الثلاثاء، ذو الحجة 14، 1430

بحر أبو قرده ... هل كان مضطرا للمثول لدى لاهاي

بحر أبو قرده ... هل كان مضطرا للمثول لدى لاها

المواقف تصنع الرجال ، والأقدار تضع الزعامات على القطارات الصحيحة ، ليست بالضرورة كسب الرهان ، بل يكفي نيل الإحترام والحظوة بالتقدير لدى المنصفين ، والكثيرون من شخصات الواجهة ظلموا من تقديرات إنطاعية ، أنصفتهم مواقف عابرة ، وأعادت لهم الصدف الإعتبار.

الأستاذ بحر أبو قرده رئيس الجبهة المتحدة للمقاومة والذي وجهت له محكمة الجنايات الدولية بلاهاي إتهاما بإرتكاب جريمة حرب ، ومثل أمامها في شهر مايو الماضي ، سيحضر الجلسة الثانية يوم غدٍ الإثنين التاسع عشر من شهر إكتوبر الجاري ، المثول الطوعي في حد ذاته موقف يحسب للأستاذ ابوقردا ، خاصة في ظل هروب رموز نظام الإنقاذ المطلوبين لدى المحكمة إلى الأمام ، وتنظيم حملات تشكيك في حياديتها ونزاهة مدعيها العام السيد اوكامبو.

كما زعموا أن إمتثال ابو قرده ما هي إلا مسرحية ، أعدتها محكمة لاهاي ، وأسندت له دور البطولة ، وهذا إدعاء غير مهضوم ، إلا إذا إفترضنا إن سيناريو المسرحية قد سبكت بتحريضه على الإنشقاق عن قيادة د. خليل ، وحبكت ذروتها بحادث حسكنيته ، الأمر الذي لا يقبله العقل ، وبالتأمل في فرضية بداية التمثيلية بعد صدور مذكرة الإتهام ، بتقديم ضمانات بإخلاء سبيله بعد مثوله وإجراء التحقيقات الأولية ، فإن هذه الفرضية لا يمكن أن تتم إلا بشكل (دكاكيني) مع المدعي العام والذي ينتهي دوره بتقديم صحيفة الإتهام ، وترك أمر فحص الأدله وتقييم الأسانيد لقضاة على طرفي نقيض من مهامه ، مما يعني أن السيد أوكامبو يغامر بسمعة المحكمة ، ويجاسف بمستقبله الوظيفي ، نكاية في الرئيس البشير وأعوانه ، هذا إذا إرتضى الأستاذ بحر بقبول العرض مضحيا بمستقبل التحالف الثوري الذي يتزعمه ومستقله حياته من أجل تعزيز قضية دارفور ، وكل هذه الفرضيات واهية.
مثول السيد أبو قرده يعتبر بكل المقايس دعما لوجستيا لقضية دارفور ، وتأكيدا على أن مسألة محاكمة الذين إرتكبوا الإنتهاكات في حق الأبرياء من أهالي دارفور ليست مكان مسامة ، ولا يمكن التنازل عنها البتة ، أو الإلتفاف عليها بأي شكل من الأشكال ، وهو بمسلكه المقدام هذا يضع المجتمع الدولي في محك حقيقي ، لمحاصرة متهمي نظام الخرطوم والقعود لهم كلم مرصد ، وسد كافة الثغرات التي تمكنهم من الإفلات من المثول إلى المحاكم الدولية وليست سواها.

جاءت موعد هذه الجلسة في وقته ، حيث تمخصت توصيات لجنة ما يمسمى بحكماء أفريقيا ، بتشكيل محاكم وطنية بمراقبة أفريقية ودولية لمتهمي نظام الإنقاذ ، نتيجة لإخفاقهم في التحدق في عيون النظام الشرير ، وهذه أمر لا يستقيم مع منطق الأشياء ، كيف يحاكم متهمي أهالي ضحايا دارفور لدى محاكم دولية ، في وقت يقنن فيه مدعى الحكمة من معاشي حكام أفريقيا ، إحتكام الجلاد لدى نفسه ، وسط ديكور إقليمي زائف ، هذه أحدى مهازل أفريقيا الظلام.

قد تطول جلسات المحكمة ، ولكن هنالك إحتمالان لا ثالث لها ، التبرئة أو الإدانة ، إن كان السيد أو أبو قرده متيقنا من نقاء صحيفته ، وإستطاع تبرءة ساحته ، على قضاة محكمة لاهاي إعادة الإعتبار إلى شخصه ، والخشية أن يضطر إلى إلباس التهمة إلى أشخاص ينضوون تحت قيادته في الوقت الراهن ، أو رفاق ثورين يشاركون فصيله الميدان ، فحسب إفاداته للصحف ، أوضح أنه لم يكن في شرقي دارفور وقت الهجوم على قوات اليناميد بمنطقة حسكنيته ، وأنه لم يتمكن من تجميع كافة القوات المؤيدين له في ذاك الوقت ، حيث أنه تم إعفاؤه قبل فترة وجيزة من الحادث حسب إقادته ، وتحدى بتتبع المكالمات الهاتفية الصادرة أو الواردة لهاتفه الثريا المعرف ميدانيا ، وتقديم ما يفيد ضلوعه من البعد في الحادث.

وإن كان يعلم بضلوع قواته في الحادث ، ورأى من واجبه تحمل المسئولية عنهم مهما عظمت ، فإن ذلك بلا شك سوف يشكل سابقة نادرة في تاريخ العمل الثوري في العصر الحديث ، وتضحية غير مسبوقية في سبيل إحقاق الحق ، وتثبيتا لفضلة الإمتثال للعدالة أينما وجدت ، ذلك من أجل ألا تضيع دماء وأرواح الأبرياء من أهله بدارفور ، ومن أجل التأكيد على أن قادة ثوار دارفور منهم من هو على قدر المسئولية ، ورفع الغشاوة على أنهم ليسوا فوضويون وخارجون عن القانون ، كما أراد نظام الخرطوم بناء صورة ذهنية لهم على هذا القالب.

ما هي الخيارات المتاحة أمام الأستاذ إدريس أبوقردا ، منذ الإرهاصات الأولى لورود إسمه لدى المحكمة؟ هل كان بإمكانه هجر العمل السياسي ، وتجميد نشاطه الثوري ، والإختباء في أحراش دارفور ، أم الوقوع في أحضان النظام ، الذي لا شك يتمنى مجرد إلتفاتة منه ، لضرب الثورة والمحكمة بحجر واحد ، لقد سلك المخرج الثالث ، وأسوء ما فيه الإدانه إنتصارا للثورة ، ليقتل مجرمي النظام بالرهق الأبدي والفرار المستمر.

بالنسبة لأهالي دارفور والساسة والثوار من أبناءه ، الواجب يحتم تثمين هذا المسلك من الأستاذ أبو قرده ، والوقوف معه ومؤازرته ، في كل الأحوال ، ونناشد كل من يوجه له التهمة من الثوار بالمثول ، من أجل محاصرة أعوان النظام ، وإفهام كل من تسول له نفسه بإرتكاب الموبقات ، بأن يستعد لتحمل تبعات أفعاله بالإصالة كانت أم بالوكالة ، وإن كانت إرتكاب التجاوزات خلال العمل الثوري وارد رغم أنه غير مقبول ، فإن الهروب من العدالة يعتبر جبن غير مبرر لتقنين الفوضى ، وإفراغ للثورة من مضامينه ، ولا نحسب أن الأستاذ بحر من الذين يؤثرون على أنفسهم ولو كانت بهم خصاصة.
ibrahimbasham@yahoo.com

ليست هناك تعليقات: