الخميس، جمادى الأولى 12، 1435

إلى لقمان ... كيف تبني "المَلم" وغيرك يهدم؟


إلى لقمان ... كيف تبني "المَلم" وغيرك يهدم؟

اجدني استشهد بمقولة حسين خوجلي في معرض هجمته المرتدة على نفر من ناس بربر حيث قال " الجغرافيا والتاريخ والزمان والمكان اصبح لها تعبير جديد أو مختلف في  المجتمع المدني الحديث" لذا يحق لأي سوداني أن يتحدث عن منطقة "الملم" مسقط راس السلطان على دينار ومدينة المذيع الألمعي لقمان احمد والذي شمر ساعد الجد لبنائها بعد أن دمرتها آلة الحرب الضروس في دارفور وأحالتها إلى مدينة اشباح رغم جمالها الآسر على حسب وصفه لها في مؤتمره الصحفي مؤخرا بطيبة برس.

ما رسمه الاستاذ لقمان من لوحة بائسة عن منطقته "الملم" يكاد يكون مشهد مكرر لمعظم مناطق دارفور، من تدمير مباشر للمرافق العامة، وإهمال مدقع لما نجا منها، وحالات توجس بين الناس.

وليس من العقل أن يُثبط همة من يقدم  على أي عمل إيجابي مهما كانت طبيعته، لكن من ينبري لعمل يبدو غير منطقي بالضرورة الاستفسار عن فحواه والتمعن في جدواه سيما وإن كان ذا طبيعة عامة، هذا من باب مشاركة الهم المجتمعي العام وتصحيح المسار نقداً وليس تجريحا او "تكسير حراب"

في المبتدأ، شخصية ذات صيت كالأستاذ لقمان أحمد بدون شك أن أهل السودان عامة وكافة أهالي دارفور يتوسمون من أمثاله دوراً فاعلاً في وقف الدراما المأساوية الماثلة وإعادة امور البلاد إلى نصابها، لذا لا شك عندي أن الكثرين قد إندهشوا من إختصار مجهوداته الإنسانية ومساعيه الخيرية في منطقته "الملم" بجنوب دارفور، في الوقت الذي يعاني فيه الإقليم برمته من ذات المشكلة "الدمار الشامل" والذي لم يكتمل حلقاته بعد فهو يجري على قدم وساق ولم يتوقف منذ أكثر من عقد من الزمان.

ولا أظن أن الأستاذ لقمان أحمد ليس على دراية بأن ما يجري في دارفور تحديداً من تمزيق للنسيج الإجتماعي وتدمير للمرافق العامة نتيجة طبيعية للحرب، بقدر ما هو عمل مدبر من أجهزة الدولة الأمنية وسياسة خُطط لها من المركز لإبقاء اهالي الهامش عامة في المربع الذي يريدونه لهم، الأمر الذي يجعلنا نشك في انهم يسمحون للغيورين والخيرين أمثال الأستاذ لقمان من الوقوف في وجه هذا المخطط، ويتفرجون على جهود إعمار ما بذلوا فيها من جهود لتنفيذه، وقد ظلت دوائر الصراعات القبيلة في إتساع متصاعد نتيجة تكثيف الجهود التآمرية في هذا المنحى.

وتأكيداً لهذا الواقع قد اوردت صحيفة الوطن الصادرة في السادس من مارس الجاري إدانة د. تيجاني سيسي حرق أكثر من 35 قرية من بينها 18 من قرى العودة الطوعية، و11 قرية من القرى المستهدفة ضمن حِزم مشروعات التنمية للسلطة الإقليمية لإعادة الإعمار جاء ذلك في مؤتمره الصحفي الذي عقده عن تدهور الأوضاع الامنية في الاقليم قبل أيام من مؤتمر الأستاذ لقمان. ومن المعلوم أن المليشيات الحكومية هي التي حرقت قرى ام قونجا والحجير بجنوب دارفور. وإن صدقنا د. السيسي أن هنالك جهود للإعمار والتنمية بهذه المناطق ، فإن شبهة استهدافها من الأجهزة الأمنية تعزز ما ذهبنا إليه بأن السلطات لن تسمح بالإعمار والبناء من اية جهة كانت.

ومن المفارقات أن المليشيات الحكومية تحرق قرى ام قونجا والحجير بجنوب دارفور، بينما تسلب قوات حركة التحرير جناح مني مدينتي اللعيت جار النبي والطويشه والكثير  من المناطق التابعة لها، وإرغام أهاليها على النزوح القسري، وما حدث في اللعيت جار النبي الاسبوع الماضي لا يمكن وصفه بغير السطو المسلح من حركة مني ، رغم أن مقاتلي العميد آدم صالح كانوا لطفاء مع التجار ورجال الأعمال حيث أنهم طرقوا أبواب منازلهم وخيروهم بين الذهاب إلى محلاتهم التجارية وفتحها للثوار أو كسرها عنوة، لم تسلم من هذه الحملة حتى الصيدليات ومحلات قطع الغيار وهي أملاك خاصة بالطبع وإسبيرات الدوانكي بمخازن هيئة توفير المياه. حملوا حاجياتهم من المؤن والإمدادات اللازمة ثم أمطروهم بوابل من زخات الرصاص الحي في الهواء لإرغامهم على النزوح لتتحول مدنية اللعيت الزاهية إلى مدينة اشباح. ثم تأتي الانتنوف الحكومي بعد أيام من مغادرة الثوار لترجم من تبقى في المدنية بالقذائف الحارقة.

ونعتقد أن تشتيت الجهود لإعمار دارفور فيها إرهاق للجهات المانحة، خاصة الدولية منها، وأن الانكفاء في الحدود المناطقية لها آثار سالبة على مساعي رتق النسيج الاجتماعي، سيما وأن جوهر مخططات نظام الإنقاذ للسيطرة على الهامش ترتكز على تعزيز العشائرية والمناطقية على المستويات كافة. عندما يتنادى الكل بأسماء مناطقهم تضيع مغزى الوطن وتنتفي قيمة الوحدة.

ورغم أن العون الذاتي للبناء والتنمية ليس فيه كلام ، إلا أننا نرى أن التنافس في استقطاب الدعم الخارجي للمناطق خاصة في الحالة الدارفورية الشاملة، قد يولد الأنانية والشعور بالذاتية ويعزز التقسيمات الإدارية المغرضة التي انتهجها النظام للتفريق بين الناس، والأنسب تكوين هيئة موحدة لأنباء دارفور تشرف على عملية الأعمار والبناء عندما يتهيأ ظروفها ويحين وقتها. وخير مثال لهذا النهج من الإيثار المناطقي، السخط الذي لازم المنحة الألمانية إلى يومنا هذا والتي تحصل عليها عمنا احمد إبراهيم دريج من جمهورية المانيا الاتحادية والتي اثمرت رصف طريق نيالا كاس زالنجي رغم استحقاق هذه المناطق لها كمناطق إنتاج.

أما المصالحات القبلية فالكل بات يعلم أنها غير ممكنه في الوقت الراهن بصورة جدية وفاعلة والسبب في ذلك أن الإدارات الأهلية أصبحت جزءاً من هياكل المؤتمر الوطني وليس بمقدورها الحياد عن جادة مخططاته، دعك عن التدخل المباشر من القيادات الأمنية لإفشال مثل هذه المساعي.

بناءاً على ما سبق نعتقد أن الأولوية الآن ينبغي أن تكون لغوث النازحين ، فقد اكدت جهات دولية أن دارفور تعاني هذه الأيام حالة نزوح غير مسبوقة ، والضغط على النظام للاستجابة لمطالب أهالي الهامش ووقف الحرب ووضع حدٍ لمعاول الدمار ومن ثم نشمر جميعا سواعد الجد للبناء والتعمير، بحيث يكون نفير التنمية الشاملة جزء من خطوات إعادة رتق النسيج الإجتماعي بعيداً عن الإنكفاء المناطقي.

متى يبلـغ البنيان يـوماً تمامه ** إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم

ولو ألف بان خلفهم هادم كفى ** فكيف ببان خلفه ألف هادم

للإطلاع على المقالات السابقة:


//آفاق جديدة//

ليست هناك تعليقات: