الجمعة، جمادى الآخرة 28، 1431

الشريف مبسوط من الوزيرة


الشريف مبسوط من الوزيرة
ليس الشريف هنا حاكم ولاية برنو وقيل ماديقوري النيجيرية الذي يغوي السوقة من مطرباتنا في ظل التوجه الحضاري، فالشريف المقصود هنا المؤتمر الوطني، الذي يغوي الوزراء الضعفاء من منسبوبي التنظيمات المتوالية معه ترغيبا وترهيبا، والوزيرة الحائزة على الإنبساطة هي وزيرة الصحة الإتحادية الدكتورة تابيتا بطرس، التي أضحت ملكية أكثر من الملكة، وهنالك ثمة تشابه بين الإثنتين، فالمطربة (الفضيحة) صاحبة أغنية الشريف مبسوط مني عشان أنا بريد فني حسب تقييم الكثيرين دخلت قلوب الجماهير بشكلها وليست بفنها، وكذلك الوزيرة، إستطاعت أن تحبس الأضواء في مظهرها بدلا من أدائها الوظيفي ومواقفها كوزيرة منوط بها التبشير للسودان الجديد، وتزعم المطربة أن الشريف مبسط منها لأنها تريد فنها، وكذلك تردد الوزيرة بين الفينة والأخرى أنها تريد وظيفتها، ويلاحظ أن ريدة الوزيرة في طريقها إلى (الكنكشه)، كما تمكنت من توظيف أريحيتها لمداراة قلة خبرتها بالعمل التنفيذي.

قديما قيل ، لا تمدحّن أحدا بغير تجربة، ولا تذمنّه بغير تجريب، وما أسهل مدح الأشخاص خاصة أن كانوا مسئوليين، وفي الغالب الإشادة بأصحاب الحظوة لا تكلف صاحبها الكثير، أما النقد البناء فعصي بدون العلم الكافي عن الحقل، والإلمام الوافي بمعايير التقييم، لذلك نعتمد في تقيمنا لأداء وزيرة الصحة على آراء زملائها الأطباء، ومآلات أوضاعهم الوظيفية والبيئة المهنية التي يمارسون فيها وظائفهم التخصصية، وبتمحيص المعاملة الشاذة من قبل السلطات التنفيذية للأطباء في الآونة الأخيرة، يندهش المرء من حدة الإنحدار في أسلوب التعامل مع هذه الشريحه بصورة غير مسبوقة في التاريخ الأنظمة القمعية على الإطلاق.

وتبدو الوزيرة الهمامة مهتمة فقط بمظهرها، ومؤشر إنبساطة (الشريف)، فبينما يدخل الأطباء في إضراب عام بطول البلاد وعرضه، تجد الوزيرة مشغولة بالإعداد لحفل زفافها، وفي الوقت الذي تنهال عصي النظام على يافوخ رُسل الإنسانية، ويتمدد الأطباء جوار المرضى، تصرح الوزيرة كل شي تمام التمام.

بعمل جرد حساب مبسط لمنجزات الوزيرة، وبشهادتها هي شخصيا أن الأوضاع داخل الحقل الصحي متدهوره، رغم أنها حملت المسئولية لوزارة المالية، التدهور نقيض النجاحات، ومنسوبي وزارتها وصفوها بأناها فقدت البوصلة السياسية والأخلاقية في مارس الماضي عندما وجهت الإتهام إلى جهات لم تسميها بأنها تحرك الإطباء (صحيفة الحقيقة 10 مارس 2010) وتعتبر هذا التصريح تراجع في خطها السياسي، ومكابرة في بعض مشاكل الوزارة، سيما وأنها قد أقرت في وقت سابق بمشروعية الإضراب.

وبعيداً عن المعايير التخصصية لتقييم أدائها، وحسب المعايشة اليومية، فإن التكلفة العلاجية لم تتوقف عن التصاعد في عهدها، وسيف المستشفيات لم ترفع عن رقاب الفقراء، ولم نسمع بمطالبتها إلغاء رسوم دخول المستشفيات ورسوم الكشف الطبي في المستشفيات والشفخانات العامة، المرضى يشكون لطوب الأرض من إهمال الأطباء، وإهتزات ثقة المواطن في الطبيب مهنيا وأخلاقيا بسبب ضعف التدريب الذي أدى إلى تعدد الأخطاء الطبية، وتردد المواطن في إئتمان الطبيب في أخلاقه بسبب تراجع تربيته القيمية.

إنبساط (الشريف) من الوزيرة تقابله عدم إنبساط منسوبي وزارتها، وشكاوى متكررة للمواطنين من إهمال الأطباء وإدارات المستشفيات معا، وهما أسي النجاح والفشل لأي مرفق خدمي، تهدف إلى حد كبير كسب رضاء العملاء، والدول الرأسمالية التي تتبنى إقتصاديات السوق الحر، تولي هذه الناحية أو ما تعرف بخدمات العملاء Customers Services أهمية قصوي، ولرفع مستوى خدمات العملاء إلى درجات تنافسية، يستهدفون أولاً إرضاء موظفي التواصل المباشر مع العملاء The contact staff إنطلاقا من نظرية مفادها، لا يمكن لموظف غير سعيد في وظيفته إن يسعد الزبائن.

ونتيجة هذا الإخلال النظري، فقد إستحال على الطبيب (الشقي) في وزارة الدكتور تابيتا بطرس، إسعاد المرضى وكسب ودهم، إذن لن نتجاوز الحقيقة، إن دمغنا وزارة الصحة الإتحادية بالفشل المنهجي الزيع، ذلك أنها لم تفشل فقط في تهيئة البيئة المناسبة للطبيب والمريض معا، بل تجاوزت كافة الإعراف السائدة بتعمدها النيل من كبرياء الطيبب السوداني بإنتهاجها الأساليب البوليسية والطرق القمعية المذلة لكرامتهم وإرثهم الوظيفي... حيث لم يعتاد الإنسان السوداني على مشهد طبيب يتسربل المعطف الأبيض ويطلق رجليه للريح فرارا بجلده من عصى رجالات الأمن، هذه المناظر جعل الشارع السوداني بأجمعه بفغر فاه من الدهشة ... (الشريف) المبسوط من الوزيرة يفعل كل هذه بمنسوبيها وهي لم ترتقي لمستوى الحدث، ومع ذلك هنالك من يخدعها بحديث عاطفي عن نجاحات مطلقة!

الوزيرة بنت الهامش، ركزت جل إهتمامها بالمركز كأسلافها، علما بأن برنامج تحصين الأطفال التي تحرص على الظهور في واجهة تدشين حملاتها كل مرة، ليست بجديد وهي ليست من خزانة وزارتها وإنما بتمويل أممي مبرمج، وإن كانت الوزيرة لم تفتر همتها من الزيارات الميدانية للمرافق والمؤسسات الصحية داخل مثلث حمدي، تبدو كأنها تستهوي هذه الزيارات في حد ذاتها للعرض وقضاء أوقات خارج المكاتب day outوإلا كيف تفسر عدم تنبهها لمؤشرات إنفجار الأوضاع في وزارتها بشكل درامي على نحو ما نشاهده الآن؟

قد يقول قائل أن الوزيرة قد ورثت تركة مثقلة بالمشاكل، وأن السياسات العامة للوزارة تطبخ خارج المؤسسات و و و، ونقول ما الفرق بينها ووزيرة الرعاية الإجتماعية إذن غير الـ dress code? إن كانت لا تستطيع تغيير سرعة إيقاع الوزارة التي تبوأتها لتبرز شئ من ملامح مانفست الحركة الشعبية لتحرير السودان، ناهيك عن تغيير إتجاة مسارها ولو بدرجة طفيفة، وبمقارنتها بوزراء كتلتها أمثال د. أحمد المصطفي والسيد دينق ألور والفريق مالك عقار وباقام اموم والوزيرة كبيدة لم يتردد أحد في وصفها بالحلقة الأضعف في المنظومة دون أن يظلمها، من حيث الإنحياز إلى جانب الغلابة والإنتصار لتطلعات الغبش الذين يمثلون جل أهل السودان، نعم أنها تتمتع بالبساطة وسهولة التواصل ولكن الطيبة شئ والحنكة السياسية وفق برنامج محدد شئ آخر، ومن حيث تدري ولا تدري فهي تتبنى سيناريو د. لام أكول، بحرصها الزائد على مكانتها السياسية وهو مؤشر خطير لعدم تحصنها من الإصابة بداء السطلة.

حققت الوزيرة السوبر إستار نجاحات باهرة في تسويق نفسها إجتماعيا بعيدا عن محيطها الطبقي، لكنها تبدو متناسية إنتمائها إلى SPLA في سبيل الإبقاء على (الشريف) مبسوطا منها على طول الخط، ولن نتجاوز الحقيقة إن ذهبنا إلى أن سر هذه الإنبساطة مردها أن الوزيرة الهمامة، لا تهمش ولا تنش، لا تطقع ولا تلم الحجارة، جالسة ومستكنية في كريسها الوثير ولم ترفع سبابتها إعتراضا على أفعال (الشريف) المخلة بآداب المهنة، حيال منسوبي وزارتها رغم أنهم يمثلون رسل الإنسانية وخلاصة المجتمع السوداني من حيث التفتق الذهني ولا أزيد.

حسب تقديرنا، إن كانت الوزيرة من الأطباء روحا، عليها إن تلتحم جسدا مع مأساتهم، وتتحمل لبعض الوقت تكشيرة (الشريف) وتظهر على الأقل إستعداها لدفع الثمن لمواقف مبدئية، وعليها أن تعلم أن الإهتمام الإعلامي وإرتياح بعض الأوساط المركزية لطلتها البهية، ليست هي ذاتها المتوقعة من مواطني دولة جنوب السودان المرتقبة وأهلها بجبال النوبه، وليس مستبعدا أن يساور أبناء جبال النوبه التخوف من إستمراء الوزيرة البقاء في عربة المؤتمر الوطني ممثلة لهم ما بعد يناير 2011 في ظل ضمور قياداتهم وتخلي الحركة عن قضيتهم.

ليس منتظرا من الوزيرة أن تستقيل على الأقل قبل إكتمال مراسيم زواجها الميمون كوزيرة، وهل هي إلا من غزية، إن غوت غوت وإن ترشد غزية ترشد، فهي كتنفيذية في العالم الثالث معفية من هكذا فضيلة، فقط المأمول منها، ترشيد علاقتها (بالشريف) وأن تتذكر ماهية نفسها ولا تنسى آلام شعبها في أطراف الهامش، وألا تجعل مظهرها أكبر هما ومبلغ عطاءها.

من ينكر نجاحات الوزيرة فهو مكابر، ولكن من الواضح إن إنجازاتها المعلنة فيها شئ من المبالغة، وقدر من التضخيم تستلزم المراجعة الموضوعية بغية الوقوف على جوانبها والعمل على تصحيحها وألا تكون معيار النجاح والفشل إنبساط (الشريف) أو عدم إنبساطه.

ليست هناك تعليقات: