الخميس، شعبان 29، 1430

دكتور الأفندي يكتب من رأسه أم كراسه؟

دكتور الأفندي يكتب من رأسه أم كراسه؟

لا يستنكف دكتور عبد الوهاب الأفندي ، أن يسخر سلطته المعرفية ، في تزيّف الحقائق ، وقمط حقوق المستضعفين ، وتدليس ظلامات أهل الهامش ، دون وازع أو ضمير ، بين عشية وضحاحها ، تغلف قلبه ، وعمى بصيرته ، وطفق يرى الباطل حقا ، والحق باطلا ، نسى أن الله يراقبه ، وهو يدس السم في الدسم ، ولا بالي في تبديل الكلمُ عن بعض مواضعه ، الكثيرون يعتقدون أنهم شرفاء ، إن لم يجدوا مواقف إختبار حقيقى ، يجاهدون فيها النفس الأمارة بالسوء ، ويخزن الشيطان مزين الحق بالباطل ، ولعل المكابرة ، وإدعاء معرفة الحقيقة المطلقة ، هى مطايا هذا الأفندي في سفوح التضليل.

دعنا نفكك جزيئات مقالته المنشورة بموقع سودانيل تحت عنوان (الأمم المتحدة في دارفور:أزمة داخل أزمه) لإماطة الأقنعة التي درج على إخفائها وراء السطور ، ومحاولاته لتقديم وجهة نظره المريب ، في قوالب صدئه ، على أنها مسلمات ، حيث ذكر " وبحسب إحصائيات الأمم المتحدة فإن عدد القتلى في كل دارفور خلال شهر يونيو المنصرم بلغ ستة عشر قتيلاً، غالبيتهم قضوا في جرائم قتل ذات طبيعة جنائية. ويذكر أن متوسط عدد القتلى الشهري في مدينة نيويورك مقر الأمم المتحدة يبلغ ثلاثة أضعاف هذا العدد." ما الفرق بين هذا القول ، وقول المستشار د. مصطفى إسماعيل أن الذين قتلوا في دارفور خمس آلاف فقط ؟ أين منطق المقارنة بين ضحايا حزب المؤتمر الوطني المنظمة في دارفور ، وقتلى جرائم نيويورك ، لو لا الإستخفاف البواح ، والإزدراء الفج لأهالي دارفور!! ، لماذا تجاهل الأفندي إيراد عدد سكان نيويورك ، وهل لو قتل ثلث سكانها يبرر للنظام قتل الأبرياء بدارفور؟ بلا أدنى شك لو أن نظام الإنقاذ يقتل شهريا ستة عشر شخصا من أهلنا بولاية نهر النيل لا سمح ، الله بمن فيهم أهالي الأفندي بمدنية بربر العتيقة ، لكفر الدكتور بالإسلام السياسي ، ولتغير معايير المقارنة لديه ، وهنا يتجلى التطفيف الفكري ، وإفتقار الإنصاف لدى الأفندي.

أبت نفسه إلا وأن تعزز محاولة النظام ، للتملص من ممارسات مليشيات النظام الوحشية حين أورد "ذلك أن مصدر التهديد الأكبر في دارفور ليس جيشاً نظامياً كما في يوغسلافيا ، بل ميليشيات قبلية لا حصر لها" وهو العليم أن مليشيات الرعب في دارفور سيئت الذكر ، هي الجنجويد سابقا ، وقد حاول النظام غسل ممارساتها البربرية فأطلق عليها إسم حرس الحدود ، ولا تزال تعيس في الأرض الفساد ، وإدعاء الدكتور بإنها ليست جيشا نظاميا ، محاولة يائسه منه لكسر عنق الحقيقة ، داخل أزقة معتمة ، وهنالك إفادات موثقة ومكررة لوالي شمال دارفور ، تأكد نظامية قوات حرس الحدود ، وليس هنالك من يتعب نفسه لنفي علاقة الجنجويد بحرس الحدود ، وإن كان الدكتور يستخف من طرف خفي بحركة العدل والمساواة , وحركة التحرير ، ويصف قواتها الثورية بأنها مليشيات قبلية لا حصر لها ، فإن المقصود بالتهديد الأكبر أو المتوسط أو الأصغر في هذه الحالة يكون دارفور النظامية ، وليست الشعبية ، ولعلم الأفندي أن الجنجويد مليشيات ليست قبلية ، بل هم أفراد لحم راس ، غرر بهم إبليس النظام ، ولا يمثلون قبائلهم ، وقد تبرءت منهم إدارتهم الأهلية ، وبالتدرج غلبت على أفرادها مرتزقة قبائل النيجر ، وإن كان الأفندي يعرف القبائل التي تروع ميليشياتها سكان دارفور ، وتهدد أمن الولاية فليذكر بعض منها.

يعظّم دكتور الأفندي حكومة المؤتمر الوطني ، ويعلي من شأنه ، برعمه أن قواته هى التي توفر الحماية لقوات اليوناميد بدافور حيث ذكر " ولعل المفارقة هي أن هذه البعثة لم تصبح قادرة على العمل في دارفور إلا لأن سلطة الحكومة في مناطق عملها قائمة ونافذة ، مما يتيح توفير الأمن لها. فهي تعتمد على سلطة الحكومة وتعاونها لبقائها ، ولو سحب ذلك التعاون لكان الأمر مختلفاً تماماً. نظام عجز عن توفير الأمن لمقار قواته الأمنية ، وجيشها النظام في مقارها الرئيسية ، كيف لها أن توفير الحماية لقوات فُرضت عليه؟ ألم يعلم الأفندي بالهجوم الثوري على قوات اليوناميد بحسكنيته؟ هل لديه أرقام بعدد الضحايا من القوات الحكومية التي كانت تسهر في حمايتها وقت الإنقضاض عليها؟ لا شك أن الإكاديمي المرموق ، تاه في صياغة التقارير الأمنية ، ولم تسعفه عبقريته في الوصول إلى خلاصة منطقية ، ولأن كراسته عن دارفور معظم صفحاته فارغة ، فهو يكتب من رأسه ، ولا يعلم أن الحكومة ليس لديها قوات في مناطق ودعة ، ودار السلام (كتال) ومهاجرية (قبل المعاركة الأخيرة) وعين سرو ، وشرق الجبل ، وجبل مون ، والعطرون ، والصياح على سبيل المثال ، وأن القوات الثورية تعمل بالتنسيق مع قوات اليناميد في هذه المناطق ، وليست هنالك عداء أو إستهداف لهم من قبل الثوار ، وحادث حسكنية نتيجة حتمية لخطط السيد أداد التي يشيد بها الأفندي ، والرامية إلى تلاحم قوات اليوناميد مع القوات النظام ، ما يخفيه الأفندي في هذه الجزئية ، تصوير الثوار وأهالي دارفور ، أعداء لليوناميد ، يهددون أمنها في غياب النظام الهمام.

ويستمر الدكتور في إدعاءته الجوفاء ، بزعمه أن الثوار متلكئين في إحلام السلام دافور ، وليس النظام حيث قال "ذلك أن الرسائل المتشددة التي أرسلها مجلس الأمن، وترسلها قيادة البعثة الحالية، ستطمع الحركات الرافضة للسلام في تحرك أممي جاد يحسم الأمور هناك لصالحها، وهو سراب متوهم لا وجود له، ولكنه سيدفع تلك الحركات للتلكؤ أكثر في الاستجابة لنداءات السلام" إيراد كلمة أكثر بعد التلكؤ في هذه الجملة جعلتها تفيد الآنية أيضا ، ولنا أن نتساءل ، هل لدى الأفندى ما يفيد أن النظام متسرع في إحلام السلام في دارفور؟ أم لديه دليل واحد تشير إلى جدية النظام ، في إنهاء المأساة ، من الذي تلكأ في تنفيذ إتفاق أبوجا ، النظام أم مني؟ ومن الذي سعى لشق الحركات؟ دعك من دارفور ، من الذي يتلكأ في تنفيذ أتفاق الـ c.p.a ؟ وبما أننا هنا بصدد تفكيك بنيان أكاديمي حَبر في نظر المغشوشين فيه ، فإن كملة "سيدفع" تفيد قطعية وقوع التلكأ ، ولو لا الغرور المعرفي ، لإستخدم كلمة "قد" بدلا من إلحاق "السين" بالفعل "يدفع" ، الشي نفسه كرره في خامة مقاله حيث ذكر " والقبول بأن النهج التوافقي الذي اختطه أدادا هو الطريق الوحيد الذي يحقق أهداف البعثة" تأمل معي كلمة الوحيد ، إعتداده بنفسه يدفعه لإغلاق جيمع الأبواب الأخرى ، كأن قوله الفصل ، وليس الهزل ، يريد من قرائه صرف النظر عن نجاح العنف في وقف العنف في رواندا وبورندي ، ويوغسلافيا ، وشرق الكنغو ، ولم يسمح لهم إلا بتأمل نموذج الصومال.

يأخذ الدكتور ، لفة مطوله ، ليقول لنا أن صورة الوضع في دافور ، ليست بالقتامة التي تصورها البعثة اليوناميد ، بعد تدوليها ، بإدعاء إن هنالك بعض العناصر لهم مصلحة ، في صبغها بألوان داكنه ، فقد أورد "إن لبعض العناصر في اليوناميد مصلحة في رسم صورة قاتمة للأوضاع في دارفور" لقد أصاب في هذا ، لأنهم بشر مثله ، ومثلما له مصلحة في إستمرار حكومة الإسلاميين ، ويتحين فرصة تخليص الرئيس من خصومه ، للعودة لقطاره ، وهذا ما يدفعه للمنافحة عنه ، كذلك من الجائز لإفراد اليناميد مصلحة ، تلوين صورة دارفور بما يخدم مصالهم كأفراد ، وهذه التهمة واردة ، ولكن إن كانت ممكنة ، لضرب رئيس البعثة العدد 16 عدد القتلى في شهر يونيو الماضي في عشرة ، وملك العالم صور وتقارير مجزرة كلمة ، التي إرتكبتها قوات النظام تحت سمعها وبصرها ، وهي التي يدعي الأفندي أنها تحمى قوات اليوناميد ، تسحل النازحين في عهد السيد أداد.

هذا هو الأفندي ، وهذه بعض من الجوانب المخفيه من كتاباته ، ولو إستمرينا في نتف ، مقالته المضللة ، لما إتسع المجال ، هذه وجهة نظري فيه ، و أترك التقيم النهائي للقارئ الفطن ، هل هذا صحيح أفندي؟ وهل يكتب من رأسه أم من كراسه ؟ وإن كان من رأسه ، أي رأس هذا ؟ رأس مائل ، أم معتدل ؟ رأس أكاديمي ترك تخصصه ، تتبع تنظيمات الإسلام السياسي وتلاميذ المودودي ، ام رأس كاتب تحاليل فطيرة؟

وليعلم الدكتور وأمثاله ، أن دارفور محروسة ومحمية ، وليست هملة ، كما يتوهمه البعض ، لكي ينهش كل زي غرض وصاحب مرض في جسدها ، دون زاجر ، وليكن في علم مضللى الرأي العام ، إن عهد إحتكار وسائل التعبير قد ولى إلى غير رجعه ، وإن إمتلاك المركز لدور النشر ، ووضع الحواجز أمام فئات بعينها ، ليست ذات جدوى في الوقت الراهن ، ومن يفكر في تناول قضايا الهامش عليه أن يوزن كلماته ، بميزان العقل والضمير ، ويفكر ألف مرة ، قبل إطلاق العنان لخياله لنسج الخزبلات.
ibrahimbasham@yahoo.com
__________
رابط المقال بصحيفة القدس العربي :
رابط المقال بموقع أفهم دارفور:


ليست هناك تعليقات: