الجمعة، شعبان 23، 1430

تصريحات غرايشن ... من أساء فهمها؟

تصريحات غرايشن ... من أساء فهمها؟

سَأل معاوية بن أبي سفيان ، عمرو بن العاص ، وكليهما مصنف من دهاء العرب ، سأله : أين وصل بك الدهاء ، فرد الأخير قائلا : ما دخلت في ورطة وإلا وجدت منها مخرجا ، فرد معاوية أما أنا فلم أدخل في موقف قط ، وأردت أن اخرج منه ، وتلك إحدى النقاط التي دونها التاريخ لصالح معاوية ، يبدو إن الجنرال سكوت غرايشن ، رسب في التأهيل للإنتساب بمدرسة عمرو بن العاص ، أقحم نفسه في ورطه ، ولم يجد منها مخرجا ، سواء الصراخ بالصوت العالي.

فقد فشل في إقناع مرؤوسيه ، وصانعي القرار الأمريكي ، بشأن مبررات مطالبته رفع الحظر الإقتصادي عن نظام الخرطوم ، وشطب إسم السودان من قائمة الدول الدائمة للإرهاب ، وأخفق في تقديم مسوغات تبرر تقديم الدعم الأمريكي المجاني لحزب المؤتمر الوطني ، تمكنه من الصمود والإستمرار في قمع الشعب السوداني ، والإفلات من الحساب والعقاب على جرائمه اللإنسانية ، فشل فشلا ذريعا في تسويق أطروحاته اللأخلاقية ، ثم فكر في المخارجة ، ولم يجد سواء عبارات دبلوماسية بالية ، وكلينشيهات مكروره ، يستهلكها الذين يسيئون التقدير أمثاله.

حاول مواراة فشله المدوي ، زاعما أن تصريحاته قد أُسئت فهمها ، ولم يزد ، ومن حق المراقب ، أن يتساءل ، من هؤلاء سييً الفهم ، قليلو المفهوميه ؟ صانعي القرار بالخارجية الأمريكية ، أم قادة المؤتمر الوطني ، أم كلاهما ؟ وليس واردا ، إن يكون جميع هؤلاء أغبياء ، ولكن ليس مستبعدا ، أن منهم من يتغابى لشي في نفسه ، والفرضية الأخرى ، عملا بنظرية نابليون ، أن يكون الجنرال غرايشن ، ليس ضمن نسبة 1% المستثنى ، أو أنه كذلك ولكنه سييً التعبير عن أفكاره ، قليل الفهم لموجهات مرؤوسيه ، ناقص المعرفة بمكر حزب المؤتمر الوطني ومماحقاته المشهودة.

ما طار طائر وإرتفع ، إلا كما طار وقع ، غالىَ مندوب الرئيس أوباما في دفاعه المستميت عن حزب المؤتمر الوطني ، ووصلت وتيرة مؤازرته لهم قمم الكونغرس وسقوف البيض الأبيض ، ثم آلت للإنحدار بنفس الزاوية ، فجاء بما لم يجئ به الأوائل ، مصرحا لوكالة لرويتر أنه لم يعارض مذكرة توقيف الرئيس البشير ، من قبل محكمة الجنايات الدولية ، وأنه لم يطالب بتخفيف الحظر الإقتصادي عن نظام الخرطوم ، ولا يحزنون ، والمتابع لتحركات الجنرال ، يراه قد إنبطح لنظام الخرطوم في مقدم أيامه ، والآن يشاهده وهو(ينبرش) عن مواقفه من علو شاهق ، ومن المرحج أن تتمزق السترة الدبلوماسية التي يرتديه ، وإن نجا من هذه الحادثة ، فلن تقوم له قائمه ، الخرطوم لم تعطيه وجه ، وزملائه بالخارجية الأمريكية يتجهمون في وجه ، والثوار يزدرونه.

إبتداءا من تاريخ (إنبراش) الدبلوماسي الـ Ranker ، يعتبر بقاء الجنرال سكوت غراشن في منصبه ، مضيعة للوقت ، في سبيل إيجاد حلول عاجلة لمأساة إنسان الهامش في دارفور ، من منطلق قناعتنا بأن الولايات المتحدة ، ممسلكة بالمفاتيح الرئيسية ، لحلحلة معظم مشكلات السودان المتشابكة ، وباتت مسألة إقالته ، وتعيين من يخلفه مسألة وقت ، ولا ينتظر أن يلبس خلفه ، قفازا حريريا لمصافحة قادة المؤتمر الوطني ، والأفضل لهم تقديم تنازلات عاجلة ، لحل قضية إنسان دارفور ، بدلا من الإعتماد على التعاويذ ، وإنتظار حلول معجزة من السماء ، تنجيهم الشرر المتوقع إن تتطاير من العين الأمريكية ، فقد صرح الرئيس أوباما ، تحت ضغط صانعي الرؤساء الأمريكان ، صرح بأن نظام الخرطوم يجب ان يعاقب على فعلته الشنعاء في دارفور.

الجنرال سكوت غراشن إختار طريقا حسبه سهلا ، لتجنب إدارة بلاده ، ثعالبية نظام الخرطوم ، ومهارات قادته في المراوغة ، بإختياره غض الطرف عن الماضي الأسود للنظام ، ومستقبل توجاته المبهمة ، وصارفا النظر عن خصومه في الخرطوم ودارفور ، متجاهلا شريكه في جوبا ، لعله فضل التطبيع المجاني مع النظام ، لعلمه أن رئيسه مثقل بالهموم الخارجية ، ومفعم بالغموم الداخلية ، وفات عليه وضعية السيد أوباما كرئيس إستثنائي ، لم تمكنه من إتخاذ القرار منفردا ، في وقت ، هنالك من يشكك في مقدرته على إنجاز ما وعد به ، وإحداث التغيير الذي ينتظره الناخب الأمريكي ، لجهة أن البراعة الخطابية شئ ، والحنكة السياسية شئ آخر ، وهناك من يشكك في إرتداده عن الإسلام ، وإعتناقه المسيحية ، والكثيرون لديهم المصلحة في إيجاد دليل على تعاطفه الإثني ، وحتى اللحظة ، يظهر الرئيس أوباما ، كرئيس متردد في نظر الرأي العام الأمريكي والعالمي ، وصورة سكوت غرايشن (المنبرش) يكمل هذا المشهد المهزوز.

لا يظنن أحد أن أهالي ضحايا دارفور ، سيستمتعون بمشاهدة العصا الأجنبية وهي تنهال على رأس النظام ، جراء ما كسبت يداه ، لجهة أنهم يُقيمون في مهد الحكمة ، ويعلمون أنه ليست في الشماتة نباهة ، وليس في الحسد شرف ، وبكل تأكيد ، سينشرح صدورهم ، إن رأوا الظالم المعتدي ، يسترد إستحقاقاتهم ، من تلقاء نفسه ، معتذرا عما إغترفت يداه من جنايات ، في حقهم كأبرياء ، أمام الأجهزة العدلية ، أيا كانت منصته ، هذا المشهد وحده ، ما يشفي الغليل ، ويغسل ما تراكمت في الصدور ، أما هروب قادة النظام ، من مواجهم أنفسهم الأمارة بالسوء ، وصدوهم المليئة بالسواد ، والتشكيك في أصالة إنتماء أبناء الضحايا لعروة السودان الوثقى ، والقدح في إلمامهم بأصول الدين الحنيف ، فإن ذلك لا يعدو أن يكون خداع للذات ، ومحاولة يائسة لذر الرماد في عيون الرأي العام السوداني والإسلامي.

المتهم الأول بسوء الفهم الدبلوماسي ، لتصريحات غرايشن ، هي الخرطوم ، التي أولت عليها ، وبنت فوقها الآمال العراض ، وتغابت عن الصانع الحقيقي للقرار الأمريكي ، لظنهم أن مثل تلك التأويلات ، تكفي لإقناع المستثمر الأجنبي للزحام في شارع النيل ، والإيحاء بمساندة جنرال أمريكي كفيل بإنعاش الإقتصاد المنهار ، من هذه الزاوية فقط ، يعتبر غرايشن صادقا في إتهامه ، لكنه لا يفيده ، لأن قرارات الكبار ، كصناعاتهم لا ترقيع فيها.

ليست هناك تعليقات: