الأحد، رجب 22، 1431

خواطر صحفي متدرب (1)

خواطر صحفي متدرب (1)
خلال تصفحي لحوار أجراه صحفي مبتدء مع قيادي قفز بضربة لاذب إلى وزارة مرموقة، لفت إنتباهي طغيان صورة المحاور على صورة الوزير ضيف الحوار، فتذكرت نصيحة الزميلة الإنسانة خديجه الباهي والتي تشرفت بزمالتها كصحفي متدرب ضمن مجموعة بُعثنا من قبل قسم الصحافة والإعلام بجامعة أم درمان الإسلامية للتديب بصحيفة السودان الحديث أوائل التسعينيات، وبدأت الخواطر تمسك بتلابيب بعضها البعض لتعيد عبق تلك الأيام المفصلية في حياتنا المهنية.

نصيحة الأستاذة خديجه الباهي علقت في الذاكرة بحدث لا يخلو من طرافة، تمثلت ملابساتها في شفط سايفون عملاق بلسخانة الفتيحاب لذراع عامل ظل مسمراً بالأرض لعدة ساعات، علمت بها زميلة تدعى هدية من بنات الفششويه ضواحي كوستي، ذهبت إلى موقع الحدث ورابطت بها إلى حين تحرير قوات الدفاع المدني لذراع العامل المسكين من السايفون، نُشر هذا الخبر مع صورة للعامل المشفوط ذراعه والصحافية.
وبعد الفراغ من الإجتماع الرابت لتقيم عدد اليوم السابق، قالت لي الأستاذ خديجة يا إبراهيم أن أردت أن تكون صحفيا ناجحا أبتغي التجرد وإبتعد عن المظهرية مشيرة إلى صورة الزميلة هدية وعامل المسلخ قائلةً "هذه الصورة تفتقر للمهنية".

رئيس قسم الأخبار الذي بدأنا به عملنا كمتدربين كان يرأسه الأستاذ إسماعيل آدم، وللأمانة كانت الأستاذ خديجه تغدق علينا بالتعاطف الجم ولم تنتظرنا حتى نسألها عن عصارة تجربتها الثرة، بيد أننا كنا نحس بشئ من بالندية والغيرة المهنية بينها والأستاذ إسماعيل آدم الذي كان يشطاط غيظا عندما ترفض الأستاذة خديجة الذهاب إلى وجهة عملها ضمن الحافلة الجماعية للمناديب، وتتطالب بنقل خاص بها، لأن مناديب الصحيفة يعودون إلى مقرها بشارع على عبداللطيف بالمواصلات العامة، يرغي إسماعيل آدم ويزبد قائلا خديجة الباهي عاملة نفسها سوبر، لكنه في النهاية يرضخ لمطالبها.
أول مأزق لي كانت في وزارة المالية، حيث كنت برفقة الزميلة سميه سيد المتخصصة في شئون هذه الوزارة تحديداً، إنتظرنا د. صابر محمد الحسن مدير محفظة البنوك وقتئذ، طال إنتظارنا فإضطرت الأستاذة سميه للمغادرة لتغطية فعاليات ذات صلة بالمالية، وتركتني أتصبب عرقا في إنتظار د. صابر، لم يطل إنتظاري ووجدت نفسي في مواجهته منفردا، وخلافا لتوقعاتي وجدته وديعا في نبرته ولطيفا معي في ردوده، وكلما أطلب منه مزيدا من الإيضاح كان يهرول إلى ملفاته ويسرع في فتح أدراج طاولته وأنا (انتفش) وأتبسم ظناً مني أنه يهابني ولساني حالي يقول "يا المسئولون لديكم تدربنا"، وحقيقة كانت أمنيتي كأي صحفي أن أكون مهاباً لدى المسئوليين وأمتلك قلماً يمكون له إعتبار لدى السلطات.

والمأزق الثاني كانت في ثاني سهرة أتناوب فيها مع الزميل إبراهيم مطصفى، لمتابعة المهام الروتينية لإصدار الصحيفة من طباعة وخلافه، ولا إدري أين أختفى هذا الأخ العزيز منذ زمن كان كل شئ طبيعي وفجأة يتلقى مكالمة هاتفيه تأمره بالتوجه فوراً إلى المطار للحاق بطائرة مقلعة إلى جوبا، تركني أواجه مصيرى ومضى إلى حال سبيله، ولكن بحمد الله جات سليمه بفضل مطابع الأوسفت والصف الإلكترني السلس.

موقف طريف آخر كان ساحته نادي الأسرة بالخرطوم جنوب، فقد كلفت مع مصورة اسمها آمنة لغطية إجراءات العمرة ومقرها هذا النادي، وكان التقديم يتم بشكل درامي وفوضوي مزهل، الأمر الذي أضطرت المصوره إلى التضحية بكاميرتها لتلم نفسها وتنجو بأعجوبة من الدهس تحت أقدام المراجعين الذين طمنطقوا من أوساطهم لنش لسلة من الهجمات كرا وفرا بغرض إختراق شبابيك التقديم المحروسة من قبل شرطة النظام العام.
لاحظت الزميلة خديجة الباهي تململي من تغطيات نادي الأسرة المتكررة، وحرضتني على مطالبة إسماعيل آدم بتنويع وجهتي، ذهبت له (محرشا) وقلت له أريد أن إنتقل إلى قسم آخر، تم لي ما أردت فأحالني إلى قسم التحقيقات برئاسة الأستاذ محمد عبد القادر.
خلاصة نصيحة الزميلة خديجه الباهي أن على الصحفي إن أراد ممارسة سلطته الرقابية أن يحتفظ بمسافة بينه والمسئولين، وعلى المسئولين العلم أن الصحفي المحترف ليس له خوه.
ibrahimbasham@yahoo.com

ليست هناك تعليقات: