الأحد، صفر 06، 1430

لماذا نختلف على الثوابت ونتجادل في البديهيات؟

التاريخ :1-1-2009م

مع مطلع كل عام جديد يتجدد الأمل في جلاء الغمة التي أحلت بالشعب السوداني الكريم متجسدة في نظام الإنقاذ البغيض ويقوى الرهان على الزمن لكشف عورات الطغمة الفاسدة وتعرية أكاذيبه وقد كان ، فقد أصبح النظام جثة هامدة تنتظر من يواريه الثرى لذا تجدني لم أعد قلقا على تعاظم المعاناة بإستمرارية النظام بقدر قلقي على إستمرار إختلاف المكون السوداني والمتمثل في التنظيمات السياسية والثورية على الثوابت وعدم إلتقائها على فكرة ، فالنظام قد نعى نفسه وأصبح في أعداد الموتى وهو على شفا جرف هار متآكلة قواعده ومتلجلجة أركانه ، عشرون عاما إلا نيفا كفيل بفضح الخواء الفكري لسماسرة الدين ومدعي التدين ، على أيديهم القذرة تعرض المواطن السوداني للسحل وكافة أنواع الذل والمهانة وأصبح مشردا في كافة بقاع الأرض وبأخطائهم وأطماعهم تتمزق أوصال البلاد إلى أشلاء لا محالة بعد تمزيق أحشاؤه.

إنشغل المكون السوداني بأدوات الإلهاء التي تلقي بها آلة المكر السياسي للنظام طيلة ما بقارب العقدين من الزمان وأصبح هم الجميع إبراز المقدرات الذهنية في كيفية التعامل مع هذه الأدوات بدوافع إثبات الوجود والفاعلية وقد أفلح النظام في تلطيخ سمعة الجميع دون إستثناء ، لذا حقيق بسياسي نظام الإنقاذ التباهي بالضحك على كافة التنظيمات السياسية والكثيرون من الثوار بمن فيهم الحركة الشعبية لتحرير السودان بعد رحيل الدكتور جون قرنق ، وبما أن مكر قادة النظام كان سيئا فقد حاق بهم وأصبحت حالتهم في الوضع الراهن تثير الشفقة فالكل بدء يدافع عن نفسه والتنصل من الجرائم التي إرتكبوها مجتمعين ولا يكمن التخمين إلي إي منقلب هم منقلبون في كوبر أم في لاهاي.

الساسة العاطلون قصيري النفس ، والنفس البشرية من أي رحم خرج لا تخلو من نزوات وهوى النفس لا حدود له وكما يقول المثل الغرض مرض لذا كان رهان الشعب السوداني على قادة التجميع لتغير نظام الإنقاذ رهان خاسراً من البداية فمنذ وقت مبكر عاد الكثيرون أدراجهم ولم يكتفوا بذلك بل إرتموا في أحضان النظام رغم نتانتها وقذارتها منهم من قال أن بيوتنا عورة وما هي بعورة ومنهم من قال الجوع كافر وهو أسمن من البقل.

وفي هذا الصدد يروى أن الأمام العادل أمير المؤمنين عمر الفاروق يسأل عن مهنة الرجل أن أراد تكليفه بأمر أو الإستئناس برأيه أو قبول شهادته لأن العالم المتبطل ليس مستبعداً أن يكون له أجندته الخاصة لذا فالأوجب الحذر كل الحذر من العاطلين محترفي السياسية لأن أثمانهم زهيدة وإصطيادهم لا يكلف مجهودا أي أنهم Easy target customers لكي يحوز السياسي على الثقة المجتمعية يتوجب عليه أن يتقن مهنته ولا يهجرها إن إستهوى السياسة قلبه ، ويذكر التاريخ أن المحجوب لم يغلق مكتبه للمحاماة عندما تقلد منصب رئيس الوزراء وكذلك كان الدكتور عبد النبي على أحمد عليه شآبيب الرحمة لم يكن سياسياً متبطلا فقد كان يكسب قوت يومه ، ولدى حكومة الملالي بإيران طال هذا الأمر أئمة المساجد فمن شروط أهلية إمامة المصلين أن يكون الفقيه عالم في مجال دنيوي آخر غير أصول الدين والشرعية.

فلنعد للتجمع .. قصر النفس والغرض جعل التجمع يتفرق أيدي سبأ ولكن التاريخ يسجل له صياغة وتوقيع مقررات أسمرة للقضايا المصيرية في يونيو 1995 والتي سرقتها النظام لإطالة أمد حكمه وقد أساء تقديره فالجنوب منفصل لا محالة بسبب ظلامية وأنانية قادة الإنقاذ وسلبية التجميع ، هذا المآل الحتمي يمزق نياط قلب كل وطني غيور فالسودان دون الجنوب ليس سودانا .. مسخا مشوها .. خنسي لا ذكر ولا أنثى ، ولكن الأمل معقود في مواراة نظام الإنقاذ قبل وقت مبكر من مجئ ساعة تقرير المصير وقتها يمكن رجاء أخوتنا في الجنوب لعن إبليس ومن المؤكد أن ترق قلوبهم فمولانا أبو هاشم بيننا ... هل أدركتم جمالية كلمة مولانا عندما يطلقها الراحل الدكتور جون قرنق على السيد الميرغني !! في تقديري أن المكون السياسي السوداني لم ولن يجد مرجعية لتسيير أمور البلاد خلال الإنهيار المتوقع للنظام أفضل من مقررات أسمرة خاصة وأن كافة التنظيمات السياسية والقيادات العسكرية قد صادقت عليها بإستثناء المؤتمر الشعبي وبعض ثوار دارفور حيث أنهم قد برزوا للوجود في مراحل لاحقة وهنا تجدر الإشارة إلي أن الأستاذ عبد الواحد محمد نور كان عضواً بالتجمع وقد صادق على ميثاق أسمرة للقضايا المصرية ، فمن الأوجب نفض الغبار عنه ومذاكرته ورتق الثغرات التي أحدثتها مكائد النظام وبحق تعتبر ميثاق أسمرة سابقة في تاريخ السودان السياسي حيث توافق لأول مرة كافة مكونات المعارضة السياسية والعسكرية شمالياً وجنوبياً على كيفية التعامل مع القضايا المصرية للبلاد ، ولِمَ لا تشكيل المعارضة حكومة ظل في مثل هذه الظروف المتوترة ؟ إن لم يتحلَ التنظيمات السياسية ومنظمات المجتمع المدني بالشجاعة لمناقشة كيفية إدارة البلاد حتى بعد بزوغ أشراط إنهيار نظام الإنقاذ فإننا قد ندخل في مرحلة ظلامية أخرى.

و ليس مستبعدا أن يورث نظام الإنقاذ الحكم لنظام إنقلابي من تحت عباءته حينها يكتفي محترفي السياسة بالسب واللعن وهنالك مبررات للتخوف من هذا الإحتمال فقد أخذت الأجهزة الأمنية بمقود البلاد منذ وقت مبكر ، وإن تمكن أعوان الجنرال قوش من عقد تسويات مع الثوار فلن يلتفت أحد لصيحات عاجزي المبادرة مضيعي الفرص ومدمني التناكف ، أولي التحديات التي تواجه البلاد بعد إنهيار النظام حفظ الأمن دون إفراط ولا تفريط ، وليس واردا تكرار خطأ حل جهاز الأمن الوطني الذي حدث بعد إنتفاضة أبريل رجب 1985 والمحك سوف يكون أكثر صعوبة هذه المرة ، ويجب الإحتراز من الكوادر السرية للنظام لتفادي مقلب المشير سوار الذهب وخدعة الجزولي دفع الله وعدم الإغترار بالزهاد فكم في ثياب الزهد من صياد كما قال أمير الشعراء.

الشئ نفسه ينطبق على ثوار دارفور يجب العودة إلى ما قبل أبوجا والتأمين على ما هو متفق عليه من الثوابت والتوافق على سد الفراغ بمسئولية حيث أن منظومة الحواكير الثورية الماثلة الآن في الميدان لا تتسق مع المرحلة المقبلة ، وهناك فصائل منفلتة لا مرجعية لها تعيس في الأرض فسادا إستجار من بطشهم المواطن بالجلاد الأكبر (النظام) ومثل هذه الممارسات محسوبة على الثورة في مجملها ولا يستطيع قائد ثوري التبرؤ منها ومن أوجب الواجبات عدم السماح لؤلئك الفالتين من إضعاف ثقة المواطن في الثورة العادلة بأية حال من الأحوال ، وإن بعدت الشقة بين القادة السياسيين فالمأمول من القادة الميدانيين التفاكر حول هذه المسائل ، وعدم تركها للصدفة بلا شك تقلل مخاطر الإنزلاق في أتون حرب أهلية لا تبقي ولا تذر ، إرتهان محترفي السياسية لأجندة تنظيمات الداخل ذات الغرض والأجندة الدولية المتناقضة أحال عراك الثوار في مسائل إنصرافية إستحال معها الإتفاق علي شئ أو الإلتقاء على فكرة وأصبح الجميع يتحرك بدون ثوابت ، المرحلة المقبلة يملي على القادة الثوريين خفض قاماتهم لبعض من أجل إنسان دارفور المنكوب أن كانوا على قدر المسئولية والقائد السياسي بالضرورة أن يكون كبير القلب وليس زعيم القوم من يحمل الحقدا ، وهنا يذكر الأديب الطيب صالح عجّل الله شفاؤه أن المحجوب لم يكن يشعر بالمرارة عند حضوره إلى لندن فور إستيلاء نظام مايو على الحكم في مايو 1969 ولم يبدئ غيظا على النظام بسبب فقد منصبه كرئيس للوزراء منتخبا من داخل البرلمان. من حق أي قائد الإختلاف مع الآخر سياسياً وليس من حق أحد رفض مبدأ التواصل مع الآخرين أن كان حقاً يقدر المسئولية ، كما أن الشعور بالمركزية يتماهى مع الأنظمة الشمولية ويتنافى مع التعددية اللبرالية التي يتشدق بها الجميع ودارفور تسع جميع الثوار ما إبتعدوا عن الأنا وتذكية النفس ، والسودان أوسع وأرحب.

هنالك ورش عمل مراثونية في الشأن الدارفوري تنظمها وزارة الخارجية البريطانية بمدنية باث Bath إستمرت لعدة جولات خلال العام الماضي يشارك فيها قطاعات واسعة وشاملة من مكونات المجتمع الدارفوري بيد أن هذه المحادثات مغلقة لا يعرف الكثيرون عن فحواها رغم إستمراريتها وإنتظامها وليس بالإمكان خلق رأي عام حولها فهي تظل بطيخة مقفولة نتمنى ألا تتجاوزها الأحداث وتتعفن قبل تذوق طعمها.

ليس هنالك بد من عودة التنظيمات السياسية وتنظيمات المجتمع المدني إلى مقررات أسمره وعودة ثوار دارفور (التحرير بكامل فصائلها والعدل والمساواة بكافة أجنحتها) إلى ما قبل أبوجا فهنالك الكثير من الثوابت المتفق عليها تركت في تلك المحطة وتفاكر كافة مكونات الشعب السوداني لمرحلة ما بعد حكومة الإنقاذ دون حساسية أو وجل فقد بدأت منسأته تتآكل منذ مفترة وعلى الإنقاذ أن تسلم أن الموت حق والدوم للدائم وحده.

ليست هناك تعليقات: