الثلاثاء، شعبان 05، 1435

الدعم السريع ... مجرمة في كردفان وشريفه في دارفور... كيف؟


الدعم السريع ... مجرمة في كردفان وشريفه في دارفور... كيف؟


على مدى ربع قرن من حكم الإستبداد لم تتعلم حكومة الإنقاذ المنطق، تنتهج "الزمنتارية" وتحتكم إلى قوانين "قاراقاش" لذا ليس بمستغرب أن تكون كافة تصرفاتها "هردبيس". ظلت تتعلم "الزيانة" على رؤوس يتامى الهامش، وتستعرض الرقص على حلبات المعارضة الرخوة، وتعزف على أوتار تناقضات المجتمع الدولي وسلبية دول الجوار.

رغم ذلك نجحت في إرغام الشارع السياسي على التعايش مع شعارتها المدهشه وتتقبل عباراتها الغليظة، من جنس "العايز سطلة عليه بحمل السلاح"، "اللزرعنا يقلعنا"، احدث هذه "الكلينشيهات" الإنقاذية" الخطيرة والخطيرة جدا خرجت من داخل قبة برلمانها "دارفور سرطان في جسم الوطن"، وأخيراً "ارفعوا رؤوسكم فوق عين أي زول"، جاء هذا مؤخراً من الذي حسبه الناس انفع من "نافع" رغم روائح الفساد التي ازكمت الأنوف.

ما يهمنا في هذا المقال من عدم منطقية حكومة الإنقاذ الإستبدادية، طرد قوات الدعم السريع حسب ما يحلو لها، من كردفان لشناعة افعالها، والترحيب بها من قبل ولاة دارفور، وكيف كانت هذه القوات مجرمة في الأبيض وشريفه في نيالا والفاشر؟ ورغم أن هذه الحكومة لا تعرف الخجل، وغير آبهه البتة بأحد خاصة أهالي الهامش، نجتهد في فضح نقاط ضعفها إزاء هذا التصرف عسى ولعل أن يساهم ذلك في تصويب رصاصة الرحمة على جسدها المتهالك.

ليس ثمة جدال في أن مقدرات أحمد هارون الأسطورية قد تحطمت أمام صخور جنوب كردفان، وإلا لما ازيح عنها والنظام في احوج ما يكون لأساطيره لحسم وكسح الثورة المسلحة في هذه الولاية التي لا يعرف أحد قط مداخلها ومخارجها الامنية أكثر منه، بنى حصيلته الأمنية بشعاب ومغارات جبال النوبة منذ أن تولى إدارة السلام وإعادة التوطين بهذه الولاية عام 1992، لكنه قد خيب آمال المركز حتى في كسح الانتخابات الولائية عام 2011 رغم الميزانيات المفتوحة والدعم الغير محدود من القصر الجمهوري. خلال فترة حكمه عانت الولاية من خلل سياسي ودستوري وإداري وانفلات امني، ووصف من قبل قيادات ولائية بأنه ضلل المركز بتقارير "مضروبة"، لكن في تقديرنا هذا ليس كل شيء، فالنظام لأسباب نفصلها فيما بعد احرص ما يكون على سلامته الشخصية أكثر من نجاحه في حسم الثورة في تلك الجبال. والآن يبدو أن أدائه في الأبيض دون المستوى، وحسب مراقبين فإن "نفراته وسرباته" التي يلهج بها قد لا تتعدى سقوفاتها إعادة بناء مسجد سوق الأبيض الكبير وبضع أندية مشاهدة في الأرياف.

احمد هارون اكثر كادر إنقاذي بقى في السلطة بصورة متصلة لا يضاهيه ألا رأس النظام، وهو شخصية محورية في ملفات الحرب والسلام في كافة أرجاء البلاد خاصة دارفور وجنوب كردفان، ونحسب أنه من النوع الذي يقول للقصر "يا أنا، ويا هذا أو فلان" وهذا الخيار يعني الكثير للقصر الجمهوري، سيما وأنه ثالث ثلاثة كبار مطلوبين دولياً.

شكك كثيرون في جدية مهلة الـ 72 ساعة التي حددها أحمد هارون حاكم الأبيض لقائد الدعم السريع حميدتي لمغادرة ولاية شمال كردفان من غير رجعه، رغم تصريحه في حينه أنه قادر على حماية قراراته، وعندما غادرت هذه المليشيات غير مأسوفة عليها من أهالي الأبيض الأشاوس، إحتار الناس في "كجور" أحمد هارون، وقدر مراقبون أن النظام سيعيد النظر في هذه المليشيات، وأن حكام دارفور سيقولون للمركز "اش معنى أحمد هارون"، ولكن أتضح أنه ليس من بينهم رجل يجرؤ على توجيه هكذا تساؤل  للقصر.

عكس التوقعات رحب بها  حاكم الفاشر كبر، كأنها حررت حلايب وقال أن كذا لواء منها مكثت في الفاشر كذا يوم، ولم يسمع عنها إلا كل خير، وعندما تجبرت مليشيات الدعم السريع مؤخرا في شوارع الفاشر، تستر الوالي كبر عليها وقال أن الذين تسببوا في الفوضى الأمنية في مقر سلطانه هي قوات متفلته دون أن يجرؤ على ذكر الدعم السريع، في "دغمسة" معهوده من حاكم الفاشر الذي "قنع" الناس من خيريته بعد عمليات سوق المواسير الذي باع فيها اهله بثمن بخس.

اما حاكم نيالا اللواء آدم محمود جار النبي والذي يسعى جاهداً لإثبات قدراته، وكسب ود المركز، فقد بالغ في تمجيد هذه القوات عند عودتها مدحورة من جبال النوبة ومطرودة من الأبيض، وعندما كررت ما فعلتها في الأبيض مؤخراً  بشوارع نيالا وزادت عليها، لم يفتح الله عليه بكلمة، كما أن حاكمي وسط وغرب دارفور، لا يكاد الكثيرون يعرفون من منهم من فرط استكانتهم وهوان قدراتهم وخفة أوزانهم لدى المركز.

أذن، أولى مداخل هذا التناقض من قبل حكومة الخرطوم، وكيلها بمكيالين لدارفور وكردفان، هو انبطاح حكام دارفور، وقلة حيلة الأهالي، ذلك أن أحمد هارون قد حاول "الدغمسة" في بادئ الأمر، إلا أنه اضطر للرضوخ للغضب الشعبي العارم ضد قوات الدعم السريع، لقد شاهدنا كيف أن أهالي الأبيض الأشاوس قد حملوا "عكاكيزهم" وكافة انواع اسلحتهم التقليدية وخرجوا في الشوارع متوشحين ومقشطين من الأوساط، تلك الفزعة للعريس الأخضر الذي إستشهد قبل أن يسبع على أيدى قوات الدعم السريع الغادرة والآثمة في استبسال نادر، تلك الفزعة الشاملة هي التي هزمت المتهم بالإبادة أحمد هارون، والمركز خاف عليه من "نشاب" طائش قد يغيبه إلى الأبد.

نواب دارفور، وعضوية أبنائها بمركزية المؤتمر الوطني ايضا تطلهم تهم الانتهازية، فقد "تخنت" جلودهم وعز أصواتهم تحت قبة البرلمان، وزول الإنتقاليه "جابوه فزع وبقى وجع"، ورغم أن حاج صديق ودعه يمتلك غالبية أسهم صحيفة الصحافة، إلا أنها تتناول القضايا الإنصرافية في دارفور، ولا اظنه فكر في فرض صحفي عصامي كالأستاذ إسماعيل آدم رئيسا لتحريريها. ولا نخال أن ما تفلعها مليشيات الدعم السريع في حلّال وبوادي وفرقان أهل أبناء دارفور في السلطة يرضيهم، والسؤال لماذا السكوت وإلى متى؟ وهل يخشون على أنفسهم أم على أرزاقهم؟ بكل صراحة الحياة بعد الاعتداء على نسائكم وحرق قراكم عدم.

الأمر الثاني، حسب تصريح حميدتي في مؤتمره الصحفي بالنادي الوطني مؤخراً، فإن قوات الدعم السريع هي مليشيات عشائرية غير قومية مرجعتيها غرب السودان على حد إفادته، وعلى وجه الدقة من دارفور، لذا قد ينظر إليها جهات عدة بأن عودتها لدارفور إنما عودتها لديارها، وهو ذات السبب الذي يجعل حكام دارفور يتعاملون معها بحذر لعمقها العشائري المتغلغل في المكون الدارفوري، وحتى الأجنبية منها قد تجد الغطاء العشائري محلياً. أما ناس الأبيض هنالك أكثر من إشارة مبطنة تقول بأن هذه المليشيات دخيله علي ديارهم.

لكن حكومة المكر والخداع، ليس مستبعداً أن تفكر في تكوين مليشيات كردفانية تغلغل نسيجها الإجتماعي وتفل مكوناتها المتماسكة نسبيا كما فعلت في دارفور، وعلى الجميع أن يكون صاحياً ومراقبا لما يدور حول حواريهم، وما إستعراض مليشيات الدعم السريع لعضلاتها بأحياء الخرطوم إلا تمهيداً لإعادة تسويقها، ومن الوارد أن تعيد الكرة إلى كردفان عندما يرتقي أحمد هارون لدخول القصر الجمهوري نائباً لرأس النظام في اقرب تعديلات دستورية.

أما المكون الآخر، لاستثنائية تعامل المركز مع أحمد هارون، هو ملف الجنائية الدولية.  يؤكد مقربون من النظام، أن هارون قد حصن نفسه حياً وميتاً بنسخ ناسفه من عمليات الإبادة الجماعية في دارفور، تتفجر ذاتيا متى ما تعرض لسوء مدبر من شركاء الجريمة والاستبداد، وذات الشيء فعله موسى هلال، لهذا السبب عندما تعرض حياة هارون للخطر في كادقلي، سارع المركز بسحبه إلى الأبيض الآمنة، خاصة بعد اغتيال إبراهيم بلنديه رئيس المجلس التشريعي لولاية جنوب كردفان و الدكتور فيصل بشير الخيرى الامين العام لمجلس التخطيط الاستراتيجى بالولاية  ورفاقهم على طريق الدلنج كادقلي في يوليو 2012، سيما وقد نجا قبل ذلك وزير الشباب السابق حاج ماجد محمد سوار من محاولة اغتيال بحي الفقرا بكادقلي ، كما تعرض المرحوم مكى على بلايل لمحاولتي اغتيال هو الآخر.

وثمة أمر آخر لابد من الإشارة إليه فقد أصبح واضحا ان دارفور في نظر المركز الرسمية والشعبية، اقليم يحتمل كافة التناقضات، ومكب للانتهاكات، وجزء مسرطن كما افصح بذلك نائب قمئ بالمجلس الوطني، ولا بواكي عليها، لذلك عندما توجهت مليشيات الدعم السريع إليها، اعتبرها كثيرون أمراً عادياً، بخلاف الأبيض التي تعتبر السياج الأخير للخرطوم، هذه النظرة كانت في صالح رهان هارون على قراراته، بالإضافة إلى أن الكثيرين  باتوا يعتبرون أن الجبهة الثورية والكيانات المسلحة الأخرى هي المعنية بالدفاع عن إنسان دارفور بالمنطق وبالبندق.

في تقديرنا لا تستطيع مليشيات الدعم السريع الصمود في ظل تصاعد الضغط الشعبي والدولي عليها، ومن المتوقع أن يصدر قرار أممي قريباً يجرم تصرفاتها، حينها لن تجد السلطات بد من وضع حد لأنشطتها كما فعلت مع مليشيات شبيهة من قبل، لذا على الجميع تكثيف الهجوم على تصرفاتها، وملاحقة جرائمها، والتواصل مع العشائر التي تنتمى إليها للتحلل من ممارساتها والوقوف مع المتضررين في وجهها. وتوجيه خطاب مباشر لأفراد هذه القوات تحتوى تحذيرات من مغبة جرائمها بعد زوال النظام، الرهان على تراجع الدعم السريع يسنده ضعف قدرات قائدها حميدتي الذي يقول كلاماً خاماً ولم يتعلم شيء من كياسة أهلنا في البوادي، ومن الأسباب القوية لاضمحلال مليشيات الدعم السريع عدم رضا القوات المسلحة عما تفعلها باسمها، ولا نحسب أنها تستطيع كظم غيظها طويلا.

مع الفشل المتوقع لمليشيات الدعم السريع، كما فشلت من قبل الدفاع الشعبي وأبو طيره وحرس الحدود، لن يحول بين منظومة الإنقاذ ومزبلة التاريخ حائل.

للإطلاع على المقالات السابقة:


//آفاق جديدة//

ليست هناك تعليقات: