة ماشة على ما يرام فما لزم للثلاجة.

رد الأستاذ سبدرات قائلا : بالنسبة لنا كعائلة حالتنا كانت متواضعة حيث أن والدنا كان مزارعا فإن الثلاجة بالنسبة لنا وقتئذ ذات فائدة رغم أننا لم نمتلك قمته لأنها تحفظ لنا ما تبقى من أطعمه ليوم غدا وفي ذلك توفير وإدخار.

لا شك أن فلسفة والد أستاذ الفلسفة حسين خوجلي والمتمثلة في مراعاة مشاعر الجيران وعدم التطاول عليهم في البنيان يعتبر أدب سوداني أصيل مستمد من تعاليم الإسلام الحنيف ، ولكن من الواضح أنه إختفى مع الزمن الجميل ، وإن كان موجودا فأين السيد النفيدي وقصره من مصدر الماشية والثلاجه؟

دعنا نعود لنقطة الحوار مع عضو الهيئة العالمية للدفاع عن السودان ، صاحب المشروعات الخراسانية بجنوبنا الحبيب فقد إنقطع النقاش قبل التمكن من إطلاعه على وجهة نظري عن معايير الرأس المال الوطني والذي إبتسره في الأسر العريقة وأسماء الشركات التي كانت قائمة قبل مجئ الإنقاذ.

فأموال السيد محمد عبد الله جار النبي الذي وطن صناعة تكرير البترول في نظر عضو هيئة الدفاع ليس وطنيا إما لكونه ظهر مع مجئ الإنقاذ أو لإنتمائه الجغرافي ، فالمعروف أن الرجل قد لبى نداء أخوته في الحركة الإسلامية الذين تولوا مقود السلطة بتقديم خبراته في مجال تكرير النفط الأمر الذي يستبعد عدم ولائه للنظام ، وبمعايير المصلحة الوطنية ومدى فائدة تدوير رأس المال بالنسبة للمواطن نجد أن تكلفة تشيد مصفاة جار النبي وقتذاك أقل من تكاليف إنشاء قصر النفيدي الحالي ، مع أن المصفاة كان يعمل بها على اقل تقدير الآلاف من العمال والموظفين دعك عن إنتاجه من الوقود out put ومساهمته في فك ضائقة الوقود وقتئذ ، هذا المواطن لحسابات غير وطنية وغير أخلاقية وجد نفسه مضطرا لتهجير رأس ماله إلى دولة تشاد ، ولنتأمل حجم الضرر الذي لحق بالمواطن السوداني من هذه الهجرة. مع ذلك في حسب معايير عضو الهيئة العالمية للدفاع عن السودان وليس النظام حسبما ما يفهم من مدلول إسم الهيئة التي أسسوها ، يعتبر النفيدي مشيد القصر وطنيا أما جار النبي مشيد المصفاة غير وطني ويا له من مفارقة ، والأمثلة على التميز discrimination في مجال المال والأعمال من قبل نظام الإنقاذ يفوق الحصر في كافة مدن السودان.

لقد شاهدت بعيني رأسي خلال آخر زيارة للسودان كيف أن عدد ليس بالقليل من المصانع بمنطقة أم درمان الصناعية قد تحولت إلى مطاحن للملح وكيف تحولت محال تجارية كانت عامرة إلى آلات بدائية لتصنيع أكياس البلاستيك كنتيجة لركود سوق الخردوات بسبب الضرائب الخرافية العتاوات الاعتباطية من ناحية ، وتوقف هدير مصانع البلاستك الحديثة من ناحية اخرى.
أيام الأزمة الأمنية للسياحة في مصر منتصف تسعينيات القرن الماضي قرأت تصريح للرئيس المصري حسني مبارك مفاده إن كان هنالك شركة مصرية أو أجنبية من شأنها أن يوفق رأسين من الشباب المصري بالحلال وتفتح بيتا واحدا من واجب الدولة أن تدعمه وتوفير الحماية له بكل ما تملك ، أين حكامنا الإسلامويين من هذا الفهم؟

ليست هناك تعليقات: