الاثنين، صفر 06، 1432

كم تحت ثوب الزهد من صياد

كم تحت ثوب الزهد من صياد
خلاصة ما تصل إليه الحكماء بشأن السلامة النفسية من الصدمات والعقلية من الإندهاش المفرط الذي قد يلحق الإنسان بالرفيق الأعلى جراء تصرفات البشر أفرادا وجماعات هو أن يهيئ الإنسان نفسه دائما لما هو غير متوقع وألا يستغرب أي شي من أي كائن من كان، وهذا ما يعتقده الكثيرين السر وراء برود سلاسة أنجلو ساكسون خلافاً للإعتقاد السائد أن هذه المسألة طبع وليس تطبع.
سبب هذه (الرمية) الإنقلاب على المواقف المعلنة من قبل حركة التحرير والعدالة وما أحدثه من ركبة وسط الذين بنوا عليها الآمال العراض، مواقف الحركة المعلنة التي لا تزال صداها تدوي في آذان الذين شهدوا ندواتها المجلجلة قبل أسابيع قلائل، هذا الإنقلاب المفاجئ كاد أن يفجر لنا شرايين لولا التجديد المستمر للحصانة النفسية، والآن بعد وضع المسألة في إطار السلوك الإنساني والتسليم بأنه أمر عادي فلنذهب للمستر why? بحثا عن تفاسير للحدث.

الموقف المعلن من قبل الحركة هي أن قادتها الأماجد ومن تلقاء أنفسهم وضعوا خطوط حمراء في مسارها التفاوضي، وإلتزموا أمام الرأي العام أنهم لم ولن يتجاوزوها بأية حال من الأحوال، أولى هذه الخطوط مسألة الإقليم الواحد الموحد، فقد أسرف السيد رئيس الحركة وأمينها العام في هذه المسألة وأسهبا في شرح مبرراتهم مستوضحين أن ما يتم التوصل إليه لا يكمن تنفيذه دون أن يكون الإقليم موحدا، خاصة في الجوانب الأمنية وإذا بهما في أولى مسودات الإتفاق تجاوزا هذا الخط الأحمر السميك تاركينها وراء ظهريهما!!!

لو كانت قيادات الحركة مستجدة سياسة او حديثي عهد بتاكتيكات التفاوض لإلتمسنا لهم العذر، بيد أنهم يدركون تماتماً انه ليس بإمكانهم الحصول على كلما يطالبون به ولابد من تنازلات يعلمون حدودها ومع ذلك يضعون خطوط حمراء يدركون أنهم قد يتجاوزنها، وبما ذلك كذلك فإن المسألة في تقديرنا ليس لها تفسير سواء تعمد تضليل الرأي العام بغرض تلميع صورة الحركة مؤقتاً، الأمر الثاني والذي كنا نعتقد أن العقل الجمعي لقيادات الحركة أذكى من قبول تكرار سيناريو إتفاق أبوجا الآحادي، وأن الزهد البائن لدى بعض هذه القيادات عن المكاسب الذاتية لهى ضامنة لإشتراط إشراك الأغلبية الثورية على أقل تقدير في إي إتفاق مستقبلي، وأنهم ليسوا إقصائيون يعترفون بوجود الآخرين كثوار اصلاء وطلاب حق على قدم المساواة.

كنا نحسب أن قادة حركة التحرير والعدالة حرصاء وعقلاء بما فيه الكفاية وأنهم في غنً عما يذكرهم بأن قضية دارفور أكبر وأعقد من ان تحلها حركة مهما أوتيت من مقبولية ثورية أو حنكة سياسية ذلك أن مكر المؤتمر الوطني قائم في الأساس على تناقضات الثوار وبُعد الشُقة بين قادتها، كما كنا نعتقد ان قيادة الحركة تعي أنها تكونت في ظرف حرج للغاية والقضية لا تحتمل أية إنتكاسة اخرى سواءاً في مسار التفاوض او توحيد الحركات ونحسب أن مثل هذه (الإنبطاحات) المفاجئة بلا شك ستحدث تصدع في مظلتها الوارفة، وأن الإنحراف عن جادة القضية نتيجتها كارثي على إنسان الإقليم فقد أعادت إتفاق أبوجا الآحادي القضية القهقري سنوات عددا.

حقيقة قد كانت قاسية للغاية أن تسقط هذه الإعتبارات جملة واحدة من قولة (تيت) فالحركة لم تبلغ عمرها الحول، ولم تطلق رصاصة واحدة في وجه النظام الغاشم والذي نفض يده من التفاوض وخسر الوساطة، وكان الأجدر بالحركة أن تكتفي بهذا النصر المؤذر والعودة إلى جماهيرها ملوحة بشارات الإنتصار وإرغام النظام على الهروب بيد أنها بدلاً من ذلك آثرت الهرولة خلف النظام لتقد قميصه من دبر وفي هذا عار، والآن الحركة في موضع إتهام بأن قادتها يتهافتون على توقيع إتفاق، أية إتفاق كغاية في ذاتها وان هذا الإنكسار المفاجئ غير مهضوم البته ولكن كما يقولون الغرض مرض. ذكر لي زميل ناشط أثق به أن احد منسوبي الحركة قدم له عرض الإنضمام إليها وقد آثر التريث، فقال له يا فلان أنت كبرت ولازم تعود للسودان لكي ترتاح، هذا الأخ في عمر أبناء بعض قادة الحركة، وقتها لم أكترث كيثراً لحديثه معتبراً أنها قد تمثل إجتهاد فردي من منسوب الحركة لكن هذه الرواية قفزت إلى مخيلتي مجددا على أنها لست برئية تماماً.

الحركة لم تقرأ التحولات الجمة التي طرأت على الساحة السياسية الداخلية والإقليمية والدولية، فقد أجتمعت كافة قوى المعارضة السودانية المدنية منها والثورية على ضرورة الإطاحة بالنظام وإعتزمت ذلك خاصة أن التنظيمات الوطنية الكبيرة بدأت تعيد توحيدها، كما توحدت معظم الحركات والفصائل المؤثرة ميدانياً ضد النظام في معركة دارالسلام مؤخراً، ونقعت السلطات إتفاق أبوجا في الماء و إستعداد دولة الجنوب لإحتضان الثوار في القريب العاجل هذا على السرح الداخلي، اما الصعيد الإقليمي لم يقرأ قادة الحركة التحول في موقف دولة قطر وهي العارفة ببواطن الأمور والذي نتج عنه حجب موقع صحيفة الراية القطرية بالسودان وهي الناطقة الرسمية للدولة، والتحول في الموقف المصري والمتمثل في وصف رئيس مؤسسة الأهرام الرسيمة السيد عبدالمنعم سعيد بأن حكام السودان هم أخوان مسلمون ويشكلون خطراً على أمن دول الجوار، وإعتذار الزعيم معمر القذافي عن مشاركة رأس النظام في القمة الأخيرة المنعقدة بطرابلس والشي نفسه فعله رئيس جمهورية افريقيا الوسطى، تغفل قيادة الحركة عن كل هذه المتغيرات وتستعجل إعلان موافقتها على مسودة أتفاق باهتة في معظم جوانبها اللهم صلاحيات سن القوانين للمجلس التشريعي الإقليمي وهي من النقاط الهامة وقد تتحفظ عليها وفد النظام.

في أعتقادنا أن أهمية منح صلاحيات سن القوانين للجهاز التشريعي الأقليمي في كلما يمس إنسان الإقليم مباشرة تكمن في أنها تحرر السلطة الإقليمية من ربق المركز وترفع يده الثقيلة عن كاهل إنسانه، صلاحيات لا تشكل خطراً على بقاء الإقليم ضمن السودان الموحد، صلاحيات تمكن إعادة هندسة الوضع الأمني المتردي لتناسب خصوصيات مكونات الإقليم وتسمح بإعادة ترتيب أولوياتها التنموية وتهتم بترسيخ تراثها الإنساني الراسخ ....ألخ.

يحق لنا أن نتساءل عن التنازلات المقدمة من قبل الوفد الحكومي؟ طالما انه متحفظ على منصب نائب الرئيس والجمع بينه ورئيس السلطة الإقليمية الإنتقالية وآليات المحاكمات والصلاحيات التشريعية، هل قبوله بملياري دولارر بدلاً عن 700 مليون يعتبر تنازلاً جوهرياً يستحق توقيع إتفاق معه؟ عندما إندلعت الثورة التعويضعات ليس من ضمن أجندتها رغم أهميتها كإفراز لها، ولم تكن المطالبة بتقسيم الثورة بأثر رجعي ضمن المطالب المعلنة، ومع هذا ليس مستبعداً ان يماطل النظام ويراوغ في سداده بعد فقدانه 70% من إيراداته بسب أيلوية حقوق النفط لدولة الجنوب.

خلال إفادات رئيس حركة التحرير والعدالة لنواب دارفور بالدوحة قبيل إعلان موافقتهم على مقترح الوساطة طمأنهم على إستمرار الهيكلية القائمة الآن من ولاه ومجالس تشريعية وهنا لنا ان نتساءل إذا لم يتم تغيير هيكلية الدولة خاصة في الإقليم محل النزاع كيف يمكن إحداث تغيير جذري من شأنه حل القضية؟ هل لدى رئيس حركة التحرير والعدالة الإعتقاد بان حكام الولايات الثلاث الجالسون على مناصبهم الآن بشرعية (الخج) سيخلصون للسلطة الثورية الإنتقالية؟ أم أنهم يوالون النظام الذي يوفر لهم الحماية من المساءلة الجنائية على التهم المنسوبة ضد بعضهم ضمن الجرائم المرتكبة من قبل النظام في حق إنسان اللإقليم. سيما وانهم القائمون على السلطات التنفيذية بهذه الويالات ، في إعتقادنا، الكلام (النجيض) ليس هنالك حل لمشكلة الإقليم في وجود كبر وجفعر عبد الحكم بل انهما من المنتظر أن يمثلا أول الماثلين للمحاكم الجنائية، ملامح الإتفاق المرتقب هو تطبيع وتسكين مع النظام القائم دون تغيير جوهري.

من آل للسقوط لا شي يعصمه من الوصول إلى قاع الهاوية، ولكن نتمى من كل قلبنا أن يراجع الأخوة قادة حركة التحرير والعدالة موقفهم من صيغة الإتفاق برمته والرجوع إلى ما وراء الخطوط الحمراء التي وضعوها، أحتراماً لأنفسهم والرأي العام الذي إستمع إليهم ومملثي منظمات المجتمع المدني الدارفوري الذي أمن على هذه الثوابت، ورفض مبدء تكرار التوقيع الآحادي وأخذ المبادرة للتشاور مع الآخرين وفي ذلك منعة لها، اما أن أصروا على موقفهم فعلى الأرجح أن النظام لم يوافق على المقترح رغم عدم عدالة مضمونه وفي هذه الحالة لم تحصل الحركة على مبتغاه في الإنفراد بالتوقيع وقد خسرت الرأي العام والمتعاطفين معها بتفريطها في مصداقيتها، كما نأمل أن تتجاوزهم الأحداث أن همو وضعوا أصابهم في آذانهم حذر الموت. الأمل معقود على هامات الثوار الصناديد مفجري الثورة والذين ممفكوا قابضين على جمر القضية.
إياك ان تغتر بالزهاد كم تحت ثوب الزهد من صياد
Ibrahimbasham@yahoo.com
Http://www.ibrahimbasham.blogspot.com/

ليست هناك تعليقات: