الثلاثاء، شعبان 20، 1433

ثقوب في جدار الوثيقة


ثقوب في جدار الوثيقة
من منطلق الإيجابية ، كل تحرك ما من شأنه تحقيق فائدة تتفوق على مظان الضرر الناجم عنه ،  يجب أن يرفع له القبعة الخضراء ، وحسنا ذكر موقعي الوثيقة أنهم لا يدعون سوي انها عناوين الامل ومعالم المستقبل المنتظر المعبرة عن ضمير الشعب وخياره الديمقراطي .. بعد قراءتنا لهذه العناوين وجدنا هنالك نقاط ساقطة من حروفها وبعضها باهتة ، بيد أن الأهم من مضمون الوثيقة ، إعلان القيادات الموقعة عليها اعتزامهم رفع الحواجز والمتاريس التي كانوا يضعونها في مسيرة الشباب السلمية نحو القصر الجمهوري ، نتمنى أن يصدقوا ويركزوا في مواقفهم ودورهم وافساح المجال لجيل الألفية يصنعون مستقبلهم بالكيفية التي يرونها.

ما اسهل أن تصاغ وثيقة "مدنكلة" مترعة بالمعاني السامية والقيم النبيلة ، وما اهون النكوص بالعقود و التنصل من المواثيق ، وقديما قيل الكل يستحق الفرصة الثانية ، لكن ما بالُ زعامات ترفض أن تتخطاهم التاريخ ، يلحون علي عجلته ان تتوقف حيث هموا وقفوا ،  زعامات بشحمها ولحمها صاغت الوثائق الانتقالية لأكتوبر وابريل وكانت النتيجة ميتة وخراب ديار ، أكلوا أكثر من خريفين وتجرعت الأجيال الأمرين من حصاد تجاربهم ، ولا تزال نفوسهم ملتاعة لنيل الفرصة تلو الأخرى ، هل ينتظرون أن نصفق لهم لمجرد اجتماع شملهم بعد مماحكات عتيقة عهدناها في كافة المنعطفات ومختلف النقاط المفصلية، هل يتوقعون منا التقريظ لمجرد التوقيع على وثيقة مُكلفة "وكرعينها برا"  

بات من المعلوم بالضرورة أن اس المشكل السوداني ، سيطرة وسطوة المركز على مقدرات بقية أجزاء السودان في الشرق والغرب والشمال والجنوب ، ظاهرياً سبب هذا الإصرار على هذا النمط من اسلوب الحكم ، التخوف من فرط عقد مكونات البلاد ، وباطنيا مرد هذا الاستبداد المركزي الأنانية السياسية ، ولما كانت النتيجة عكسية تماماً ، من الضروري والضروري جداً ، الإخلاع عن هذا النمط من الحكم ،  والتوجه بدون تردد إلى ما يعرف بــ decentralization ولها أكثر من صيغة ، أخفها الفدرالية الحقة ، وهذه لا تتأتي إلا بتمكين الأقاليم من مقدراتها الاقتصادية ، وطالما هنالك جهة مركزية تتحكم في توزيع الثروة والسلطة مهما وضعت لها من اسس ، ستظل المركزية قائمة ، وقد تابعنا كيف تعمل مجلس دعم الولايات .. ديباجة ما سميت بوثيقة البديل الديمقراطي خلت من هذا المضمون الجوهري.

والآن، دعنا نتفرج على بعض "الكرعين" الخارجة من ضريح الوثيقة.

أولا: ضنّ الموقعون على الوثيقة بتوجيه الدعوة للفصائل المسلحة للتوقيع على الوثيقة ، هل لا يزالون يهابون النظام؟ ام لا يزال يحدوهم الأمل في أن يتبنى المؤتمر الوطني وثيقتهم النيئة هذه؟ جاءت في الديباجة ما يلي "نتقدم بهذا البرنامج الي كافة جماهير شعبنا وقواه السياسية والمدنية والاجتماعية بكافة قطاعاته التقليدية والحديثة، في الريف والحضر الملتزمة بالنضال من اجل التغيير"

إن ظن هؤلاء أن قيادات الجبهة الثورية السودانية ستتفرج علي مشهد تشيع جثمان النظام من علو سفوح جبال كاودا ، يكونوا غلطانين .. ولا يمكن إغفال القدر الذي ساهمت بها العمليات الاضطرارية لهذه الجبهة ضد قوات النظام في إرهاق خزانته وتعجيل إفلاسه ، الأمر الذي عجّل إندلاع الانتفاضة الحالية ، التي سارعت قيادات وثيقة البديل الديمقراطي الاستعداد لحصاد ثمارها. معروف أن السيف شريك والقلم خادم ، السيف هنا سيفان ، سيف الثورة الشبابية السلمية ، ثم سيف الثوار الأحرار ، أما المنظرين فلينتظروا طلب خدماتهم.

ثانيا: بالكيفية الحالية ، ومع فارق المضمون ، الوثيقة تشبه دستور التوالي السياسي ، حيث اختصرت المشاركة في الحكومة الانتقالية على الموقعين عليها فقط ، حسبما ورد في البند الثاني ، في وجود قوى فاعلة وغاية في الأهمية لم توقع عليها ولا اظنها تفكر في التوقيع . سيما وأن مثل هذه الوثيقة قد صيغت كتوطئة للفترة الديمقراطية الثالثة وامتنع د. جون قرنق عن التوقيع عليها ، وقد  صدق حدسه في نفس القيادات الموقعة على الوثيقة الحالية ، وما ورد من ذكر "للفصائل الملتزمة" قد يفهم المقصود بها تلك التي القت السلاح والمتصالحة مع النظام.

ثالثاً: تبنت الوثيقة مظالم المهمشين ظاهرياً وتجاهلت قياداتهم ، واقل ما يمكن وصف هذه المسلك "اللقافة السياسية" فالذين حملوا أرواحهم على اكفهم في مواجهة النظام منذ سنوات ليسوا هواة حرب وليسوا مرتزقة ، بل لهم قضية عادلة همُ الأجدر والأولي بالتصدي لها.

رابعاً: لماذا تجاهلت الوثيقة الإشارة إلى مظالم السدود؟ وهل من وجهة نظر الموقعين عليها أن قضية الشرق قد حلت تماماً حلا مرضيا؟

خامسا: تجاهلت الوثيقة مدة الفترة الانتقالية ، ومن مصلحة القيادات الموقعة أن تكون أقصر ما يمكن لتتكرر المشهد المصري ، بين فلول الإنقاذ والزعامات التقليدية وهي جزء اصيل مما آلت إليها البلاد. وليس لها من جديد تقدمه للامة السودانية .. من الضروري أن تتاح للفترة الانتقالية مدة زمنية كافية لتهيئة الفرص وتمكن القوى الحديثة من التنافس الانتخابي ، وفي تقديرنا لا يتأتى هذا الأمر إلا بمعالجة كافة آثار الحرب واحتواء جميع مظاهر النزوح والتشرد ، هذا الإغفال المتعمد لمدة الفترة الانتقالية في رأينا إضمار لسوء نية.

سادسا: كلمة "مراجعة" الواردة في البند 4 لا تشئ بحتمية تغيير نظام الحكم الاتحادي القائم ، على سبيل المثال الكثيرون من الخبراء الوطنيين أوصوا بضرورة العودة للأقاليم القائمة قبل انقلاب الجبهة الاسلامية القومية في يونيو 89 ، لا نريد ان تضيع وقت في مثل هذه الرؤى الواضحة .. هذه بعض من طبع هؤلاء القادة ، والطبع يغلب على التطبع.

سابعا: جميل أن تشرّع الوثيقة لمحاكمة منتهكي حقوق الإنسان والمفسدين ومبددي المال العام ، ولكن لماذا تعفي سارقي السلطة وناهبي إدارة الشعب والمفرطون في تحمل المسئولية؟ صحيح الماسك القلم ما بكتب نفسو شقي!

ثامنا: حسبما ما ورد في البند 9 من الوثيقة ، تعتبر الكفاءة معياراً لتولى قيادة مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية ، كيف يتنافس الذين شردتهم وفصلتهم نظام الإنقاذ طيلة ربع قرن مع منسوبيه الذين اكتسبوا الخبرات العملية ونالوا المؤهلات العلمية على حساب قوت الشعب؟ هل عدم دستورية قانون العزل السياسي المصري تسرى علينا ضمنياً في السودان؟ لم تشهد مصر حملات الصالح العام ، ولم تكو القبلية عنصراً اساسيا في التوظيف ، لذا حسب رأيي من العدل و الإنصاف أن تتاح فرصة مماثلة لضحايا الإنقاذ ومن ثم تترك ساحة المنافسة للخدمة المدنية للجميع.

تاسعا: لا ادري كيف تمكّن حكومة الفترة الانتقالية النساء اقتصاديا وفي الوقت نفسه تنادي بمساواتهن بالرجال؟ هل تملكهن وسائل الإنتاج أم تسهل عليهن اعتلاء إدارات مؤسسات قطاعات إنتاجية على حساب الرجال ، في رائي هذا كلام "ساكت"

عاشرا : البند 18 من الوثيقة تعتبر عدد السكان احدى معايير الأولوية التنموية ، وعليه ستنال العاصمة المثلثة نصيب الأسد من ميزانيات التنمية ، ومن رأينا لابد من قانون للعزل التنموي لمدة عشر سنوات على الأقل ، تتنازل بموجبها المدن الكبيرة لصالح الريف ، وهو ما عمل به في إندونيسيا واليابان ، وثمرة مثل هذه التشريعات فقد بدأت الهجرة العكسية في هاتين الدولتين من المدن إلى الريف .. ليس من المنطق أن نقول لمواطني البحر الأحمر لديكم خمسون مستشفى في بورتسودان ، أذهبوا إليها للعلاج من السل والدرن ،  ومن غير المعقول أن نقول لمواطن في امدافوق ، مدارس نيالا فاضية خذ أبنك إليها.

11. البند 19 أغفلت "كلمة" شاملة في تنظيم الانتخابات ، والكل يتذكر كيف اثر استثناء جنوب السودان في الانتخابات الديمقراطية الثالثة ، ولا أظن أن رئيس وزراء تلك الفترة قد نسى ما قاله له د. جون قرنق بخصوص ذلك الاستثناء ، ولا اعتقد أن كلمة شاملة قد سقطت سهواً لان مطلوباتها قد لا تروق لهذه القيادات المهرولة للسطلة ، ويكون من الخطأ المكرر إجراء انتخابات قبل إيجاد الحلول للقضايا محل النزاع الحالي.

12. قد تطول الفترة الانتقالية ، فلماذا آثر معدو الوثيقة عدم التطرق للأراضي السودانية المحتلة من قبل دول الجوار؟

13. طالب موقعي الوثيقة الاشقاء والاسرة الدولية الدعم الفوري  بإجراءات اهمها : الغاء العقوبات، واعفاء الدين الخارجي، والدعم التنمـوي للسلام والتحول الديمقراطي في السودان والدعم المستحق وفـقا للاتفاقيات الدولية .

إلغاء الدين الخارجي لا خلاف عليه ، لكن إلغاء العقوبات الحالية المفروضة على النظام بسبب ما اغترفت يداه من انتهاكات ، قصد منها تحجيم قدراته العسكرية والقمعية ، ولا أظن اعفائها من هذه العقوبات تعود بفائدة للمواطن ، ولذا قد يكون هذا الطلب ملغوم دسه حلفاء النظام المندسين وسط جوقة الموقعين ، ثم كيف يدعمونكم الراغبون في ذلك إن أرادوا ، وعن أي اتفاقيات دولية تتحدثون؟

نكتفي بهذه الأجزاء التي تعتبر من وجهة نظرنا كعب اخيل في جسم الوثيقة ، وإن كانوا جادين ، عليهم إعادة صياغتها ، وتوجيه دعوة لينة للفصائل المسلحة ، والتامين على ريادة الشباب في المرحلة المقبلة.

ليست هناك تعليقات: