الخميس، صفر 11، 1433

الإمام متناقض أم العقيد عاق؟

الإمام متناقض أم العقيد عاق؟
في عالم السياسية من تتبدل أطروحاته وتتلون شعاراته فهو براغماتي، ومن تتقاطع أقواله مع افعاله فهو منافق سياسي، ليس مهماً مبررات التناقض ووجاهة الإزدواجيه، ومن الخطأ أن يظن المرء أنه على صواب أن لم ينتقد تصرفاته احد فالصمت ليس رضا مطلقا، والعقلاء وحدهم ينظرون لحُجج المناوين لهم بعقول مفتوحة

وفي المشهد السياسي السوداني هنالك زعمات إن عطست في الهواء الطلق تصيب عموم الشعب بالزكام مهما اُتخذت من تحوطات صحية لازمة ذلك أن تداعيات تصرفاتهم لم تقتصر على مصير تنظيماتهم فحسب، على رأس هذه القائمة السيد الصادق المهدي رئيس حزب الأمة القومي وإمام الأنصار والذي يعتبر رمزاً من الرموز الديمقراطية في الساحة الوطنية والإقليمية، إنتكاسه هذا الزعيم في أطروحاته المرفوعة لعقود من الزمان بجد مخيب للآمال ومحبط لمعاني الصمود على المبدأ وتشكيك فيما ظل يبشر به أن الديمقراطية عائده وراجحه.

إن كان الإمام المهدي كغيره من الزعماء السودانيين لما لامه احد، لكنه من فرط حديثه عن الديمقراطية اصبح نصو لها ولكن خلال مسيرته السياسية والفكرية الطويلة سقطت الكثير من أطروحاته ومع كل سقطة له تبريراته التي لا يجادله فيها احد لأنه حفيد المهدي وصنيعة اوكسفورد. ما نحن بصدده هنا ادعائه إمتعاض الشمولية وامتناعه المشاركة في أية حكومة غير منتخبه إلا في إطار قومي، نحاول جهدنا تناول ما يخص الرأي العام في هذا الشأن، مثل هذه الشعارات التي تستلزم النفس الطويل الزام الامام بها مؤسسات حزبه وإستثنى منها أهل بيته مؤخراً دون أن ترف له جفن، لدرجه اصبحت خدمة أبناء وبنات الامام نظام الإنقاذ ظاهرة لها عدة اوجه من منظور الشارع السياسي.

بالنسبة لقطاع واسع من الشعب السوداني يعتبر موافقة الامام الصادق المهدي لأبنائه بالمشاركة في خدمة نظام الإنقاذ الشمولي وحزب المؤتمر الوطني الدموي بطرق مباشرة وغير مباشرة تصدع كبير في جدار أطروحاته ونسف صريح لمصداقيته لجهة أن المرء دائماً يسعى ويتمنى أن يكون أبناؤه افضل منه، والأب الصالح قد لا يعجزه المنطق في إقناع اهل بيته أن مثُل لهم القدوة الحسنة، وإن عجز تمنى لهم الأواب وليس التوفيق في مسيرتهم البائنة الخطل ، ولكن هنالك من الآباء من يربك الأنباء بالطرح الهلامي.

إن جاءت مشاركة أبنه العقيد بموافقته فهو يمثله شخصياً بشكل او بآخر، وإن كانت بدونها فالعقيد عاق سياساً لا محالة، والقرائن تشير إلى أن ابن الزعيم باراً سياساً بوالده الإمام الذي تولي مهام الدفاع عنه حتى قبل أدائه القسم لتولي منصب يعلم الجهلة أنه اجوف، والغاية منه النيل والتشويش على صمود ومجاهدات جماهير حزب الأمة العريضة وتندرج تحت حيل النظام في إستهداف التنظيمات الوطنية العريقة والإمام نفسه لم يتوقف لحظة عن التنبه لمثل هذه الحيل حتى بعد تنصيب أبنه الفارس العقيد.

وقد شهدت شاهدة من أهل بيت الإمام وهي كريمته الصحافية رباح على هكذا أمور لا تتم دون موافقته حيث اوردت ضمن مرافعاتها المستميتة في مقالها (الحكومة العريضة والعهد الماسي لوحدة الحجب) “لكن المؤتمر الوطني استغل إقتناع العقيد عبدالرحمن الصادق المهدي القيادي السابق بالحزب بترفيعه في منصب سيادي ليقوم بمهمة مستحيلة للجسر بين الشمال والجنوب في زمان تضرب فيه طبول الحرب! اقول: استغل اقتناعه القديم، وموافقة والده على تنصيبه كضابط” إنتهى الإقتباس

والشاهد هنا أن العقيد ما كان له قبول (تنصيبه) ضابطاً بدون موافقة والده وعليه ليس من الجائز أن يتم ذلك بالنسبة للمنصب السيادي، وإن كان الإمام لا يزال عند عهده في النفور من الشمولية ورفض منحهم الوظيفية، لقال لأبنه العقيد يا بُني اصبر معنا ولا تكن من الجاحدين، كذلك في هذا المسلك نسف للممارسة الديمقراطية المزعومة داخل اسوار بيت الأمام لجهة أن الديمقراطية لا تشترط الموافقة الأبوية، والقول عاليه أيضا يعتبر دليل فشل الإمام في تحصين أبنائه من الإستغلال الشمولي.

ومما يمكن إستنتاجه من هذه النكسة السياسية أن الإمام وأبنائه قد يأسوا من عودة الديمقراطية وأضناهم الصبر بعيداً عن السطلة، وقدروا تقسيم الأدوار، فريق يلحق بقطار الإنقاذ رغم نتانته والفريق الآخر ينتظر قطار المعارضة، وإن غرقت سفينة الإنقاذ فإن إستعادة المناصب القيادية بالحزب أمر مقدور عليه، وبهذه المعادلة فلن يضير الإمام إن غار الإنقاذ ام إستمر، فقد أمن شر أجهزته وضمن مستقبل أبناءه، وإذا سلمنا أن مجرد “التايتل” العائلي الذي يحمله العقيد كفيل للجسر بين الشمال والجنوب في زمان تضرب فيه طبول الحرب ، فالامام ملام من الشعب السوداني وكان عليه الإلتحاق هو شخصياً بنظام الإنقاذ منذ زمن لمنع إنفصال الجنوب في زمن تعزف فيه أناشيد السلام، حينها بالقطع لم يلتفت احد لسقوط شعاراته.

وثمة تفسير آخر فحواه أن أبناء الإمام هم اصحاب سمو وأن شعاراته المرفوعة تعني العوام من افراد الشعب السوداني وليس الخواص من افراد عائلته الكريمة، وثمة قرائن عديدة معلومة للشعب السوداني لا مجال لذكرها تشير إلى أن تضحيات الغبش وأبناء الهامش ليست محل إعتبار لدى الإمام وأبناءه وإن مشاركة العقيد في نظام الإبادة الجماعية تتسق إلى حد ما مع مواقف مشابه لوالده ومن قلد والده ما ظلم.

ومن الجائز أن الإمام قد قنع من اصوات اهل الهامش وزهد في دوائرهم الإنتخابية في ظل تبلور تكتلاتهم الثورية؟ أم أنه لا يزال يراهن على إمامته للأنصار وقداسه جده الإمام الأكبر، أم يعتقد أن الناس لا يزالون يجهلون ما يقوله ويفعله ود المهدي كما كان في السابق؟ أم نسى أن لكل زمان رجال ولكل واوان قواميس؟

كيف يكون الحال إن أوعز كافة المناهضون للأنظمة الشمولية لأبنائهم المشاركة في نظام الإنقاذ ليظل الآباء يلكون السياسية من منازلهم ويتظاهرون بكُره الدكتاتورية؟ لا احد ينتظر من في فهمه ماء أن يتحدث حديثاً مفهوماً عن المبادئ السمحة والقيم الرفيعة وعلى الأجيال الصاعدة البحث عن المُثل العليا دون تجسيدها في شخوص قلوبها بين اصبعي الرحمن يقلبها كيف يشاء.

على الأجح أن إنجرار أبناء الأمام وراء رغباتهم الشخصية وإتباع نزواتهم الذاتية سيهد أمجاده السياسية والفكرية على غرار ما جنى أبناء زعماء وقادة في المحيط الإقليمي على آبائهم طالما أنهم رضوا لأنفسهم خدمة القتلة والفاسدين بمباركة والدهم.

آفاق جديدة/ لندن


ليست هناك تعليقات: