الجمعة، جمادى الآخرة 05، 1430

الإتحاد النسائي والإعراض عن نساء المعسكرات

الرجال هم الرجال ولكن المرأة هي الإنسان هكذا قرن الفيلسوف الألماني توماس مان بين المرأة والإنسانية ، لقد سنحت لي الفرصة في مارس الماضي حضور تكريم الإتحاد النسائي السوداني فرع المملكة المتحدة وأيرلندا لإنسانة عالمية الحس والمشاعر ومربية الأجيال فذة ألا وهي الأستاذة فاطمة أحمد إبراهيم وهي شخصية نسائية فريدة إعتزمت إجتياز التاريخ بتصميم على أن تترك طابعها على الأجيال وقد أنجزت ما وعدت فقد تدافع (أولاد فاطنة) كما يحلو لهم على منصة الإحتفال مفاخرين بأمومتها شعرا ونثرا ، منهم من خاطبها بفاطنه بنت الشيخ أحمد ومنهم من كناها بام أحمد ، المناسبة لم تكن نسائية صرفه فقد ضاق مكان الإحتفال بالجنسين على إتساعه.

قدم الأستاذ أحمد بدري مدير مدرسة الجالية السودانية بلندن ورقة قيمة عدد فيها المدراس التي خرجت أستاذة الأجيال فاطمة بنت الشيخ أحمد أولاها البقعة وثانيا حي العباسية العريق وذكر العمالة الذين شاركوها في هذا الحي صانع معلمي الأجيال منهم القانوني الكبير مولانا عبد المجيد إمام والإستاذ إبراهيم الصلحي الدكتور محمد ياجي ثم مدرسة الإتحاد النسائي السوداني ثم الحزب الشيوعي.

وفات علي الأستاذ بدري ذكر القطينه كروضة شكلت الإطار العام لشخصية الأستاذة فاطمة بنت الشيخ أحمد حيث أنها قضت بها السنوات الباكرة من حياتها في رفقة جدتها لأمها وقطينة النور كما يحلو لأهلها أيضا صانعة عمالقة ومفرخة مربي أجيال منهم بروفسير محجوب عبيد ، الدرديري محمد إسماعيل ، البروفسير صلاح محي الدين ، علي طالب الله ، بابكر عوض الله والاستاذ محمد إبرهيم نقد. لقد قرأت قبل عدة سنوات حوار توثيقي جاد من الأستاذة فاطمة بنت الشيخ أحمد روت فيه قصة حياتها بوضوح وأكدت أن القطنية حددت مسار حياتها وصاغت شخصيتها في وقت باكر من طفولتها قائلة أن لأسرة جدتها عاملة منزلية (خادمة) أنتزعت من أصلها وأجبرت على ترك عائلتها وأطفالها رغم أنفها لتفني عمرها في خدمة عائلة جد الأستاذة وإن الخادمة عندما تخلو بنفسها ليلا بعد الفراغ من مهامها لم تنقطع عن النحيب والبكاء بحرقة على أطفالها وأهلها وذكرت أنها كانت تقضي أطول وقت معها خلسة لذلك فقد إنغرست تلك الموافق المؤلمة في طفولتها الغضة ومنذ تلك اللحظات نذرت حياتها لمحاربة الظلم ضد المرأة ولم تستطيع منعرجات التاريخ من إثناءها عن هذا المسار، هذه المدرسة في حياة مربية الأجبال تستحق الوقوف للتأمل والدراسة المعمقة.

لذا ورغم أنني قد تشرفت لأول مرة بمشاهدة الأستاذة على الطبيعة ومصافحتها لم أندهش على سخاء دموعها وغزارتها ، وكانت تصر على معانقة كل من نزل من المنصة بحرارة رغم الوهن البين على محياها ، إدارة الإحتفال سمحت لجميع معدي المناسبة بإعتلاء المنصة ولسان حالهن تقول (ما فيش أحد أحسن من حد) حتى ممثلة المرأة العراقية وجدت الفرصة للتحدث عن همومها بأرض الرافدين والمهاجر ، إلا أن المرأة السودانية بالهامش ظلت مهمشة في يوم تكريم سيدة نساء السودان الحديث وقد تمكنت ممثلة المرأة البجاوية من إنتزاع فرصة بصعوبة في آخر لحظات الإحتفال ، تسائلنا عن ممثلة النازحات بدارفور وقالوا لنا المرأة الدارفورية أي هي؟ وقلنا بمعسكرات النازحين طبعا وتلفتنا يمنية ويسرى علنا نرى السيد نجم الدين محمد الذي نصّب نفسه معتمد لنازحي دارفور ولم نرى له أثر وضاعت إحتجاجنا زمرا.

تكريم الأستاذة فاطمة جاءت ضمن إحتفال الإتحاد بيوم المرأة العالمي وقد تطرقت ممثلة الفرعية إلى القوانين التي منعت إنصاف المرأة في العمل حتى وقت قريب وعددت مكتسبات الإتحاد في مكافحة العنف ضد المرأة ولم تدر بخلدها أن أكثر من مليوني نازحة بمعسكرات النزوح بدارفور من جملة ثلاث ملايين نازح تهددها العنف الجسدي من الخروج للعمل وتمنعها من الإحتطاب ، إتضح لي أن الإتحاد النسائي أصبح كيان صفوي يحتفل من عل أبراج عاجية وإلا شكلت هموم المرأة في الهامش جل إهتماماتها وحرصت لجنة الإحتفال على مشاركة ممثلاتها في يوم تكريم شخصية عالمية نذرتها حياتها لرفع الظلم عن المرأة ، ولا نكري كيف تمكنت لجنة الإحتفال من الوصول إلى ممثلة المرأة العراقية ولم تجد من تمثل نازحات دارفور؟ إكتفت لجنة الإحتفال بعرض ملصقات على جدران مبنى الإحتفال تذكر بمحنة المرأة في دارفور إستحقوا الشكر بموجبه إلا أن الأمينة العامة لهيئة شئون الأنصار بالمملكة المتحدة وأيرلندا السيدة حسب سيدا بدري قد أفسحت مجالا مقدرا للتذكير بمأساة المرأة بمعسكرات النزوح بدارفور وناشدت بالوقوف معها.

يبدو أن أولاد فاطمة لم يبق لهم سواء إجترار ذكرياتهم معها عندما كانت الرياح تهب على أشرعتهم والإكتفاء بالتباكي على الماضي وهو لا يستحق أما أحفادها أمثال نهلة بشير وعاد عبد العاطي فإنهم يغردون خارج السرب منذ أن توقفت الدماء الحارة من الوصول إلى دماغ الحزب ولعل هذا الإحتباس الدموي قد أصدأت ذاكرة الإتحاد النسائي الواجهة الناعمة للحزب ولم تعد تذكر المرأة في الهامش وليس لديها الحيل (للمجابدة) في الأطراف.

ليست هناك تعليقات: