السبت، شعبان 10، 1430

سكوت غرايشن ... في ستين ألف داهيه

سكوت غرايشن ... في ستين ألف داهيه

منذ البداية لم أكن من المتحمسين لباراك أوباما ، وبعد فوزه الساحق ، لم أكن من المتفائلين به نصيرا للمستضعين والمهمشين في مختلف بقاع الكرة الأرضية ، وسبب هذا التوجس قناعتي بأن برنامجه الإنتخابي ، سيكلفه التخلي عن مواجهة الدول الخارجة عن القانون الدولي ، ونظام الإنقاذ أكبرهم على الإطلاق في الوقت الراهن ، تباهى المشير البشير بذلك ، على رؤوس الأشهاد ، وكان واضحا أن هذه التكلفة سيدفعها الذين يأوليون على مساندة الولايات المتحدة المعنوية لقضاياهم الإنسانية ، لإعتقاده فيما يبدو أن هذه المواجهة قد أضرت بسمعة بلاده ، وتسببت في تراجع نفوذه السياسي والعسكري.

ولم يخيب الجنرال سكوت غرايشن سوء ظني برئيسه ، فقد صرح بعد أول زيارة له لدارفور بعدم وجود إبادة جماعية للأهالي ، لم أتصور أن جنرالا عسكريا يكون على هذه الدرجة من الحياء والخجل ، ولعله زاد توجيهات مرؤوسيه حبتين ، بتصريحه الغير مسئول ، الأمر الذي إضطر الرئيس أوباما شخصيا ، لتكذيبه في أكرا خلال زيارته الأخيرة لأفريقيا ، وهذا التنافض يكشف عن ربكة حقيقية تواجهها إدارة أوباما بشأن قضية دارفور ، وقد نبه إليها مراقبون لبرنامجه الإنتخابي الذي وُصف بالمثالية ، لم يتصور الجنرال غرايشن أن تزيّف الحقائق يمكن أن تسوق دون خوض معارك شرسة ، ولم يخطر بباله ، أن الناخب الأمريكي الذي صوت لرئيسه ، لن يتخلى عن مكتسباته في الدفاع عن حقوق الإنسان ، ومناهضة كافة أشكال التمييز العنصري ، وهو ما أكسبه مكانة مائزة ، وإحترام الكثير من شعوب العالم.

سكوت غرايشن جنرال متقاعد ولكنه Ranker (جرمندي) في العلاقات الدولية ، ولم يتعدى فهمه للدبلوماسية تكسير الثلج (والتحنيس) المهين ، أضاع ستة أشهر للتأكد أن نظام الخرطوم راغبة في إحلال السلام في الجنوب والغرب أم لا ، ولأنه أتى بدون خارطة طريق ، فقد تاه وسط الدروب المتقاطعة بين الفاشر والخرطوم جوبا ، وأخيرا ترك ما كُلف به جانبا ، ليصبح مدافعا عن حكومة البشير ، ويقف في خطوط المواجهة لرفع الحظر عنها ، التطبيع معها ، ناسيا أن إدارته تعلم أن النافذين في النظام الحالي متهمون بتدبير محاولة إغتيال الرئيس حسني مبارك ، وأن محكمة أمريكية أدانت السودان في حادثة المدمرة كول ، وألزمت الخزانة الأمريكية بدفع تعويضات لأسر الضحايا من أرصدة السودان المجدة لديها ، وأن رئيس النظام مطلوب للمثول أمام العدالة الدولية ، وهو مساند لأحمدي نجاد و مليشياته في المنطقة ، وتجاهل غرايشن علم الناشطين الحقوقيين بعرقلة النظام لجهود قوات اليوناميد ، وأن مليشياته تتربص بالنازحين الراغبين في العودة إلى ديارهم ، كل هذه البلاوي والتجاوزات يتقاضى عنها الدبلوماسي الغير محترف ، وبكل قوة عين ، يطالب الكونغرس برفع الحظر عن نظام الخرطوم دون مقابل ، لقد فشل هذا الجنرال العاجز حتى في أقناع السلطات السودانية السماح بعودة المنظمات الإنسانية ، كان هذا سقف طموحاته الدبلوماسية ، ولم تجامله السلطات على حسن نوايا ، وعقله المفتوح والفاضي ، ونعومة تعامله في شئ ، ومع ذلك يتمادى في الهروب من المواجهة!!

حذر روجر ونتر ، عضو لجنة الخارجية في الكونغرس في جلسته الأخيرة ، مما يقوم به الجنرال سكوت غرايشن ، وقال أن ما يقوم به تعتبر سياسة خاطئة يجب إصلاحها ، خاصة مع حزب عرف بخرق الإتفاقيات ، حسبما أوردتها صحيفة الشرق الأوسط ... والحقيقة أن قادة المؤتمر الوطني يسيئون فهم سياسة غرايشن البالغة النعومة ، ويفسرونها بأن الولايات المتحدة تهابهم ، أو أنها توافقهم إنتهاج العنف المفرط لقمع الثورة في دارفور ، وتشاطرهم عرقلة جهود إحلال السلام في عموم السودان ، فقد سكت الجنرال غرايشن عن عرقلة النظام لعقد مؤتمر جامع لكافة مكونات المجتمع الدارفوري كان مزمع عقده بأديس أبابا شهر مايو الماضي ، وساند الجهود القطرية الإقصائية بشأن القضية من غير هدى ، وهو أكبر دليل سطحيته حيث أنه إنساق وراء هذه المهزلة دون أن تتوفر لها عناصر النجاح الأولية.

كيف لا تسئ الخرطوم فهم دبلوماسية غرايشن الإنبطاحية ، وهي تعلم بضنين الإدارة الأمريكية عن دعم قوات اليوناميد ، فمنذ أكثر من سنتين والسيد كي مون الأمين العام للأمم المتحدة ، لم يتمكن من الحصول على أكثر من ست مروحيات فقط من 26 مروحية مطلوبة لتعزيز الدعم اللوجستي للقوات الأممية للعاملة بدارفور ، لقد بُح صوته ، ولم يستنكف من تجديد طلبه من قلب واشنطن قبل يومين فقط ، كيف تتبرع أثيوبيا وبنغلاديش بمروحيات لليوناميد ، وتحجم الولايات المتحدة عن التبرع ، من يصدق أنها لا تملك مروحيات فائضة عن حاجتها المدنية؟ حسنا صحح الرئيس أوباما شطحه مبعوثه الخجول غرايشن ، بإقراره أن هنالك إبادة جماعية في دارفور ، ولكن ماذا فعل لوقف هذا الجرم الوحشي؟ هل يعتقد أن تصريحه الإضطراري هذا سوف يعصمه من سهام المنظمات الحقوقية العالمية؟ إن كان الرئيس أوباما مضطرا ، ومبعوثه مشككا ، فإن الناشطين من أبناء ضحايا دارفور ، يعرفون الضحايا بأسمائهم ، وأن أسرة فلان بن فلان ، وفلانة بنت فلان قد قتلوا قتلا جماعيا ، مع سبق الإصرار والترصد ، ولا يمكن لجهة تجاوز تنظيمات هؤلاء الشرفاء بالولايات المتحدة ودول أوروبا ، ولا يستطيع أحد تغبيش ما يمتلكونه من أدله موثقة ، تثبت الممارسات الوحشية للنظام ، وتبرهن سوء نواياه ، تجاه ما تبقى من أهالي الإقليم ، فالرئيس أوباما ومبعوثه الخجول ليسا طلقي اليد للعبث بالحقائق ، وإن لم يرغبان في المساعدة على وقف المعاناة فذاك شأنهم ، أما من أراد الدفاع عن النظام الفاشي ، فإن ذلك سيكلفهم الكثير بلا شك.

يخطئ طاقم الرئيس أوباما ، إن ظن إن تفادي مواجهة الأنظمة القمعية ، وتحاشي إبراز العين الحمراء للحكومات الديكتاتورية ، سوف تحسن صورتها الخارجية ، لجهة الحقيقة إن مساندتها للدولة العبرية الظالمة ، وتوفير الحماية للحكومات الإسرائلية الباطشة ، كانت وراء الشحنة التي إنفجرت في مانهاتن في 11سبتمبر ، وإن أرادت تجميل قوامها ، وتحسين صورتها ، عليها التخلي عن مناصرة الظلمة ، والإلتصاق مع الضحايا ، أينما وجدوا ، ولن نتجاوز الحقيقة إن ذهبنا إلى أن إعلاء هذه القيمة الإنسانية الرفيعة ، هى ما أوصلت الرئيس أوباما لسدة الرئاسة ... نبذ كافة الممارسات العنصرية ، وكفالة مساواة الجميع في الحقوق والواجبات ، هو البساط الذي سار عليه والده من كينيا حتى أوصله للبيت الأبيض ، لذلك يعتبر جنس الكلام الذي يتفوه به مبعوثه الخاص الجنرال غرايشن ، كلاما شاذا ، ما كان مرغما على التفوه به ، لو لا عدم إحترافه لما كلف به ، ولعل هذه الذلة سوف تكلفه منصبه ، غير مأسوف عليه ، والأفضل له التقديم لوظيفة سمسار سرى ، لدى السيد عبد المحمود عبد الحليم مندوب السودان لدى الأمم المتحدة ، الذي ساءه ما يعترض له هذه الأيام من هجمه شرسة لوضع حد لتخبطاته ، وطرتشته ، وبما أن قادة النظام عازمون على البقاء في سدة الحكم ، عليهم تقديم تنازلات كبيرة وجوهرية تضمن بقاء الرجل في منصبه ، لأنهم لا يجدون غيره لإعتماد أو دحض نتيجة الإنتخابات إن لم تأتِ (ي) في صالحهم.
ibrahimbasham@yahoo.com

ليست هناك تعليقات: