الأربعاء، رمضان 08، 1431

حوار شامل مع د. منصور المستشار الإقتصادي والقيادي المصادم بحزب الحزب الأمة

حوار شامل مع د. منصور المستشار الإقتصادي والقيادي المصادم بحزب الحزب الأمة

· البيان الاول لنظام مايو كفل تعبئة العمل المعارض بمشاعر المصادمة بكافة الوسائل.
· بلغت المحاولات الإنقلابية لنظام مايو خمس وعشرين محاولة.
· إنقلاب حسن حسين تنصلت عنه بعض القيادات، ووصفت الحركة زورا وبهتانا بالعنصرية.
· خطة خروج الشهيد عباس برشم لم تكن من تخطيط ولا مسؤلية حزب الأمة، وإعتقاله تم بالصدفة.
· ابو القاسم م. إبراهيم يرغي بالسباب بألفاظ عنصرية لحظة إعتقال وإعدام الشهيد برشم.
· جبهة الميثاق جيّرت مصالحة 77 لصالحها بينما إصتدم حزب الامة بالكثير من العقبات.
· د. بشير عمر عفوي فى تعامله مع الناس وصارم فوق ما إعتاد عليه السودانيون.
· ليس بمستبعد أن يفاجأ الشعب السودانى بهبة طلابية تحت ظرف سياسى معين.

الدكتور محمد أحمد منصور نائب أمين المهجر وعضو الهيئة المركزية العليا بحزب الأمة القومي كادر مصادم وقيادي جسور، مزج التحصيل العلمي والخبرة الإكاديمية بالممارسة السياسية المتراكمة، رجل إستطاع الإحتفاظ بحرارة الشخصية السودانية الأصلية وحفاوة إنسان كردفان الشهم رغم طول بقائه وسط برودة المجتمع الإنجليزي بشكل عام، من مواليد ابوزبد بشمال كردفان، درس الإقتصاد بجامعة الخرطوم، ونال الماجستر (إقتصاد زراعي) والدكتوراة (تسويق) من جامعة ليدز بالمملكة المتحدة، ترأس قسم العلوم الإدارية بجامعة إم درمان الإسلامية، كما عمل مديراً للمكتب التنفيذى لوزارة المالية – بالانتداب خلال الديمقراطية الثالثة، وباحثا ومحاضراً بجامعة ويلز بالمملكة المتحدة والآن يعمل مستشاراً إقتصادياً بلندن، شارك في إنتفاضة شعبان 1973 وحركة المقدم حسن حسين وإنقلاب محمد نور سعد، أجرينا معه حواراً شاملاً وساخناً رد خلاله بإجابات لا تنقصها الصراحة عن تساؤلات ظلت تدور في أذهان الكثيرين، منها ما تتعلق بالمواقف والشأن التنظيمي لحزب الأمة القومي، ومنها إيضاحات لإستفهامات ظلت منتصبة فوق الساحة السياسية دون الحصول على إجابات شافية، وهذه الحلقة من الحوار توثيق لأحداث راسخة في الذاكرة السياسية للشعب السودانى شارك د. منصور بفاعلية في صناعتها.
· د. منصور أنت مصنف ضمن قيادات مواجهة الدكتاتوريات بحزب الأمة، صف لنا آليات التعبئة وطبيعة المقاومة للنظام المايوي.
قدر السودان أن عايش ثلاثة أنظمة شمولية تفاوتت فيها حدة المواجهة بين هذه الانظمة والتنظيمات السياسية والشخصيات الوطنية، ففي ظل نظام نوفمبر(1958-1964) كان العمل المعارض سلميا الى حد ما ولم تحدث مواجهات دامية إلا المواجهة الفاصلة التى سقط فيها العديد من الشهداء وتوجت بثورة أكتوبر المجيدة، أما العهد الشمولى الثانى وهو نظام مايو (1969-1985) فمنذ البداية جاء باجندة إقصائية معززة بتوجه يساري واضح وكان الشعار السياسى البارز الذى تبناه النظام المستبد هو (لكى نعرف أعداء الشعب) - برنامج يبث فى تمام الساعة الثالثة بعد الظهر كل يوم ويسترسل البرنامج فى شرح هذا الشعار بصوت إذاعي جهور قائلا: "إن أحزاب الأمة والإتحادى الديمقراطى وربائبهم من الاخوان المسلمين هم أعداء الشعب" ولعله من الواضح من هذا القول أن أحزابا أخرى بعينها مستثناه من هذا النعت البغيض (أعداء الشعب) ويمكن للقارىء أن يستنتج ما هى هذه الأحزاب المستثناه، وبما أن البيان الاول لنظام مايو الانقلابي كان قد حمل قرارت حل الاحزاب والنقابات والاتحادات الطلابية فضلا عن قرارات لاحقة مثل التأميم والمصادرة والفصل للصالح العام، كل هذه الاجراءات مجتمعة أو بعض منها كان كفيلا بتعبئة العمل المعارض بمشاعر المصادمة بكل الوسائل السلمية وغير السلمية.
وكان حزب الامة وكيان الانصار أول التنظيمات التى رفعت شعار المقاومة منذ الوهلة الاولى خاصة وان بعض مساعي التهدئة والتوفيق السياسي التى قادتها شخيصات عسكرية و مدنية فى الاسابيع الاولى للانقلاب كانت قد إصتدمت بصخرة تعنت النظام الانقلابى، لهذا فقد ظلت طبيعة العمل المعارض للنظام المايوى تصادمية منذ الشهور الاولى للانقلاب، حيث لم يمضي أقل من عام حتى وقعت المواجهات الدامية بين الأنصار ومنسوبي حزب الأمة والنظام الانقلابي فى ودنوباوى والجزيرة أبا، ثم إنتفاضة شعبان 1973، وسبتمبر 1975، ويوليو 1976، هذا بالاضافة الى عشرات المحاولات الانقلابية والتى ذكر بعض المراقبين أنها قد بلغت خمسا وعشرين محاولة بعضها لم يتعدى مرحلة التخطيط وبعضها أخمد بعد مواجهات دامية، إذا من الممكن أن نصف الحقبة المايوية بأنها حقبة ذات طبيعة تصادمية بين المعارضة والنظام الشمولى، وفى مثل هذا المناخ السياسى المشحون كان من الطبيعى أن يكون القطاع الطلابى والكوادر الحزبية فى طليعة النضال ضد الدكتاتورية.

· ما هي المواقف والأحداث التي شاركت فيها فعلياً؟
كنا عند إنقلاب مايو على أعتاب السنة الثانية بجامعة الخرطوم وتصادف أن كنا نسكن فى غرفة واحدة (غرفة 30) بداخلية القرشي مع الاخ الحبيب د بشير عمر وهو زميلي فى فصل واحد خلال الأربع سنوات بمدرسة خورطقت الثانوية، هذه السكنى هيأت لكوادر حزب الامة مقرا آمنا لإصدار صحيفة الحزب بالجامعة (صوت الأمة) وإصدار البيانات ضد النظام وتكررت التجربة عندما إنتقلنا لداخلية الرهد (الغرفة 12) بالسنة الرابعة الجامعية، وكان زملائى فى السكن هذه المرة هم المرحوم الصادق بله محمد القيادى المصادم بحزب الامة والاحباب تاور الضو حماد وابراهيم ابوعيد وكليهما من كوادر الحزب النشطة فى مناهضة الدكاتورية، من هذه الغرفة أيضا كان تصدر الصحيفة وتصدر المنشورات وكانت مركز التواصل ما بين قيادات الحزب خارج الجامعة مع الكوادر الطلابية، حيث كنا نستقبل الاحباب الامير الحاج نقدالله شفاه الله والمرحوم عمر الشهيد والاحباب محمود أبشر ومنصور مصطفى أحمد وعبداللطيف الطاهر الجميعابى حيث كان التنسيق الكامل بين التحرك المعارض خارج الجامعة وبداخلها، عند أحداث الجزيرة أبا تم إعتقال الحبيب المرحوم الصادق بله محمد والزهاوى ابراهيم مالك ولم تطالنا يد جلاوزة السلطان لسبب أو لآخر.
أنتفاضة شعبان 1973 كانت بعد تخرجنا فى الجامعة والتحاقنا بالخدمة المدنية وقد تصادف أن كنت فى أول مأمورية رسمية لى خارج الخرطوم لمدة ثلاثة أشهر وقد كنت على إتصال مع كوادر حزب الامة بمدينة سنار وعندما اندلعت الانتفاضة كان تحركنا مكشوفا وسط طلاب المدارس الثانوية والتى كانت على تنسيق مع فعاليات الخرطوم فتم إعتقالي بمدينة سنار ولكن أطلق سراحى بعد اسبوع واحد – وربما كان للعم المرحوم الأنصارى المصادم احمد العبيد صالح قطب الحزب ووكيل الامام دور فى عدم ترحيلى الى الخرطوم بل وواصلت المأمورية الرسمية وكأن شيئا لم يكن.
إنتفاضة الجمعة 5 سبتمبر 1975 والتى وصفت زورا وبهتانا بالمؤامرة العنصرية وتنصلت عنها بعض القيادات السياسية خوفا من بطش النظام، كانت ثورة جامعة للعديد من ألوان الطيف السياسى ولهدف أوحد وهو استرداد الديمقراطية والتعددية والحريات العامة.

· أذكر لنا قيادات هذه الإنتفاضة من حزب الأمة.
من الأعمدة الفقرية لهذه الهبة الوطنية أصدقاء وزملاء دراسة بعضهم بمثابة الاخ الشقيق منهم الشهيد البطل عباس برشم فرح والشهيد النقيب حماد الأحيمر والشهيد الملازم عبدالرحمن شامبى نواى والشهيد رقيب أول الشفيع عجبنا والاخ مولانا القاضى عبدالرحمن إدريس وكما يعلم الجميع فان للحبيب العم بكرى أحمد عديل دور بارز فى هذا العمل النضالى. كان من رأى الحبيب الشهيد عباس برشم أن طبيعة التحرك المخطط له لا يحتمل وجود عدد كبير من المدنيين (ربما كان ذلك تحفظا من العسكريين المشاركين فى التحرك) ولكن من لهم علم بما يجرى يمكنهم المساعدة ماديا أو حسبما يطلب منهم.

· كيف تم إعتقال الشهيد عباس برشم؟
بعد فشل الانتفاضة بساعات حضر الىّ الشهيد البطل عباس برشم بالمنزل الذى كنت أسكنه (الخرطوم 3) وعلمت منه كل ما حدث، طلب منى الذهاب الى أم درمان لإحضار جواز السفر الخاص به وكذالك مبلغ نقدي لا يتعدى المائة وخمسون جنيها، ذهبت الى حيث هذه الأغراض الشخصية وعندها أصر الشخص الذى توجد بمنزله هذه الاغراض أن يذهب معى لإبلاغه بأمر هام أصطحبته معى لأنه ابن عمه بل وهو الشخص الذى أقمنا إحتفالا تمويهيا بمنزله مساء الخميس 4 سبتمبر وبحضور الحبيب عبدالرسول النور على أساس أن الشهيد كان ينوي المغادرة الى مصر صبيحة اليوم التالى وكان هذا معلوما لسلطات الأمن، وفى قصة الشهيد مع جهاز أمن السفاح قصة تستحق أن تروى لولا ضيق المساحة، وصلنا الى منزلي بصحبة ابن عم الشهيد وعندها أخبرنا بأن النقيب حماد الأحيمر قد استشهد قرب الاذاعة بامدرمان، من الصعب أن يستطيع المرء وصف حالة الشهيد عندها وعلى العموم أقنعناه بالبقاء بالمنزل حتى حلول الظلام ثم المغادرة خارج السودان عن طريق الشرق، وعند حلول الظلام استغل سيارة أجرة بنية للوصول الى منطقة سوبا بعد أن بدلت له ثيابه الافرنجية (بنطال رمادى وفانلة رمادية ايضا) بجلباب وعمامة، ما حدث بعد ذلك هو أنه وبعد مغادرته بعربة الاجره ذهب الى منزل بالفتيحاب يسكنه عدد من (العزابة) من أبناء الكاركو وظل هناك لمدة شهر كامل بينما كانت صوره تملأ صفحات الصحف اليومية والاذاعة تصدر النداء تلو النداء بالقبض على الهاربين، ما حدث بعد ذلك هو أن نشب شجار عند الغروب بين أبناء الكاركو ومجموعة من أبناء الفتيحاب بالسوق المجاور للمنزل وتدخلت الشرطة وذهبت الى المنزل الذى كان يختبىء فيه الشهيد للقبض على من شاركوا فى الشجار وعندها تم اكتشاف وجوده هناك.

· هل هذا يعنى أن الشهيد عباس برشم غير الخطة وأنكم في الحزب لا تعلمون بتواجده بالفتيحاب؟
كما ذكرت فى إجابة سابقة عن دور الاحزاب فى إنتفاضة 5 سبتمبر 1975 فقد كانت هناك عناصر عسكرية غير منتمية حزبيا لها تحفظات فى إشتراك الاحزاب بهيئاتها الاعتبارية ولكن لا مانع لديهم من اشتراك قيادات وكوادر من الاحزاب يثق فيها المشاركون الاساسيون فى الحركة، فمثلا كان هناك من المدنيين مولانا القاضى عبدالرحمن إدريس وهو وإن كان من قيادات الاخوان المسلمين إبان المرحلة الثانوية الا أنه قد تخلى عنهم لاحقا وأسس الجبهة القومية السودانية وكان مشاركا فى الانقلاب على هذا الاساس، كما أن معظم العسكريين لم تكن لهم إنتماءات سياسية واضحة وعلى رأسهم الشهداء: مقدم حسن حسين عثمان (قائد لإنتفاضة) والرائد حامد فتح الله (وهو من شندى) والنقيب طيار القاسم محمد هرون، وآخرين كثر من العسكريين من غير ذوي الانتماءات الحزبية بحيث تكتسب الانتفاضة بعدها القومي وقد كانت كذلك وبعكس ما وصفها به النظام المايوى المباد بأنها حركة عنصرية، من هنا يتضح أن تأمين المشاركين من منسوبى حزب الامة لم يكن من مسؤلية الحزب كتنظيم وبالتالى فإن الخطة التى وضعت ابتداءا لخروج الشهيد عباس برشم لم تكن من تخطيط ولا مسؤلية الحزب وإنما مسؤلية أفراد، عليه أقول فى إجابتى على السؤال – نعم لم نكن على علم (على الاقل شخصى الضعيف لم يكن على علم) بوجود الشهيد بمنطقة الفتيحاب إلا بعد إعتقاله.

· ماذا حدث لك شخصيا كقيادي لصيق بالشهيد برشم؟
بالنسبة لشخصى فقد تم إحتجازي بمباني الأمن العام بالخرطوم شرق لمدة اسبوعين للتحقيق معي حول مكان الشهيد وكنت أجيب بانني لم أره منذ ان حضرت حفل وداعه للمغادرة الى مصر فلم يجدوا بدا من إطلاق سراحي بعد عدة استجوابات تكررت فيها نفس الاجابة.

· هل هذه آخر مرة تعتقل فيها؟
كلا، الإعتقال الثالث كان فى يوليو 1976 وقبل ساعات من ساعة الصفر للانتفاضة، وليوليو 1976 قصة طويلة ليس هذا مقامها وعموما ما حدث هو أن تمت محاكمتنا فى محكمة عسكرية بالقيادة العامة وقضينا ثلاثة عشرة شهرا ما بين سجن كوبر وحلفا الجديدة الى أن أطلق سراحنا يوم 8/8/1977 بعد المصالحة.

· من هم قيادات إنتفاضة يوليو 76 من حزب الأمة؟
وأود فى هذا المقام أن أحييي ذلك الركب الميمون من الكوادر المجاهدة فى حزب الأمة والذين شاركوا فى تلك الهبة الوطنية ولكنهم إنصرفوا عن الشأن السياسى إلا القليل الذين يعدون على أصابع اليد الواحدة نتيجة إحباطات معلومة بعد المصالحة، وهم (مع حفظ الالقاب) رحمة ادريس ابوروف، مكي يوسف النصيبه، علاء الدين زين العابدين، بشير عبدالله محمد، فيصل خضر مكى، محمد خليفه كباشى، ابراهيم محمد على تيمس، منصور مصطفى أحمد، عبدالرسول النور، تاور الضو حماد، حامد بشير، عبداللطيف الطاهر الجميعابى، الشيخ الطاهر الفكى، محمود أبشر أحمد وسعيد نصرالدين سعيد و الصادق يعقوب ابونفيسة - علما بان كل هؤلاء كانوا من خريجي الجامعات فى مجالات الآداب والطب والهندسة والقانون والإقتصاد والطب البيطري- ألا يجدر بالحزب النظر مليا فى أسباب مغادرتهم للنشاط الحزبى إلا القليل منهم؟

· فيما تمثلت إحباطات مصالحة 77 حسب تقيمك؟
قيل وكتب الكثير عن المصالحة كيف بدأت، ومن هم الفرقاء الاساسيون فى هندسة المصالحة، ولقاء بورتسودان، وما هى درجة الشفافية بين قيادات الجبهة الوطنية حول الخطوات التى مرت بها عملية المصالحة حتى لقاء بورتسودان فى 1977. والدليل على ذلك خروج المرحوم الشريف حسين الهندى عن الالتزام بما تم وقد كان من العناصر الرئيسة والفاعلة فى الجبهة الوطنية، بالنسبة لكوادر الداخل (على الاقل مجموعتنا من الرانك آند فايلRank and File!) فقد كان مدى علمنا بما تم هى أن (المصالحة تجب ما قبلها) وبناءا على ذلك تم إطلاق سراح جميع السجناء والمعتقلين السياسيين حتى أولئك الذين لم تكن أحزابهم من مكونات الجبهة الوطنية، والعمل على إرجاع كل الذين فصلوا لأسباب سياسية وتسكينهم وظيفيا فى الدرجة التى وصل اليها أقرانهم ممن هم فى الخدمة المستمرة، وتسوية حقوق ومعاشات الشهداء من منسوبى الخدمة المدنية، إستحداث خطة إسكانية لمنح السجناء والمعتقلين السياسيين الذين فاتتهم الخطة الاسكانية لعام 1977، العمل على إستيعاب المقاتلين فى مشروعات زراعية وغيرها، كما كانت هناك إتفاقات سياسية مثل الإعتذار عن أحداث الجزيرة أبا وودنوباوى، المشاركة فى الاتحاد الاشتراكي التنظيم الفرد لنظام مايو، إجراء انتخابات مجلس الشعب باشتراك الأحزاب التى إنخرطت فى المصالحة وغير ذلك مما سمعنا به ولم ينورنا به أحد!
بعض التعهدات تم الوفاء بها الى حد كبير وبعضها ظهرت فيه إختلافات جوهرية، وحسب تقيمى الشخصى فإن جبهة الميثاق استطاعت أن تجير المصالحة لصالحها بالكامل وتمكنت من إحتواء النميرى الى حد كبير بينما إصتدم حزب الامة بالكثير من العقبات سواء على صعيد التعهدات السياسية أو التسويات الفردية، وابلغ مثالين هما حل مجلس الشعب المنتخب قبل انتهاء دورته نسبة لما كان يتعرض له النظام من إنتقادات حادة من نائبى حزب الامة المرحوم الصادق بله محمد والمناضل الجسور الصادق يعقوب ابونفيسة، وتعثر مهمة الذين شاركوا فى الاتحاد الاشتراكى او أولئك الذين تولوا مناصب تنفيذية عليا (حكام أقاليم ووزراء مركزيون)، أما على صعيد الأشخاص فقد نكص النظام على عقبيه ولم نشهد توفيقا يذكر لاوضاع المقاتلين أو تسوية معاشات بعض الشهداء على الوجه الأكمل كما فى حالة الشهيد البطل إبراهيم أحمد عمر (مفتش الحكومات المحلية الذى لعب دورا بارزا فى تسهيل عمليات أساسية للعمل المسلح وشارك فى القتال عند إندلاع الانتفاضة وتم إعتقاله مع شقيقه سليمان أحمد عمر بعد فشل الانتفاضة وحكم على كليهما بالاعدام ولكن خفف الحكم على سليمان الى المؤبد وأعدم الشهيد ابراهيم، وكان سليمان يردد كل يوم ونحن فى سجن كوبر "ليتهم أعدمونى وتركوا ابراهيم فهو العائل للاسرة وهو الشقيق الاصغر" والجدير بالذكر أن سليمان هذا البطل كان قد حكم عليه بالاعدام فى أحداث الجزيرة أبا ثم خفف الحكم الى المؤبد – أى جهاد هذا واى عزيمة؟ سليمان أحمد عمر بلغت به درجة الغضب من تقاعس الحزب عن تولي قضية أخيه لدرجة أنه ترشح "جبهة قومية" بعد الانتفاضة – وفى هذا أبلغ دليل على درجة الإحباط التى إنتابت كوادر الحزب هذا فضلا عن أحداث أخرى كثيرة تدمي القلوب وليس هنا مقام ذكرها.

· أذكر لنا البعض من القيادات الذين زاملتهم خلال مراحلك الدراسية؟
الشهيد البطل عباس برشم فرح (من المرحلة الآبتدائية وحتى التخرج فى الجامعة)، د بشير عمر محمد فضل الله (المرحلة الثانوية ولمدة أربع سنوات فى فصل واحد والجامعة فى نفس الكلية مع السكنى فى غرفة واحدة لسنتين)، الاستاذ عبدالرسول النور (المرحلتين الثانوية والجامعية)،أما الذين زاملتهم بالجامعة فهم: المرحوم الصادق بله محمد (الجامعة) الاستاذ الزهاوى ابراهيم مالك (الجامعة) الآستاذه حسب سيدها بدرى (الجامعة) د بلقيس بدرى (الجامعة) الأستاذه مقبولة ابراهيم (الجامعة) الحبيب ابراهيم محمد على تيمس (الجامعة) – الاستاذ محمد خليفه كباشى، الاستاذ علاء الدين زين العابدين، الاستاذ مكى يوسف النصيبه، الاستاذ الهادى بشير بله، مع الذكر أن البعض منهم كانوا من الدفعات التى قبلنا والبعض ممن هم بعدنا.

· إين وكيف تليقت نبأ إعدام زميلك وصديقك الحميم الشهيد عباس برشم؟
كان ذلك أسوأ يوم فى حياتى ولاتزال ذكريات ذلك اليوم لا تفارق مخيلتى، كنت فى مأمورية بمدينة بورتسودان، حضرت من مكان العمل الى استراحة المؤسسة العامة للقطن بوسط المدينة فى حوالى الثانية والنصف بعد الظهر وكنت أقيم لوحدى بالاستراحة وعندما فتحت المذياع لسماع نشرة أخبار الثالثة بعد الظهر كان نبأ إعدام الشهداء الأبطال فى صدر النشرة، ولك أن تعلم أن من تم إعدامهم ثلاثة منهم كانوا من أعز الأصدقاء وزملاء دراسة – الملازم عبدالرحمن شامبى نواى والرقيب أول الشفيع عجبنا.

· هنالك من يذكر أن أبو القاسم محمد إبراهيم إعتدى بصورة وحشيه على الشهيد عباس برشم محاولاً تكرار ما فعله مع الشهيد الشفيع أحمد الشيخ بإزحاق روحه خارج القضاء، نريد مزيداً الأضواء على ملابسات تلك الإعتداءات.
كما ذكرت آنفا فإن السلطات الأمنية لم تتمكن من القبض على الشهيد البطل إلا بعد مضي شهر على فشل الانتفاضة وكذالك كان الحال بالنسبة للشهيد البطل الملازم عبدالرحمن شامبى نواي والذى القى القبض عليه بعد أن وصل الى مدينة مليط بشمال دارفور، بعد القبض عليهم تم إحضارهم الى القيادة العامة وما ورد الينا من مصادر موثوقة هو أن السفاح ابوالقاسم محمد ابراهيم فور سماعه لنبأ إحضارهم الى القيادة العامة جاء مسرعا الى الحراسة التى كانوا محتجزين بها وكان فى حالة هياج كالثور فما كان منه إلا أن إختطف بندقية من أحد جنود الحراسة وانهال على الشهيد البطل ضربا بمؤخرة البندقية فى كل مكان من جسمه وقد كانت آثار الكدمات بادية على وجه الشهيد حتى بعد مرور أكثر من ثلاثة أشهر وقد شاهد ذلك الذين حضروا المحاكمات بمدينة عطبره بل وكان السفاح ابوالقاسم حريصا على حضور إعدامهم إيضا وهو يرغى بالسباب الذى حوى ألفاظا عنصرية ووقحة.

· أين تقيم أسرة صديقك الشهيد برشم، وكيف أوضاعهم الآن؟
الشهيد البطل ليس له سوى شقيق واحد أسمه أحمد يسكن الآن بامبده (ابوخالد أو ربما تغير الاسم مع موضة الاسماء الجديدة فى هذا الزمن الرديىء). الاخ احمد بعد صبر ومعاناة لا يقدر عليهما الا ذوى العزم من الرجال أبدله الله بعد العسر يسرا فابنه البكر محى الدين كان ضابطا بالقوات المسلحة فطالته يد الانقاذ الآثمة بالفصل من الخدمة ولكنه يعمل الآن فى الأعمال الحرة ويساعد أباه أما إبنه الثانى د محى الدين فهو محاضر فى الطب البيطرى بجامعة نيالا وابنته منى والتى كانت أول الشهادة السودانية فى المساق الفنى فى الثمانينات تخرجت وتزوجت وهى محاضرة فى الفنون الجميلة بجامعة السودان وله بنات لم يتزوجن بعد. لك أن تعلم أنه عند قيام حركة سبتمبر 1975 كان الاخ أحمد برشم بسجن كوبر بتهمة الاشتراك فى حركة انقلابية بقيادة العميد أنس عمر وكان الاخ احمد وقتها برتبة رقيب أول بسلاح المظلات ولم يفرج عنه إلا بعد المصالحة فى 1977. كل هذه الفترة والأسرة تحت رعاية ذلك الكهل الصبور العم المرحوم برشم فرح والعمة المرحومة والدة الشهيد والمناضل أحمد – شقيقه. بعد المصالحة رفضت القوات المسلحة ارجاع الاخ احمد لسلاح المظلات على الرغم من أنه قيل لنا حينها (إن المصالحة تجب ما قبلها)!!! المهم سمح للاخ احمد بالعمل فى وظيفة (صول) بالمدارس الثانوية وهى الوظيفة التى ربى منها أولاده حتى بلوغه سن المعاش وهو بحمد الله بصحة جيدة الآن ولياقة بدنية يحسده عليها أبناؤه وقد فارقته آخر مرة فى شهر فبراير من هذا العام 2010.

· زاملت القيادي الرقم والخبير الإقتصادي المعروف د. بشير عمر فضل الله خلال الدراسة والعمل، وهناك من يصفه بالصفوية والإستعلاء، مدى صحة مثل هذه التهم الموجهة ضده؟
هذه صفة أبعد ما تكون عن حقيقة خلق وسلوك الأخ د بشير. فكما سبق وقلت فهو زميل دراسة وفصل واحد منذ السنة الاولى بخورطقت الى السنة الرابعة ثم زميل دراسة بكلية الدراسات الاقتصادية والاجتماعية حتى التخرج وتشاء الاقدار أن نخرج للبعثات فى وقت واحد إلا أنه كان بجامعة مانشستر وكنت بجامعة ليدز ثم بعد الانتفاضة وتوليه منصب وزير المالية أصر على انتدابي من الجامعة الاسلامية الى المكتب التنفيذى بالوزارة – عليه أستطيع أن أقول أننى زاملته طالبا ومحاضرا جامعيا ووزيرا. خلال كل هذه الفترة ظل الاخ د بشير هو هو أخا بشوشا وله القدرة الخارقة على كسب أصدقاء جدد وما لا يعرفه عنه الكثيرون هو أنه أكثر الناس حفظا لاسماء زملاء دراسته دوننا جميعا ابناء الدفعة أما أصدقاءه فسله دون سابق تنبيه الى رقم هاتف أيا منهم وسيعطيك الرقم دون الرجوع لمفكرة. وعلى كل إن كان هناك مأخذ على الاخ د بشير فهو على عكس ما جاء فى سؤالك عفوى فى تعامله مع الناس وصارم فوق ما إعتاد عليه السودانيون فى الالتزام بالمواعيد وتجويد الاداء بمعنى أنه انسان(Perfectionist) وهذه سلوكيات رغم أنها حميدة جدا الا أن الكثير من السودانيين يستهجنها!

· عرفتك معتقلات نظام مايو، هل بالإمكان إجراء مقارنة بينها وبيوت أشباح نظام الإنقاذ حسب متابعتك؟
الاجهزة الأمنية فى العالم الثالث عموما همها الاول والاخير ترويع المواطن بدلا من الحفاظ على أمنه وعندما يكون النظام شموليا تصبح الاجهزة الامنية هى الحكومة، لا حدود لسلطاتها ولا تخضع لقواعد التقاضى ورد المظالم. قبل إنتفاضة سبتمبر 1975 كان الجهاز الامنى يعرف باسم الامن العام. وجل منسوبيه من ضباط الشرطة المهنيين ولذلك لم تكن المعتقلات بذات السوء الذى آلت إليها بعد إنشاء جهاز الامن القومى بعد سبتمبر 75 مباشرة. فبينما كان جهاز الأمن العام يعتمد على الاساليب النفسية فى سعيه لانتزاع المعلومات من المعتقل صار جهاز الأمن الوطنى يبدأ بالتعذيب الجسدى حتى قبل سؤال المعتقل عن أسمه. وقد تفنن الجهاز فى ابتداع أساليب للتعذيب من صعق بالكهرباء الى تعليق المعتقل وهو مربوط اليدين خلف ظهره وربط الرجلين ثم رفعه على غصن شحرة شاهقة داخل مبانى الجهاز (كما يفعل الجزار بالخروف عند السلخ) ويترك المعتقل على هذه الحالة الى أن يفقد الوعى ثم يفيق ليجد نفسه فى زنزانة مظلمة فى ركن قصى من مبانى الجهاز المجاورة لمبانى القيادة العامة من الجهة الجنوبية. الشجرة المذكورة آنفا سماها الحبيب الشيخ الطاهر الفكى (الشجرة الملعونة فى القرآن) فكان يتهكم على الأحباب بان يسألك (أوع يكون ودوك الشجرة الملعونة؟). أسلوب التعليق هذا تسبب فى شلل مؤقت باليدين للكثيرين من الأحباب ومن منسوبى التنظيمات السياسية الاخرى فى يوليو 1976 لدرجة أن البعض ظل ولمدة ثلاثة أشهر يطعمه الآخرون بيديهم ويدخلون معه الحمام لمساعدته فى فك أزرار بنطاله ولبسه مرة أخرى. ممارسة أخرى ,وإن كانت محدودة تمثلت فى فصد عضو الذكورة والخصيتين (بالسونكى) وكان أن تسبب ذلك فى تسمم دموى لأحد الأحباب ونقل الى المستشفى العسكرى وبفضل الله تم إنقاذ حياته بعد جهد جهيد. ولعل الكثيرين يذكرون تلك القضية التى رفعها بعد الانتفاضة منسوبى حزب البعث ضد الملازم عاصم كباشى والنقيب حفصة عبادى بدعوى إرغامهم على ممارسة الجنس مع البغايا تحت نظر المدعوة حفصة عبادى داخل المعتقل. لا أدرى إن كان من حسن الطالع أو غير ذلك أننى لم أشهد بيوت الاشباح ولكن ما سمعته عنها وما قرأته لا يقل فظاعة عن ما كان عليه الحال فى العهد المايوى البغيض – وما حادثة العميد محمد احمد الريح التى نشرت على نطاق واسع ببعيدة عن الاذهان. الغريب فى الامر أن مسؤلين كبارا فى هذا النظام مورست ضدهم هذه الاساليب البغيضة واللا أخلاقية فاستنكروها فى حينها وعندما وصلوا الى سدة الحكم سكتوا عنها وهى تجرى تحت سمعهم وبصرهم.

· إتحاد طلاب جامعة الخرطوم الذي قاد إنتفاضة شعبان 73 مؤتلف من الأخوان المسلمين وحزب الأمة والتي إعتلقت بسببها، تكرر فوز حزب الامة بإتحاد جامعة الخرطوم برئاسة محمد حسن التعايشي عام 2002 – 2003م لماذا لم تتكرر إنتفاضة مماثلة ضد نظام الإنقاذ رغم فظاعة إنتهاكاته وتوفر أكثر من محفز للثورة ضده؟
لاشك أن القطاع الطلابى هو الأكثر حماسة وتفاعلا مع أو ضد الوضع السياسي القائم فى أى زمان. قناعتى أن ذلك مرده الى تواجد أعداد كبيرة من الشباب المستنير على صعيد جغرافى واحد ومن ثم فان التواصل بين المنتمين لتيار سياسى واحد يكون سهلا وكذلك التنسيق مع التيارات الأخرى المتفقة معهم فى الرأى. نظام السكن الداخلى كان أيضا من أهم العوامل التى مكنت الطلاب من التفاعل السياسى ما بين تنظيماتهم. اما فيما يتعلق بالتنسيق بين حزب الأمة والاتجاه الاسلامى (وليس الاخوان المسلمون وحدهم) فان تماسك الجبهة الوطنية وقتها والتى كان حزب الامة يمثل الضلع الاقوى فيها عززت من التحالف القائم آنذاك ومن ثم كانت تحركات التنظيمين فاعلة ومؤثرة وتمكنا من استحداث التمثيل الحر المباشربدلا عن نظام التمثيل النسبى الذى كان سائدا من قبل . هذا النظام الانتخابي مكن التنظيمين السياسيين من الفوز بكل مقاعد المجلس الاربيعينى واللجنة التنفيذية ومن ثم كان الاتحاد وهو الاداة الفاعلة يتمكن من تحريك القطاع الطلابى بشكل فاعل. نظام الانقاذ أدرك هذه المزايا جيدا لان معظم القيادات العليا للنظام كانوا ممن عاصروا تلك الحقبة، عليه فقد عمدوا الى تجفيف نظام الداخليات واستحدثوا نظام التجنيد القسرى للطلاب بغرض تدجينهم فى المقام الاول والدفع بهم الى محرقة الحرب وبخاصة أولئك الذين لا ينتمون الى حزب النظام.إيضا القبضة الامنية الباطشة داخل حرم الجامعات صارت أقوى بكثير مما كانت عليه أيام مايو المقبورة. مع ذلك فيقينى أن الساحة الطلابية تتمتع بقابلية إعادة بناء النفس او ما يعرف بال (resilience) ولهذا فليس بمستبعد أن يفاجأ الشعب السودانى بهبة طلابية تحت ظرف سياسى معين (ربما بعد ظهور نتيجة الاستفتاء المرتقب له ان يأتى بالانفصال(.
في الحقة القادمة :
· الفرق بين الدولة المدنية والعلمانية.
· دوافع الخروج من عباءة الحزب.
· أبناء رئيس الحزب وأصهارة.
· معايير الأفضلية القيادية بحزب الأمة.
· الجمع بين الإمامة ورئاسة الحزب.
· الحل الأمثل لتداعيات المؤتمر السابع.
· مواقف حزب الأمة من الثورة في دارفور.
· موقف حزب الأمة من توقيف الرئيس البشير بعد إتهامه بالإبادة الجماعية.

ليست هناك تعليقات: