الأحد، صفر 06، 1430

خواطر ذات صلة (بدقة) لندن -6-8-2008م

كانت ضمن خطة بحثي لنيل درجة البكالوريوس بداية التسعينيات مقابلة جميع رؤساء الأقسام بالإذاعة والتلفزيون بالإضافة لرئيسي التحرير بصحيفة السودان الحديث والإنقاذ الوطني ، وبطل فلم "دقة لندن" كان مديراً للبرامح بالتلفزيون القومي ، نأتي لقصته لاحقاً ضمن هذا السرد ، خلال تلك المشاوير البحثية الممتعة قابلت الأستاذ عمر الجزلي كبير المذيعين ، وذكر لي أن تلاوة القرآن التي إنتظمت بالهيئة جعل المذيع ذرب اللسان وللحقيقة لأول مرة أسمع بتلك الكلمة القوية المعني (ذرب) ، وأن إلتزام المذيع بالزي القومي أمام الكاميرا يعزز هذا التوجه ، وأوضح لي خارج السياق أنه شخصياً قد تبنى تأهيل أحد أبناء دارفور النجباء حتى أصبح مذيعاً ألمعياً يشار له بالبنان ، وهو الآن مراسل لقناة عربية بالولايات المتحدة الأمريكية ، أشار لهذه المنة وأمسك عن سبب إبعاده من الهيئة وكنت اعرفه وتعلمه مجالس المدنية ، وذكر لي الزبير عثمان أحمد مدير القسم السياسي بالإذاعة أن الحديث السياسي الشهير (أيها الشعب السوداني البطل) الذي يقدمه آنذاك الرائد يونس محمود المعروف وسط الشعب بديك الصباح مفروض عليهم وخارج تقيمهم إعلامياً.

طلبت مني أحدى الفضليات معدة ومقدمة برنامج ديني صباحي بالإذاعة لا داعي لذكر إسمها أن أملي عليها ما تيسر من الأحاديث النبوية الشريفة للإستعانة بها في برنامجها ، أوردت لها ما خطر لي من الأحاديث في تلك اللحظة وسخرت منها في داخلي وتعجبت في الأمر هل إذاعة التوجه الحضاري لا توجد بها مكتبة إسلامية أم أن الإذاعية كسولة وخاملة رغم إنتمائها لعائلة أمدرمانية عريقية عرف عنها شغفها بالعلم.

ملك المايكروفون كبير المذيعين أحمد عبدالمجيد دفع لي المعينات المادية والعينية على أن أسلمه نسخة من البحث الذي كان بعنوان (دور وسائل الإعلام في تعزيز التوجه الحضاري) تحت إشراف الدكتور عبدالرحيم نورالدين له التحية والتجلة ، طلب أستاذ أحمد نسخة من البحث بعد مناقشته وقد وأوفيت.

وكما يقول المثل الشي بالشي يذكر ، وقتذاك الأخ الشاعر التجاني حاج موسى بطل مسرحية "دقة لندن" قد تم تعينه مديراً للبرامج خلفاً للأستاذ بابكر حنين والذي تمرد باكراً على الرانكارز Rankers إلا أن المدير الجديد لم يتسلم مهامه بشكل رسمي من سلفه بعد ، كلت قدماي ولم أفلح من إيجاد فرصة للإستماع إلى الأستاذ بابكر حنين ، وفي النهاية أفصح لي محبطاً أنه لم يعد مديراً للبرامج وعليّ بالأستاذ التجاني ، ولم أجد صعوبة في تحديد موعد معه ، أتيت قبل الميعاد بساعتين لإستمتاع بالجو المكندش داخل مكتبه الوثير والتمرغ في الطراوة ، وجدته يقرض الشعر مع أحد ضيوفه لم أذكره ، فضلني بالجلوس وإستمرا في المجادعة ، وخلال قراءته سجلت ذاكرتي ورود كلمة دراويش بشكل ملفت ضمن القصيدة ، ولأن الأستاذ التجاني مرحاً ووجه يشيع بالأريحية لم أجد حاجزاً يصدني من التساؤل عما إذا كان ورود كلمة الدراويش بتلك الغزارة وفي تلك الظروف التي إستهدف فيها إعلام التوجه الحضاري الطائفية والقوى التقليدية بغرض تحليل أو تبريد المسروقات قد يثير حساسية شريحة مجتمعية عريضة ، رد علي رداً غير مقنعاً وآثرت الصمت خشية أن يُكّون مصدر معلوماتي البحثية فكرة مسبقة عني.

إستدعيت هذه الخواطر بعد قراءتي لقصة دقة لندن التي نشرها بطل المشهد بدون حرج ، وإستنتجت أن الشاعر المخملي المرهف التجاني حاج موسى والذي قطع مشاوير حياته بين منتديات العباسية وبانت وإستديوهات الإذاعة التلفزيون ، يقرض الشعر ويلحن الأغاني ربما لم تتح له الفرصة لمعرفة مكونات سايكلوجية المجتمع السوداني بقدر كافِ ، ولم يُلم بمكامن خصوصياتهم لذا تجده ينظم الشعر دون الإلتفات لمشاعرهم ويلقي الكلمة المنظومة على عواهنه دون تقدير لردة فعل سامعيه ، يخلط بين أمدرمان وبيرمنغهام كخلطه بين الصوفية والأنصار.
قوة عين أعوان النظام دفع بهم لملاحقة الضحايا بدول الشتات ، شباب بيرمنغهام وأمثالهم آثروا سلامتهم البدنية وصحتهم النفسية وإضطروا لترك الجمل بما حمل لتجار الجبهة الإسلاموية ، بعد تيقنهم أن هراء كوادر النظام ونفاق مؤيديهم تفضي إلى ضغط الدم وتصلب الشرايين وتسبب Heart attack للشرفاء ، الشاعر التجاني حاج موسى يتوشح برداء الوطنية ويتدثر بثوب أمدرمان الشفيف لإخفاء طموحاته للجلوس على كرسي شاعر البلاط ، وكما أن المعارضة غالية الثمن فإن قطار السلطة أيضاً ليس مجاني ، أسلاف الشرفاء الذين زايد عليهم التجاني حاج موسى بالوطنية هم من وضعوا اللبنة الأولي للبقعة عندما كانت أرض غفار بلقع ، ودماء أجدادهم الزكية معطونة في العباسبة والعرضة وابوكدود والهجرة وودنوباي وود درو وأم بدة ولكن قوة العين تدفع للعجائب ومع ذلك ما كان يلزم دقة لندن ، يكفي رسول الوطنية المقاطعة الجهيرة ، نقول لأستاذ تجاني كفارة وأطمئنه أنه غير مقصود ولكن حظه العاثر دفع به في المكان الخطأ والزمان الخاطئ ، ومن الواضح أن طيبته وعفويته قد إستغلها الأشرار الذين ألحوا عليه قراءة القصيدة وعيونهم زائغة وعلى الشعراء قراءة مجتمعاتهم لكي لا يستخدمهم الغاوون ، يذكر تاريخ الأدب العربي أن النابغة الظبياني أحد المحكمين في عكاظ أول من تكسب بالشعر ولولا فعلته تلك لكان له شأناً آخر في صحائف أهل القريض.

ليست هناك تعليقات: