الأربعاء، جمادى الآخرة 07، 1434

السيسي .. من قسّاك من قسى قلبك؟


السيسي .. من قسّاك من قسى قلبك؟


ظل د. السيسي مهيباً في عليائه، رمزاً في مكانته، أنهى نظام الإنقاذ سلطانه في دارفور فتواري "راقداً فوق رأي) .. وإندلعت الثورة المسلحة فاكتفى بالنحنحة .. إدخره أبناء الإقليم لمعركة الميل الأخير مع النظام أقلاه في الميدان السياسي.. ظل هكذا ممسكاً على الكلام المباح، والعصبة الحاكمة تترجاه أن يبوح بكلمة تفك شفرة صمته المهيب تجاه القضية، إلى أن قيض له الله أناس أحالوه إلى زمرة القاسية قلوبهم، الذين لا يشعرون بوخز الضمير، ولا يتألمون من شكة ندم، يركبون بحور الأماني الكاذبة، ويرسون على شواطئ التسويف، وصوليون يضحون بماضيهم على مضض من أجل بلوغ طموحاتهم الشخصية على حساب الآخرين، تجدهم فرائس قصيرة النفس أمام إغراء الأبالسة، يعاشرون عديميّ الخيرية لأهليهم ومجتمعاتهم، يحّورون تعهداتهم ويلونون مواقفهم كما الحرباء للتكييف مع كل بيئة "فويلٌ للقاسية قلوبهم" الزمر 22. قبل أن نتعرض لهؤلاء الرجال حول السيسي ، نسرد عينات من قساوة قلب إبن اتيم.

قساة قلب السيسي جعله يحّور مواقفه ويكيّف تصريحاته من وقت لآخر، فقبيل إنعقاد مؤتمر المانحين بالدوحة صرّح بأن القبلية وشُح التمويل هما مهددان لاتفاقيته من النظام، وهو يعلم أن النظام ما انفك يشعل نيران القبلية منذ اندلاع الثورة في دارفور، ولن يطفئها ما زالت مستمرة. والقبلية التي يعلّق د.التيجاني عليها إخفاقاته متجذّرة في دارفور والسودان قبل أن يولد، والآن يريد أن يقضي عليها بضربة لازب، وكأنه انتدب من كوكب آخر لا علم له بهذا الواقع عندما وقع اتفاقيته المشبوه من النظام.

والآن خاب آمله في أموال المجتمع الدولي، طالب بسبعة مليارات والآن يقول المليار "الأجنبي" خير وبركه، وإن لم يكن قاسي القلب لنفض يده من هذه الإتفاقية، فالنظام إن كان مستعداً لدفع ملياري دولار من الخزانة العامة لإعمار دارفور، لما اجهز على طريق الإنقاذ الغربي الممول من عرق جبين أهالي الإقليم، وظل يسوف في تنفيذه سنين عددا، قساوة قلب السيسي يجعله يوهم نفسه ويحاول إيهام الآخرين بأن الحرب الذي ظل مستعراً في دارفور لعقد من الزمان، وناهز ضحاياه النصف مليون شهيد يمكن إطفائه بنصف مليار دولار المتبرعة به دولة قطر وهو المبلغ المضمون من مؤتمر المانحين الأخير.

من الآن فصاعداً، ليس لقاسي القلب ما يفعله سوى التوقيع على مصفوفة تلو الأخرى لجدولة ملياري الحكومة السودانية، وممارسة السياحة السياسية لملاحقة المانحين لهثاً وراء مبالغ التبرعات الزهيدة، وبذلك يخلق لنفسه الأعذار عن متابعة النزاعات القبلية المتصاعدة بالسلاح الحكومي ، ويجد لنفسه مبررات عدم الاهتمام بالانفلات الأمني في الإقليم. الناجحون يبحثون عن الحلول، أما الفاشلون والقاسية قلوبهم يبحثون عن أعذار.

قساوة قلب السيسي حوله وكيل لشق الحركات المسلحة ليخمد الثورة ضمن مسعاه لإنقاذ المركز من الزلزال الذي ينتظره، وجعله رحيماً بالنظام يتمنى له طول السلامة ويهزأ من الذين يسعون لأسقاطه. وهذا التحول في فؤاده يدفعه لإنكار وجود فلول إسلاميي مالي في الإقليم، وبعد تأكيد توغلهم يمارس الطناش. قساوة قلب إبن أتيم تدفعه للشروع في تشييد بنى تحتية فوق جثامين شهداء دارفور وليس على قبورهم.

والآن دعنا نعود للوراء قليلاً، فقد اصبح جلياً لمتابعي فضيحة "ماكفرلين غيت" برواية الكاتب الضخم الأستاذ فتحي الضو، أن د. التيجاني سيسي هو المقاول التنفيذي لصفقة تحسين صورة النظام، وبالمنطق طالما أن الأمريكي روبرت ماكفرلين مستشار الأمن القومي السابق قد استلم مبلغ (1.3) مليون دولار من الحكومة القطرية كغطاء لجهاز الأمن السوداني ، وهو بدوره دفع باسكوت غريشن لمنصب الموفد الأميركي الخاص إلى السودان، والقرائن تدل على أن الأخير هو من جنّد د. السيسي لمهامه الحالي، فإن هذه الصفقة تضع د. التيجاني تحت طائلة الشبهة، ذلك من الصعوبة هضم أن الأخيرين يعملان بالمجان ورأس الحية ماكفرلين قد قبض الأموال المهولة. إذن مستر غريشن هو أول من قسىّ قلب السيسي.

دولة قطر بقدها وقديدها ودماثة خلق شيوخها ضمنّت د.التيجاني في سلك دبلوماسيّها، وضمن ركائز خارجيتها. لقد وجد إبن أتيم أن دوحة آل خليفة أكثراً دفئاً من اديس أبابا ، واصبح يسبح بحمدهم بكرةً وعشيا، وقديماً قيل الإقتراب من ابواب الحكام يقسي القلوب، حتى أن كان قلب حاكم مخلوع، كان بإمكانه الانضمام إلى جوقة طباخي الخطط الجهنمية في أفران مراكز الدراسات المتعددة دون الحوجة "لأمبريلا" قضية دارفور، فهو الخبير الاقتصادي والسياسي المحنك، والحاكم المجرب.

من قسىّ فؤاد إبن أتيم قياديين اثنين بالتحرير والعدالة معروفين للجميع، وفرا له الغطاء الثوري بالحلاقيم الكبيرة، مندفعين بغبن سياسي مزمن وطموح ذاتي متراكم، لولاهما لما إستطاعت حركته الوقوف على ساقيها.

ما يهم قاسي القلب وزمرته رواتبهم ومخصصاتهم، لذا نتوقع منهم في الفترة المقبلة عقد مؤتمرات عن ترتيب أولويات صرف المليار دولار على مشروعات قدروا تكاليفها بـ بسبعة مليار وثلاثمائة مليون، وتنظيم معارض للقرى النموذجية من الشمع، وعقد سمنارات عن المواقع المقترحة لهذه القري، ومن ثَم عقد مؤتمر للمقاولين ... ألخ من الممارسات الدائمة للمخصصات.

نقول هذا الكلام وأملنا ألا يطيل قساوة قلب السيسي من معاناة الناس بالأوهام، وألاّ يكابر ويقول أن الحكومة ان مست "عرف رأسه" سيكون له كلاماً آخرا، والحقيقة ان المنحة القطرية لن تحل القضية، ولن تحل السلام أن شيّدت قطر لكل نازح فيلا في مسقط رأسه، وإن نحج القاسية قلوبهم في شق حاملي السلاح ولم يتركوا بها (نفاخ نار)، فالقضية اكبر من مليارات شحدة ، وأعقد من تبسيط آل جبر، وأعمق من آبار الغاز القطري، والمسألة يمكن اختصارها في الأمن والعدالة، وهما يحتاجان للإرادة والجسارة وهي غير متوفرة قاسيّ القلوب .

هل يعتقد د. التيجاني أن قبض الثلاثة مليارات دفعة واحدة "صُرة في خيط" بإستطاعته ان يحل السلام في دارفور؟ لماذا صرف النظر عن الإستحقاقات الاخرى لاتفاقيته؟ ولماذا يقفز فوقها للتوقف عند جمع المال من اجل تشييد قرى للنازحين؟ هل كانوا قبل اندلاع الحرب يعيشون في العراء؟ الأفضل تأسيس مشروعات إنتاجية بمليار التبرعات، يوفر لها الأمن تخصص للنازحين، ويترك لهم أمر تشييد منازلهم بالكيفية التي يرونها.

انتظر المجتمع الدولي مآل إتفاق ابوجا لسنوات، بينما كان إنسان دارفور يرفل في العذاب الحكومي، ومنذ يوليو 2011 أزيل الستار عن المشهد الثاني للمهزلة السياسية من بطولة قاسي القلب، وأملنا ألاّ يطول هذا المشهد الممل والمؤلم، وعلى د. التيجاني ترك المكابرة والإقرار بأن مؤتمر المانحين هو آخر الكروت في جعبة حركته، وقد احترق ، وليس هناك من هو مستعد لمشاهدة بقية المسرحية المعروفة سلفاً وهي موال عدم إيفاء النظام والدول المانحة بالتزاماتها، عليه أن يلحق بالجبهة الثورية ، او يرحل إلى أديس أبابا ويعاود ممارسة الصمت المباح.

قبل الختام:

"من قساك من قسى قلبك" كلمات الشاعر محجوب سراح وألحان الفنان السنى الضوي (ثنائي العاصمة) ومن المفارقات غناها الفنان الذري إبراهيم عوض لأول مرة في جوبا لرفع الروح المعنوية للقوات المسلحة قبل تسجيلها للإذاعة.

للإطلاع على المقالات السابقة:


//آفاق جديدة//

ليست هناك تعليقات: