السبت، صفر 05، 1430

ماذا يعني إستثناء دارفور من الإنتخابات؟ -24-2-2008م


لم أجد تفسيراً مقنعاً لعدم إكتراث قادة ثوار دارفور وتنظيماته المدنية بمسألة تضمين الأقليم أو إستثناء أهلها من المشاركة في العملية الإنتخابية المزعومة خلال النصف الأول من العام القادم ، هل هم ليسوا على دراية كافية بمآلاتها؟ وكيف يفسر الصمت المطبق منهم إيزاء هذا المنعطف الهام منذ تلميح مدير مفوضية التعداد السكاني إلى نية النظام تجاوز الإقليم وحتى التصريح الرسمي لقادة نظام المؤتمر الوطني مؤخرا بطرح خيارين أما تأجيل الإنتخابات أو إستثناء دارفور منها ، التأجيل قد يعني إنتصار معنوي للثوار وفي الوقت نفسه قد يقصد به النظام تعويم القضية وتجاوز إستحقاقات إهلها إلى أن تفرغ من قضاياها الشائكة مع الحركة الشعبية والمعارضة الوطنية ، فبعد التحالفات المجهولة والإنتخابات تبدء عملية تقرير المصير وقبلها حل قضية ابيي بمعني أن النظام يقفز فوق جراحات دارفور لتوفيق أوضاعه في داخل مثلث حمدي ، إلى حينذاك يستمر النزوح والتشريد والإبادة في ظل التثائب الدولي وحمى الإنتخابات الأمريكية.

لم ينبس احد من الناطقيّن بإسم الحركات الثورية ببنت شفة بخصوص هذا الموضوع بإستثناء الأستاذ / محجوب حسين فقد أعلن عن رأي حركته صراحة برفض إجراء الإنتخابات في ولايات دارفور قبل الوصول إلى حلول عادلة ومقبولة إيزاء إستحقاقات أهلها ، أما حركة العدل المساواة فهى مستمرة في التقسيم الإداري للإقليم وتعين حكام ظل للولاياتها ويناطح آليات النظام الحربية في نفس الوقت شبه منفرد دون الإكتراث إلى مخططات النظام لتعويم قضية الإقليم وطنياً ، إما البقية الباقية فهم في همودهم وثباتهم يعمهون.

ماذا يجني ثوار دارفور من مشاركة شعبيهم في العملية الإنتخابية من عدمه خلال هذه الأوضاع الكارثية لإقليمهم؟ وماذا يعني هذا الإجراء للنظام والمعارضة الوطنية؟ في ظل ظروف السحل والتشريد والنزوح والجروح النفسية الغائرة لسكان الإقليم ، زائد المصير المجهول لمستقبل إستحقاقاتهم العادلة ، العملية الإنتخابية بلا شك تعني عبث سياسي وإجراء إداري رسمي يساق الناس إلى صناديقها كالسوام ، خيرة أبنائهم مشردون بدول الشتات والإنتحازيون بالداخل يتاجرون بالذمم ويمارسون التضليل لتمثيلهم عنوة ومواقفهم معلومة ولن يتبدل أطروحاتهم بعد تجيير الشرعية حال إجراء الإنتخابات.

الإستثناء يحرم الإنتحازيّن من أبناء الإقليم من المشاركة في أجهزة الدولة المركزية وهذا الخطوة قد تضعهم في خندق موحد مع إخوتهم الثوار بمعنى أنهم يشعرون بعزلتهم داخل الكيان القومي ومتفرجون إيزاء الهم الوطني ، وقد يحسون بأن النظام تعاقبهم عن تصرفات الثوار مما يزداد حنقهم على المركز ويدفع بهم لكسر حالة السلبية القاتلة لعدد مقدر من أبناء دارفور بالمركز.

يستحيل إطلاق الحريات السياسية والتنظيمية بدارفور المشتعلة وهي قيد الإعتقال بالمركز ، كما أن مراقبة العملية الإنتخابية في أرض يمور سكانها مع كل غارة إجرامية وبداية أية توغل يعتبر امر محال ، مما يعني موافقة القوى السياسية على إجراء إنتخابات في دارفور في الظروف الحالية تعني ضمنا إعطاء الضوء الأخضر للنظام لسرقة الشرعية في وضح النهار. الحركة الشعبية مهتمة بالعملية الإنتخابية أكثر من إهتمامها بحل القضية ، فهى مستعدة لفتح ملفات نيفاشا والتنازل عن نصيبها في الثورة السلطة لأهل دارفور من أجل الوصول إلي تسوية قبل موعد الإنتخابات كما صرح بذلك مؤخرا الكماندر باقام أموم قلب الحركة النابض ، رغم التقدير لهذا الطرح إلا أنه متأخر للغاية ومن الواضح أن ظلال القضية هى التي دفعت بهذه المبادرة التي إعتبرها بعض كوادر الحركة أنها شخصية تخص القائد باقام ، الحركة منتظرة بفارغ الصبر تجاوز العملية الإنتخابية لتقرير مصيره والتخلص من تعقيدات السودان الشمالي ، تقرير المصير يعني فك الإرتباط بين قضية دارفور والمساعدات الدولية لتعمير الجنوب وهو الأهم لدى قادة الحركة بلا شك ، إستثناء أو تزوير (ما فارقه) معهم ، المهم العملية تخلص في موعدها.
الحزب الوطني المعارض والمعني بقضية دارفور هو حزب الأمه القومي على وجه الخصوص وهو آخر حيطة يتكأ عليها كافة قوى الهامش وجميع التيارات اللبرالية ، زعيم المعارضة الوطنية الإمام الصادق المهدي المكلوم برحيل رفيقة دربه السيدة الفضلى سارة الفاضل محمود ، لسان حال الإمام المهدي يقول لأية سحابة إنتخابية نزيه ونظيفة في دارفور أذهبي حيثما شئت فإن خِراجك لا محالة تأتيني ، بالفوز المباشر أو بالتحالف مع قادة حركاتها الثورية ، تمنيت أن أطلع على نعى أو مواساة من قادة ثوار دارفور وزعاماتهم التقليدية للزعيم الوطني وحزبه العريق وعائلته الكريمة في فقدهم الجلل وحزنهم الكبير فالسيدة سارة عليها شآبيب الرحمة والمغفرة ليس سودانية عادية وإخلاقنا كسودانيون يحتم علينا ذلك ولم يخسر أحد منهم شئيا بمثل هذه المبادرة ، خيارات النظام المطروحة الآن تضع حزب الأمة بين نارين ، التزوير أو التأجيل وبلا شك التأجيل أفضل له من التزوير المحتم ، تزوير إنتخابات دارفور على وجه الخصوص يعني خسارة الحزب ، والإستثناء يعني تأجيل معرفة وزن الحزب ومشاركته في المرحلة المقبلة وهو أمر غاية في الصعوبة في ظل تململ الكوادر الشابة من أولاد البحر من طول الإنتظار خارج السلطة ، هذه الخيارات والموازنات الضاغطة بلا شك تلقي بظلالها على المحادثات الماراثونية والتفاهم المتنامي بين حزب الأمة والمؤتمر الوطني للوصول إلى شئ ما لا أظنه يرضي أبناء الإقليم ، لأن يظل هذه الحيطة الوطنية السامقة خارج السلطة إلى الأبد صوناً لقيم النظافة والشفافية والتعددية أفضل وأرحم للحزب والوطن من مشاركته النظام بمبررات واهية وترك قوى الهامش ودعاة الحرية في العراء.

أبناء دارفور الشرفاء بالداخل وقادة ثورته بالخارج وكافة القوى الوطنية معنيون بتداول هذا الأمر في منتديات مفتوحة لخلق وعى كافي حول الموضوع وطرح خيارات عملية ، حيث أن عدم وضوح الرؤيا أو تضارب المواقف الثورية وترك الأمور للصدف يثيران البلبلة ويضعفان مجمل القضية.

ليست من الوجاه في شئ إجراء إنتخابات جزئية في شمال السودان من اجل تقرير مصير الجنوب المنفصل عملياً ، والمنطق يفرض إجراء إنتخابات تشريعية في الجنوب فقط لتقرير مصيره وتأجيل الإنتخابات في كافة شمال السودان إلى حين رد إستحقاقات أهل دارفور ولا يتأتى ذلك إلا عبر تشكيل حكومية قومية عاجلة ، هذا إن كان هنالك حرص على بقاء تراب دارفور ضمن خارطة السودان الشمالي فإستثناء شعب دارفور من الإنتخابات مصيرية في هذا المنعطف يعتبر بحق اول خطوة في إتجاه تقرير مصيرها.

ليست هناك تعليقات: