السبت، جمادى الآخرة 05، 1435

الأرض الخراب


الأرض الخراب

الأرض الخراب أو الأرض اليباب The Waste Land قصيدة ملأت الدنيا وشغلت الناس للشاعر الإنجليزي الأمريكي الأصل تي اس إليوت صوِّرت أهوال الحرب العالمية الأولى ، على أن الكون وأوروبا تحديدا اصبح عالماً مثقّلاً بالمخاوف والذّعر والشهوات العقيمة ، عالماً ينتظر إشارة ما تؤذن بالنجاة أو تعدُ به لكن طال انتظارها.

ولعل الشهرة التي حظيت بها قصيدة "الارض الخراب" لم تنلها قصيدة اخري في القرن العشرين ، انبهر بها الشعراء العرب كغيرهم من شعراء العالم ارتقى إلى درجة الفتنة إذ حذر منها العلامة الدكتور عبد الله الطيب بقوله: "الفتنة بإليوت خطر علي الأدب العربي" هذا في جانبها البنيوي ، بالإضافة إلى أن إليوت ذي اسلوب ثوري فنيا وهو ما يهمنا هنا.

ومرد تفرد هذه القصيدة أنها ولدت أثناء الحرب الكونية الأولى والتي كانت بمثابة نهاية مرحلة هامة من الفكر الاوروبي ، فقد تحطمت قيمة الإنسان في شوارع مدن أوروبا المدمرة. تلك المرحلة كانت تمثل انهيار حلم ظن جيل كامل أنه باق ، أي حلم العيش بسلام والحياة بطمأنينة بعد التقدم العلمي والتحضر الظاهري.

وقد استوحى إليوت صورة "الأرض الخراب" ودلالاتها من الاجواء القاتمة التي خلفتها الحرب فكانت تعبيرا رمزيا عن ويلاتها التي زعزعت ثقة انسان الحضارة الغربية في جدوي العلم والتقدم المادي ولهذا السبب وصف إليوت من قبل الاوساط اليسارية والثورية الصاعدة آنذاك بانه شاعر رجعي ومتشائم . بينما وصف البعض الاخر من هذه التيارات نفسها ، قصيدته "الارض الخراب" بانها ابلغ نعي للرأسمالية الغربية لشاعر برجوازي. في هذه القصيدة "الارض اليباب" ، نعي فيها تي اس إليوت الانسان في كل مكان ، ذلك أن الحرب قد أحال العالم إلى كومة من مقابر منتحبة.

مع الفارق إلا أن أجواء كتابة قصيدة "الأرض الخراب" ، مماثلة حذو النعل بالنعل بالنسبة لأوضاع السودان منذ إندلاع ثورة الهامش في عام 2003م ، فقد وصلت الخيبات المتصاعدة منذ استقلال البلاد ذروة سنامها ، وبدى مظاهر الإحباط للمواطن الذي حلم ذات يوم بوطن جديد مستقل يتساوى فيه الجميع في الحقوق والواجبات، وفجأة وجدوا أنفسهم وسط ركام من الخيبات.

فتلك المُثل التي آمنوا بها ذات يوم في صدق الانتماء قد انهارت تحت وطأة الكراهية والأنانية والعنف البشري المفرط. واستبان الغالبية المهمشة أن المواطنة "خشم بيوت" وأنهم في حقيقة أمرهم باتوا تحت قبضة مستعمر من جنس آخر. اشد مكرا وفتكا من المستعمر صانع "المكسيم" ، متعطش للخراب ومتلهف لتدمير كل شيء في اللاشئ من اجل السيطرة الأبدية.

والطريقة التي واجهت بها المركز أهل الهامش ثوار ومواطنون ، كشف الجانب المظلم من نوايا السلطة المركزية ، واجلى ازمة الحكم ، وزيف الوحدة الوطنية ، وأبان شرخ مفاهيمي حاد في الثقافة والدين والانسانية والمواطنة ، واصبح إنسان الهامش  في حيرة من أمره بل في يأس من العيش بسلام في وطن موحد تصر على القبضة المركزية والتمييز بين الناس بشتى الطرق.

كما نعى إليوت الرأسمالية في "الأرض الخراب" ، نحن ايضا نرثيها ، إذ أن بموجب منظومة "حمدي" تخلت الدولة عن "الغلابة" ، وسلمت مقدرات البلاد للرأسمالية الطفيلية التي تستثمر في الخراب ، وقسمت مكوناتها إلى مثلثات عرقية و"كانتونات" جهوية تمهيداً لتفتيتها.

اصبح أرض السودان ارض الخراب والتناقضات والرجال الجوف ، ليس فيه عمار لشيء ، خربت النفوس وتنافرت الأفئدة ، وجفت المآقي من النحيب المستمر خاصة في هوامشها ، بلاد فشلت نخبتها في التحكم في ملذاتها ، وعجزت في الحفاظ على ما ورثتها من اسلافها من حكمة وروية وتسامح ، آل السودان إلى ارضٍ يباب بسبب اوهام الانتماء وعقدة العرق والفهم الخاطئ للدين ، وتحول إلى أرض الضياع بسبب القديرية والسلبية وموت روح المبادرة لدى مثقفيه.

حتى اللحظة الشعب السوداني يترقب إشارة ما تبشر بوقف الخراب أو تعدُ به ، وقد طال الانتظار. كافة البشريات على قلتها أتضحت أنها سراب بقيعة ، لكن من المفارقات في آخر المطاف استدل تي إس إليوت على أن الخروج من ظلمة العصر الحديث بعودة الإنسان العصري إلى خالقه وذلك باعتناق ديناً يرتكز على العطاء والرحمة أو العطف والتحكم في الملذات.

عكس ذلك تماماً يرى كثيرون أن وقف الخراب في البلاد والخروج من القبو المظلم يكمن في إبعاد الدين عن السياسة ، ذلك حسب زعمهم أن السودان اصبح "الأرض الخراب" بسبب الهرطقة والسفسطة والدجل السياسي ، معززة بالشعوذة والتدين السطحي.

مقطع من القصيدة:

هذه هي الأرض الميّتة

هذه أرض الصبّار

هنا صوَر الحجر

تضرّع كفيّ رجل ميّت

تحت بريق نجم آفل

هل هي كذلك

في مملكة الموت الأخرى

نسير فرادى

في تلك الساعة

وعندما نرتعش من الوجع الرقراق

الشفاه التي تُقبل

تجعلُ من المصلّين حجراً مهشماً

**************

//آفاق جديدة//

ليست هناك تعليقات: