الخميس، ربيع الآخر 07، 1438

الجنقو في الميزان .. رؤية نقدية (2/2)

الجنقو في الميزان .. رؤية نقدية (2/2) 


في المقال السابق، حددنا منهجنا لتناول رواية الجنقو مسامير الأرض، للروائي الكبير عبد العزيز بركة ساكن، واوضحنا ان رؤيتنا انطباعي شخصي، تاركين التقييم الفني للأكاديميين، وفككنا رمزية العنوان، وتطرقنا لمأساة البطل ود امونة، وقارنا بينها ورواية الخبز الحافي للروائي المغربي محمد شكري، وتناولنا اللغة والسياق الزمني والحيز المكاني، ووقفنا عن انفصام شخصية الراوي ودلائل معاناته من "شزوفرينيا" ثم تعرّضنا للقبلية في الراوية وبيّنا انها تصور الجنقو على انهم هامشيون وليسوا مهمشون حسب افادات كبيرهم مختار على، ثم شرحنا المدلولات المحتملة لأسماء للشخوص، وفي هذا الجزء الأخير من المقال نتناول:
الطرح الاشتراكي في "الجنقو"
-       لم يقف الطرح الاشتراكي للراوي عند المطالبة بتقسم الثروة، فقد رفض صديقه دفع مقابل مادي لبائعة الهوى نظير خدماتها الجنسية، زاعماً انه ان فعل ذلك سكون داعرا، اضف إلى ذلك تفاديه دفع الأجور لزملائه العمال الذين أعانوه على حصاد محصوله، وتخصيص خمسة جوالات ذرة للمريسة عند الحصاد، وبالطبع هذا العدد من الجولات لا يخصه وحدة وإنما بدعوى أنهم شركاء العمل هم شركاء الإنتاج، كذلك يعتبر الرهن التعاوني الذي اقترحه وتقدم به للبنك للحصول على قرض اشتراكي وليس فردي صورة من صور الطرح الاشتراكي في اوضح تجلياته.
-        ".. قال لي صديقي محتجاً ، إنت دفعت قروش؟! إنت زول داعر" انتهي. رفض صديق الراوي دفع المبلغ المالي لبائعة الهوى نظير الخدمات الجنسية التي قدمتها له، فقد قالت له: " أنا عايزة حقي يا زول، دا شُغُل!! أنا ما بتنفع معاي فصاحة الشوعيين الكفار دي". انتهي.
الاشتراكية هو الوجه الاقتصادي للشيوعية أو الماركسية، وهذا الاتهام ليس جزافا، فقد اشار الراوي أنه قرأ (نقد الفكي اليومي) في إشارة إلى مرجعتيه الفكرية، وهذا الكتاب يعتبر من اهم الكتب النقدية الماركسية في الوطن العربي للمناضل  واستاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانية مهدي عامل، والذي  انتسب الى الحزب الشيوعي اللبناني عام 1960, و انتخب عضوا في اللجنة المركزية للحزب في المؤتمر الخامس عام 1987م استشهد في شارع الجزائر في بيروت, في 18 ايار 1987م واسمه الحقيقي حسن عبد الله حمدان عروف باسم مهدي عامل. والكتاب المشار إليه اُكمل وطُبع بعد اغتيال الكاتب، يقول الراوي أنه تعلم منه أن معيار العيب في علاقة المرأة بالرجل يرجع لتربيته هو.
وهنا يبدو الراوي متسقا مع بيئته الفكرية ومحاولاً الانتصار لقناعاته الذاتية
-       اشارة الراوي إلى ناظم حكمت وهو شاعر تركي وشيوعي شهير عارض النظام الإقطاعي في التركيا، وكان من المساندين لمنظومة كمال اتاتورك في بداياته، فرّ فيما بعد إلى الإتحاد السوفييتي. ومعروف أن جمال عبد الناصر أول من شرع في محاربة النظام الإقطاعي اقليميا، وهو بالطبع رائد الاشتراكية في العالم العربي.
-       اشار الراوي إلى قصيدة (المومس العمياء) وهي إحدى أطول قصائد الشاعر العراقي (الحداثي الكبير)  بدر شاكر السياب تصور مشاهد من التعاسة البشرية والسفور الأخلاقي للمجتمع الحديث والظلم في تقاسم الثروات وفضح البناء الاجتماعي غير المنصف، لاسيما في توزيع الثروة والسلطة، وهنا يكشف الراوي نزعته الثورية ويكشف عن مشربه الفكري ايضا.
الرمزية في "الجنقو":
-        رائحة الصمغ: "وهنا تكمن عظمة هذا الرجل النظيف النحيف الذكي الذي تفوح منه دائماً رائحة الصمغ العربي" انتهى. يتحدث الراوي هنا عن الفكي علي ود الزغراد أو الزغرات كما وردت في الرواية. وحسب معرفتنا ان الصمغ لا رائحة له، ومن المرجح أن يكون المقصود أن الرجل مدعي نسب (عروبة زائفة)، سيما وانه ذكر أن جد الفكي على جاء من دار قِمر بأقصى غرب السودان.
-       ذكر الراوي العليم: ".. أما الفكي علي الزغراد فيعتبر الزغرات الذي ذُكر في كتاب ود ضيف الله زغرات مشوه، لأن جده سليمان الطوالي ما كان يعمل بَابَكُولاً للمَرَاسَةِ، ولكنه كان أحد تلامذة الشيخ محمد الهميم .. " انتهي.
هنا اننا نرى أن الشيخ محمد الهميم وحسب تقيم ود ضيف الله نفسه، ليس بأحسن حالاً من الفكي الزغرات الذي يراه الفكي علي أنه زغرات مشوه من حيث التجاوز الفقهي، فقد ذكر ود ضيف الله في ترجمة القاضي دشين المشهور بلقب قاضي العدالة : "سمي قاضي العدالة لأنه فسخ نكاح الشيخ محمد الهميم ، وذلك أنه في حال الجذب الإلهي زاد في نكاحه من النساء على المقدار الشرعي وهو الأربعة ، وجمع بين الأختين { حيث } تزوج بنات أبو ندودة الاثنتين في رفاعة ، وجمع بين بنات الشيخ بان النقا الضرير : كلثوم وخادم الله ." انتهى.
-       اللسان الأزق: "وَبِلِسَانِهَا الذي أَخْرَجَتَهُ إلينَا، فِي حَركَةٍ لإغاظتِنَا، بقعٌ صَغِيرةٌ سَودَاءَ"  انتهي. الإشارة هنا لابنة ابراهيت الفلاشاوي، الذي ادعى الإسلام وانكر اليهودية، وهذا اسلوب ذكي من الراوي لتأكيد يهودية ابيها، فمن الشائع شعبياً وعقدياً أن كل من لديه/لديها لسان ازرق الطرف، ينسب لسيدنا موسى، وقصته في طفولته مع فرعون معروفة، حيث قيل أنه ارتاب منه، وأراد ان يختبر جهالته كطفل، وإن كان يفرّق بين الجمرة والتمرة، فقدم له جمرة، وبإلهام رباني، حاول سيدنا موسى تذوق الجمرة، فحرق مقدمة لسانه، وظلت اثار الحرق باقياً وشاهداً على ذريه حسب القول المأثور.
-       الطيور تطير شرقا: المزاج حبشي. عندما يقول الراوي وهو صافي المزاج، في صباحية يوم دخلته: " بعض أسراب الطيور تذهب في جماعات نحو الشرق" انتهي. والشرق هنا اثيوبيا.
-       "في زول في القضارف ما شاف السجن؟" انتهي. شهرة الشجن، دلالة على تعاظم اجرام اهل المنقطة
-       حادث ثورة الفضلات البشرية: وقد يفهم من هذه الفكرة ضد موظفي الينك الزراعي، والتي اقترحها صديق الراوي، وهو أفندي ينحدر من اسرة ميسورة خارج الحِلة، قد يفهم منها ان الأفندية هم من لوّثوا مجتمع الجنقو فكرياً، وافسدوا الذوق العام
شُبة سرقات ادبية:
-         ورد في الجنقو مسامير الأرض ".. ذكرى دَحَشَةٌ ومِعزة أتيتهما وأصحابي المراهقين، ذكرى كلبةٍ ألبسناها طَبقاً من السَعف حول عنقها و اغتصبناها" انتهي.
-         ورد في الخبز الحافي ".. رغبتي الجنسية تتهيج كل يوم. الدجاجة، العنزة، الكلبة، العجلة ... تلك كانت اناثي. الكلبة اخرق لها الغربال المثقوب في رأسها" انتهي.
الفرق فقط (طبق السعف، والغربال المثقوب) كليهما حرص على توصيف كيفية اتيان الكلبة، بالإضافة إلى قبح السرقة، فقد تكرر ذكر هذه الحادثة مرتين في رواية الجنقو ومن وجهة نظرنا ان هذا التكرار غير مبرر.
-          ورد في الجنقو مسامير الارض "مررنا بصوت سيدة تستجدي عَلناً وبصوت عالٍ بائس أن يأتي من ينقذها، وأنها سوف تموت الآن. كانت تسترحمه وتستجديه أن يتركها، أن يُخْرِجه، أن يخليها تتنفس، تتنفس لا أكثر، أن يرفع جسده الثقيل منها، أن يقذف بسرعة، إنها تموت، وبشهامة معروفة عني، إنطلقت نحو القُطِية قاصداً فك الاشتباك، ولكن أديّ أمسكت بيدي بقوة قد لا تصدر من امرأة في عمرها، وخاطبتني قائلة:
-        ما تَصَدق النُسوان يا ولدي: من صَدَّقْ النُسوان؛ كَذّب الرُسُل .. ثم انتهرتَها بحزم، موبخة إياها ..  يا بِتْ أخجلي .. عَيب .. فصمت الصوت صمتاً تاماً مضيفاً للمكان رهبة الموت. انتهي.
-        والتالي ما اورده الطيب صالح في موسم الهجرة إلى الشمال ".. سمعت بكري يصيح: يا راجل اختشي على دمك. لازم تعمل ليك فضيحة وهلولة. ثم سمعت سعيدة امرأة بكري تقول: يا بت احفظي شرفك، ما هذه الفضائح؟ العروس البكر لا تعمل هذا العمل. كأنك لم تجربي الرجال من قبل. واخذ صراح بت محمود يشتد." انتهي.
هنا اختلفت العبارات، ولكن ظل المشهد هو هو، في موسم الهجرة إلى الشمال و الجنقو مسامير الأرض، وبالطبع موسم الهجرة هي السابقة و الجنقو لاحقة.
-        رغم المشاهد الجنسية العارية، استخدم الراوي في الجنقو كلمات شيء/شيئه/ شيئها في اشارة إلى الأعضاء التناسلية للجنسين، وهي ذات الكلمات المستخدمة في الخبز الحافي للدالة نفسها. وكليهما وصف الأجهزة التناسلية للمرأة بالبشاعة والقبح، وهو امر غير مقبول من منطلق "جندري"، رغم أنهما اسندا هذا التقييم الى التقدير الطفولي.
جماليات اللونية الوصفية:
تجلّت العبقرية اللونية الوصية لعبد العزيز بركة ساكن، في عدة مقاطع من النص السردي الإبداعي منها:
- "الجنقو يتشابهون في كل شيء، يقفزون في مشيهم كغربان هرمة ترقص حول فريستها" انتهي. إلا أن هذا الوصف فيه شيء من التجديف، فالغراب في الثقافة العربية رمز للقبح ونذر شؤم شأنه شأن البوم، هذا بالإضافة إلى سواد لونه، ولو أن الراوي استعاض عن الغراب بالنسر ذي اللون الرمادي الأقرب إلى لون بشرة الجنقو، الذي يرمز للشموخ والكبرياء، وهو لا يختلف في مشيته عن الغُراب، لتحقق جمال الوصف وجمال الرمزية.
- ".. لم اعتد لباس الملاءة، لونها أبيض، مما أظهرني كحاج تعب أرهقه التطواف" انتهي.  الوصف جميل فنياً بلا شك، ولكن شتان ما بين هيئة حاج يطوف متعبداً حول المشاعر المقدسة متوشحا بالأحرام، وما بين مظهر متسكع في بيوت بائعات الهوى.
- ".. وهاهم الجنقو الآن فرادي وجماعات يتفرسون في الآلات الشيطانية وهي تقوم بالعمل نيابة عنهم، وترميهم في جُبْ العطالة دون رحمة، وتضحك عليهم بتعتعة معدنية حامضة ممقوتة تهتز لها الأرض." انتهي.
- " .. ظللنا نسمع أخباره من وقت لآخر، تأتينا مَشُوكةً بالكِتِرْ والحَسَكَنِيتِ، ملوثةً بطين سبتمبر الّلزج، وعليها خَوفُ الناقل و حِرصُ السامع وهَوهَوةُ الريحِ الجنوبيةِ الرطبةِ" انتهي.
- ".. هرولنا على أرض صَخرية قاسية، ولكنها رحيمة و طيبة. تنكمش في عطف تحت أرجلنا لتقرب لنا المسافة إلى الحدود الأثيوبية التي هي مقصدنا و خَطْ الأمان الأول." انتهي.
- ".. الشمس الآن في برج السمسم بالذات، القمر الذي سوف يطلع عندما تغيب الشمس، بفعل المدّ والجزر، هذان الفعلان الشيطانان، سوف يفتقان فساتين السنابل، فيندلق الذهب منها إلى الأرض، يلتقطه نمل نشط لا يكل ولا يمل، فيحتفظ به في صوامع أمينة تحت الأرض لأيام الشدة، تحرسه بَرَكة الملكات الرؤومات، الجنقو متأكدون من أنهم سوف يكسبون الرهان، والجلابة أيضاً يعرفون أنهم سوف يخسرون، .. " انتهي. وصف فني ولا اروع.
- يصف الراوي الجنقو المتحزمين (بالقاشات) بقوله: "يحيطون خصورهم بأحزمة الجلد الصناعي، فتبدو هيئاتهم كمخلوقات غريبة لا تنتمي للمكان، لكنها تقلد كل شئ فيه بالأخص كُلّيقَةْ السمسم المحزومة جيداً" انتهى. هذا وصف بديع مستوحاة من البيئة العملية وهو يضاهي وصف محمد شكري لشعر خادمة (طباخة) رآها من ثقب مفتاح الباب بقوله: "شعرها ملفوف في المنديل الملطّخ بالحناء. ملفوف مثل رأس الملفوف." انتهي
التوصيف النفسي لشخوص الرواية
غاص بركة ساكن في الدهاليز النفسية لشخوص الجنقو، وهو دليل على عمق تفكير الراوي، ويمكننا ان نرصد نماذج من هذا:
-        حياتي زي الجمرة دِيَّ، أنا ما ارتحت لحظة . (ود امونة(
-        وقد أحسست أني في ورطة، لأنني في الحق لا أعرف الصحيح من الخطأ في السلوك الإنساني ) الراوي)
-        وأنا بصراحة ما قاعدة استمتع بالرُجَالْ (الم قشي)
الاسطورة عند الجنقو
-        يقول صديق الراوي: "الناس هنا مغرمين بالأساطير"
-        وقوله: "أنا لن أموت مقتولاً، كلمتني قارئة فنجان وكف حلبية قابلتها في بورتسودان، أنا حأموت غرقاً وفي عمر كبير، ربما بين السبعين والثمانين". انتهى. هذا قول برجوازي صغير وخريج جامعي!
-        وقوله: "حَكَتْ لنا حكايات كثيرة ممتعة، .. عن جنون يسكنون ويتزاوجون مع البشر، عن بشر يتحولون إلى حيوانات وغربان، عن أناس يموتون ثم يحيون في شكل بعاعيت." انتهى. هذه ضمن حكاوي الصافية، ولا غبار عليها.
-        يذكر الراوي أن الحلوّف (الخنزير البري) الذي اخذ عبدارامان من فوهة حفرته هو جزء من "ناس بسم الله الرحمن الرحيم" حسب توصيف الجنقو، وقد صعد به إلى الجبل والى الابد، ليلقى مصيره المحتوم الذي يشبه مصائر كل أزواج كلتومة بت بخيتة النوباوية. وهنا الراوي لم يسرد اسطورة سمعها، وإنما يرصد مشاهد يقول هو جزء منها رغم نفيه أنه لم ير الحلوّف اصلا، إلا انه لم ينف اختفاء عبدارامان بهذه الكيفية.!
-        وفيما يلى قول صديق الراوي عن الصافية عندنا همّ بمعاشرتها: ".. ثم أقسم وأقسم وقال: 
" الصافية انقلبتْ مَرَفَعِين
قلنا بصوت واحد
-        مرفعين؟
. مرفعين عديل كدا .."
 انتهى.
-        ­يقول الراوي: ".. أنا لست منشغلاً بالحروب، كنت منشغلاً بخزعبلات رجل إسمه إسحق المُسلاتي، عبارة عجيبة تفوه بها، أبت أن تغادر صحوي ولا منامي قال لي: إنت واقع في سِحْر جِنيَّة."
هذا دليل على فشل الراوي في التأثير الإيجابي علي الجنقو، بل وقع هو اسيراً لخزعبلاتهم.
معلومة غير مكتملة
يقول الراوي العليم: ".. قلت له ولكن القبائل العربية الهاجرت للسودان كانت من جُهينة؟
والأصبح بالإضافة إلى قبائل جهينة، وحسبما ما اورد العلاّمة القلقشندي هاجرت قبيلة فزارة العدنانية إلى السودان يعيشون في منطقة كردفان وتتألف من العشائر الاتية: دار حامد، بنى جرار، الزيادية، البزعة الشنابلة، المعاليا، والمجانين، اولا إيقوي، والبزعة، وإن اغفل القلقشندي استقرار بعض ما ذكره من هذه القبائل في دارفور ايضا.
-        يقول الراوي العليم: ".. وكان يدور في رأسي استشهاد الشابين أحدهما بيد يزيد بن معاوية والآخر بيد معاوية ابن أبي سفيان نفسه، في أزمنة غابرة بالجزيرة العربية والشام."
وبما أن قبيلة جهينة العربية اصولها من العراق، فإن الراوي يقول في نفسه أن جُهينة السودان، هم أبناء قتله آل البيت (الحسن والحسين)، وما يجدر توضيحه هنا هو أن تهمة ضلوع يزيد في مقتل الحسن بن على مسموماً على يد زوجته جعدة بنت الاشعث، طرح شيعي، لا يقره أهل السنة والجماعة ولا يحددّون بالضبط من قتل الحسن، ويعتبرون ذلك أمرًا مجهولاً غير معروفًا إلا أنهم قد يرجحون أن لأهل العراق يدًا في الأمر لبغضهم للحسن بعد أن تنازل لمعاوية.
الجنس في مجتمع الجنقو
-        يقول الراوي: " لا يميل الجنقوجوراي كثيراً للنساء، بل هم زاهدون في شأنهن، ولا يبطئون في إطلاق لقب هَوَانْ، على كل من فضّل مصاحبة النساء على معاقرة الخمر." انتهى. بينما يقول عن نفسه لم يعرف عنه زهده فيهن، فإما انه ليس منهم، او انه هوان حسب التوصيف الاجتماعي لمعاقري النساء، رغم ان هنالك شواهد تناقض هذا الزعم على لسان كبيرهم مختار علي.
-        اذا سلمنا بفرضية أن الجنقو غير ميالين للنساء، واستبعدنا الرادع الاجتماعي والوازع الديني اذ انهم يشربون الخمر، واذا اخذنا في الاعتبار ان االصافية الجنقجوراوية الوحيدة من حيث الحرفة (عاملة زراعية) انها لا تستطيع ممارسة الجنس بصورة طبيعية، فإننا نخلص إلى أن الراوي يقول لنا ان الجنقو اناس ليسوا بأسوياء على الاقل جنسيا. هذا بالإضافة إلى ألم قشي بطلة الرواية، التي تعتقد الراوي انها انجبت ابن جان رغم زواجها الشرعي منه.
-        يقول الراوي: "فيما بعد حدثنا ود أمونة بأن عاناتهم كثة وأنهم يهملونها" انتهي. الكلام هنا عن الجنقو، فان كانوا كذلك، وبما أن صديقه البرجوازي الصغير قد رفض خدمة تنظيف الملاين من ود امونة، فكيف يقبلها عوام الجنقو لتتاح له معرفة مثل هذه الامور الشخصية البحتة، اللهم إلا ان كانوا شواذ جنسيا؟
-        يقول الراوي: " أصبحت أداليا لا تطيق لام دينق، ولو أنهما كانا لا ينامان معاً إلا مرة في الأسبوع". انتهي. لو أن هذا الكلام جاء على لسان احدى صديقات داليا، او حتى ود مونة، يكون معقولا، اما ان يجئ على لسان الراوي، يعنى انه اصبح قولا و"شمشارا" في حين أنه يصف ود امونة انه وحده مُلم بأطراف القوالات!
-        هنالك اتهام كثيف لبطل الرواية ود امونة، بانه مخنّث وله ميول انثوية، ومع ذلك يصفه الراوي أنه اتاهم حليق الوجه، مما يدل أن لديه لحية، وكذلك ذكر انه كث الشارب، وكليمهما علامات رجولة، مما يرجح انه شاذ جنسياً رغم عدم اثبات هذه التهمة عليه.
-        يقول صاحب محمد شكري في الخبز الحافي: "لم اخلق لأتزوج قحبة" انتهي. بينما يقول صاحب الراوي في الجنقو: "العاهرة عندي افضل من الرجل العابد." انتهى. هنا يبدو معيار القيم والفضيلة عند الراوي جدليا.
-        يقول الراوي: ".. ولكن الأهم من ذلك بند في عقد المصاحبة غير المكتوب، هو أن يصاحب الجنقوجوراي الواحد امرأة واحدة فقط وأن تكتفي الفدادية بجنقوجوراي واحد، وهذا إلتزام صعب، وغالباً ما يفشل الجنقوجوراي في الوفاء به .." انتهى. هذا كلام عام يصوّر مجتمع الجنقو كمجتمع اباحي.
-        نظر الراوي لمجتمع الجنقو من القاع، وغض الطرف على الواجهة، إذ أنه لم يقدم نموذج واحدا لشخصية او اسرة جنقجوراوية مشّرفة، فنجده أحياناً يحاول تقديم نفسه كشخصية مثالية، إلا ان معيار الفضيلة عنده ظل مشوشاً ومهزوزا، حيث قال عندما قرر الزواج من محبوبته ألم قشّي بغرض الإنجاب: "وحتى لا يُطلق على ابنتي بنت حرام، في مجتمع متخلف كمجتمع الحِلة هذا" وقوله ايضا: "الشرف و الطهر في الروح وليس في الجسد" ومن المفارقة قوله في موضع آخر: "أنا عايز أفَهِمْ الناس ديل الفرق بين الرذيلة والفضيلة؟". أما الفكي علي الزغراد احد شخوص الرواية، فليس لديه اسرة، وهو مشّعوذ ودجّال ومدعي عروبة وغير منتج ويحلل الحرام (المريسة). اما الصافية اشهر الجنقجوراويات ورغم انها تبدو اخت اخوان إلا أن الراوي قال عنها: ".. ولكن ؛ أيضاً للصافية خصوصيتها، هنالك جوانب مظلمة في حياتها، خاصة فيما يتعلق بنشاطها الجسدي.." انتهى.
- يطلق الراوي قولاً مرسلا عن المرأة في مجتمع الجنقو: ".. انهن يقدمن أنموذج الأخت والصديقة والزوجة والحبيبة، وليست الداعرة السوقية المستهلكة أو الانتهازية، إنهن بنات بيوت ومشروعات صغيرة وحالمة لربات بيوت، يجدن فن الحب والعلاقات، أميتهن هي ثروتهن الكبرى، والتي لا تقيم بثمن، ذات الأمية هي مشعل وعيهن الاجتماعي الكبير."
هنا يتحدث الراوي عن قرويات الحِلة المجهولة، والتساؤل هو كيف تكون الأمية ثروة كبرى؟ وكيف تكون مشعل وعي اجتماعي، من منظور لإنسان يبدو مستنيراً، هذا فذلكة غير مفهومة.
-        يدعي الراوي البراءة ويتساءل: "صباع امير دا شنوا؟" انتهى. وهو الذي يقضي معظم وقته وسط نساء المتعة، وقرر اخيرا الزواج من فتاة ليل.
ملاحظات عامة
-        يبدوا لي ان فصل (فتاة من اسمرا) لازم الفائدة، مضمونه ان فتاة إرتيرية شابة وجذابة تهرب من الخدمة اللإلزامية وتأتي الي الحِلة لتلتحق ببيت (الام) كفتاة ليل، لتقول لود امونة "هنا برضو في رجال حلوين ونضاف بالشكل دا." انتهى. وتصف الجنقو بأنهم: "كلهم عفنين ووسخانين وريحتهم ترمي الصقُر من السما". انتهي. هذا المشهد من الرواية يمكن أن تؤديه ألم قشي، ويختصر حوالي 600 لكمة من الرواية.
-        في فصل بوشاي، الرأي الحكومي عن ثورة الجنقو فيه التقريرية والمباشرة، وكان بإمكان الراوي أن يقول انه سمع مسئول حكومي، او قائد عسكري عبر اذاعة يقول كذا وكذا بدلا من قوله: " بعد المعارك الطاحنة التي دارت بين الجنقو وكتيبة من الجيش ترتكز بحامية زهانة، انتبهت الحكومة المركزية لخطورة ما أسمته بالشِفْتة أو النَهب المُسَلّحْ، وجرى الحديثُ عن القوى الخارجية التي تريد أن تطيح بالحكومة الوطنية واجهاض (المشروع الحضاري للدولة).." انتهى.
-        يصف الراوي القوات النظامية القادمة من المواجهات مع المتمرين بأنهم: جبناء، يقاتلون بدون عقيدة، سكارى ومسطولين، يصلبون القتلى من متمردي الجنقو. الراوي ليس محايداً وبالتالي تقيمه ليست بذات قيمة.
-        توجد صلة مباشرة بين إحالة الراوي وصديقه إلى الصالح العام، ليمارسا التسكع والتلكع والسياحة الخشنة ويحّرضا الجنقو على الثورة والتمرد لينتهي بهما الأمر في معسكرات اللجوء.
نهاية الرواية
-        نهاية البطل ود امونة، نهاية تقليدية، بدأ حياته من الريف وانتهى به الأمر في الخرطوم، رغم كونه بدأ حياته المهنية "بالتعرصة" باللغة الشعبية، والقُوادة، وانتهى به الأمر وزيراً اتحاديا، فإن هذا الأمر في واقعنا الحالي غير مدهش.
-        والمفارقة أن ود امونة المائع و"رجل" العلاقات العامة ببيوت الدعارة وحلاق الملاين، يصبح وزيراً، بينما ينتهي المطاف بالراوي وصديقه المستنير المحالان للصالح العام في معسكرات اللجوء و"كنابي" النزوح.
-        حادث ثورة الفضلات البشرية التي جادت بمخططه مخيلة صديق الراوي: "وفجأة تحدث صديقي، قائلاً: نحاربهم بالخَرَا.. " انتهى. بالإضافة إلى احتراف بطل الرواية لمهنة تنظيف الملاين الرجالية والنسائية، هاتين النقطتين قللتا من جدية السرد. لان اسلوب ثورة الخراء مقزز ولا وجود سوابق له، "ثورة الخُراء، التي ما عاد أحدٌ في الواقع يذكرها، لقد كانت دخيلة على هذا المجتمع، وتَمّ اسقاطها تدريجيا من السجل اليومي للقُوالات" انتهى. كما أن حرفة تنظيف الملاين قد تكون موجودة في باريس وليس في الخرطوم دعك عن احترافها في حِلة نائية ومجهولة في شرق السودان.
-        انتهت الرواية بأسلوب القصة القصيرة، فقد اختتمت بصورة غير متوقعة.
-        خاتمة الرواية مخيبة للآمال وخرافية، كأنه يؤمن بالأساطير ويؤكد صحتها، إذ انه صُدم بان المولود الذي ظنه أنه ابنه، في الحقيقة أبن الجن وليس ابن الأنس، وأن محبوبته مسكونة، هذه النهاية تعني الحسرة والحصاد المُر من التمرد واللجوء، أو أنه يشك في إخلاص زوجته له، إذ انه ورد في الرواية أن أبناء الحرام يشبهون امهاتهم.
-        الجنقو مسامير الأرض رواية مشّوقة، وفريدة من نوعها في الساحة السودانية، وهي من النوع الذي يجعلك تلهث، قائلا "وبعدين"، بيد أننا كنا نأمل أن نجد في متونها نماذج لأفراد واسر جنقوراوية تطل على واجهة مجتمعاتها بصورة مشّرفة، وأن تقدم لنا الرواية صورة لشخصيات عصامية وملهمة تبعث الأمل لرقيّ هذه الشريحة العريضة، على غرار ما خلصت إليه رواية الخبز الحافي.
//ابراهيم سليمان//