الأحد، صفر 06، 1430

كفى بالمرء عيبا أن يرى الموت شافا

التاريخ :22-12-2008م
في خطبته اليائسة أمام أهالي الدالي والمزموم صرح رئيس نظام الخرطوم المشير البشير أنه يسعى لميته مُجيّه ، قال ذلك وهو في كامل صحته البدنية وليست هنالك ثمة مؤشر على إعتلال حالته النفسية حيث إختتم المشير اللقاء كعادته بمقطع راقص ملئ بالحيوية وهو لا يزال كهلاً لم يبلغ الشيخوخة بعد ، هذه المعطيات يدفعنا للتساؤل عن دوافع هذا القنوط وعلاما يهبط المشير أعوانه في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ نظامه المشئوم ؟ ولماذا إستدعت مخيلته المشهد البطولي لخليفة المهدي الشهيد عبد الله ود تور شين الذي تربع على فروته بعد أداء آخر صلواته المفروضة لنيل الشهادة في سبيل دينه ومن أجل وطنه ؟ وهل الزعامات التي فضلت الهروب على المواجهة كانوا على خطأ من أمرهم؟

لا شك أن المشير قد إستهدف بعفويته تلك العاطفة الدينية لأهلنا البسطاء بيد أنه أصاب نظامه في مقتل وفي وقت مبكر حتى قبل بدء مرحلة المواجهة الحقيقة مع المجتمع الدولي ، ضمنا قد أعلن دنوا أجل نظامه وصرح أن ملامح المرحلة المقبلة المواجهة وليس التشطيب كما يأمل أهل الحظوة ، لقد بدد المشير الآمال العراض للأهالي بإعلانه إنتظار الميته المُجيّه ، ولا يرجى من رئيس نفد وسائله لتنفيذ وعوده الوهمية وبات ينتظر المنية.

زكى نفسه وإستولى على السلطة من ممثلي الشعب وسمى نظامه بالإنقاذ زاعما مقدرته على إنقاذ البلد مماذا لا ندري على وجه الدقة حتى اللحظة ، وبعد عشرون عاما من خراب البلاد والعباد يقول لهم أن (عصايته) ليست عصى موسى وانه ليس منقذا وليس لديه ما يقدمه لهم فماذا يكون هذا المشير ولماذا تخلى عما يبشر به هذا البشير؟ هل هذا الكلام معقولا ومهضوما؟ في الآونة الأخيرة يلاحظ أن المشير يكثر من زياراته للأهالي بغرض بث همومه الشخصية و الجأر بالشكوى من جور المجتمع الدولي وتربصه بنظامه بعكس ما كان يستمع لشكواهم ويبيعهم الوهم ، لقد أصبح رئيس النظام قاساً للغاية يتجهم في وجوه مواطنيه ويشتم قادة الغرب بعبارات سوقية ويتهكم على ذي الصلاة الطيبة مع الغرب بأنهم على خطئ والجميع يعلم أن نظامه يسعي بكل ما أوتى من سبل للتطبيع مع الغرب.

في بداية سني نظامه كان معيار الميته المُجيّه "الإستشهاد" في الجنوب والوظيفة المُجيّه كذلك إراقة الدماء في ذلك الجزء العزيز من الوطن ، أما الآن فقد أصبحت الميتة المُجيّه في سبيل صد هجمات المجتمع الدولي المتوقعة في أي شكل كانت ، رأس رمح الأسرة الدولية محكمة لاهاي وهي ليست لديها قوات ترسلها لغزو السودان مما يمكن رئيس النظام من تحقيق أمنيته في الميتة البطولية المُجيّه حيث أن أسلحتها معنوية من الدرجة الأولى بيد أنها مدوخه فقد أصيب رئيس النظام بالهستيريا حتى قبل تفعيل هذه الأسلحة ، خطط لكسب مناعة إستباقية ضد هذا السلاح ولكن التجارب المماثلة أثبت أن مفعول أمصال المناعة ضد الحصار والمقاطعة الدولية قصيرة الأمد.

المشير يخدع نفسه بتصوره أن الموت في مواجهات مع الأسرة الدولية يعتبر ميته مُجيّه أن كان معياره الدين القيم والشرع الحنيف ، وإن كان ناسيا فلنذكره بأنه حمى المجرمين ورفّع المتهمين ، وأن السودان عضو بالأسرة الدولية التي طالبت نظامه بإلقاء القبض على متهمين بإرتكاب جرائم ضد أهالي دارفور ومحاكمتهم فماطل مما ترتب عليه إحالة القضية بإجماع مجلس الأمن الدولي إلى محكمة لاهاي ، وحتى لحظة إفصاحه عن أمنية في الميتة المُجيّه رئيس النظام لم يمنع أعوانه من إرتكاب الجرائم في حق إنسان دارفور ومجزرة معسكر كلما أحدث الشواهد كما لم ينزع الحصانة عن المتهمين ، وقد أضحى مكشوفا أن حماية النظام للمتهمين بإرتكاب جرائم في دارفور ليس شهامة أو نخوة متأصلة من قادة النظام وإنما دفاعاً عن أنفسهم كما يقول المثل (ينبح الكلب خوفا على ذنبه) فالمشير يبتغي الميتة المُجيّه دفاعاً عن الباطل وصوناً للإجرام والمجرمين وفي مثل هذه الأمور يتوجب على المرء مكاشفة نفسه لا خداعه ، الحجاج بن يوسف عندما أحس دنو أجله كان يؤنف نفسه قائلا ويل لك من دم سعيد بن جبير ، ويل لك من دم فلان وفلان ، أما المشير البشير فإنه يعرف نفسه جيداً أنه (مرقوب) ومعلق في رقبته بعد إزاحته لشيخه فقط مئات الآلاف من الأنفس البريئة ومع ذلك يمنيه بالميتة المُجيّه يا لها من أمنية عزيزة.

لقد أضاع النظام عدة فرص لرفع الظلم عن أهالي دارفور ورد إستحقاقاتهم العادلة قبل الولوج في إنفاق محكمة لاهاي هذا الكيان الأخطر من آليات المجتمع الدولي والمنشأ خصيصاً ضد أنظمة القمع الشمولي ، المعطيات الشاخصة تبشر بدنو إنهيار النظام الكاتم لأنفاس الشعب لعقدين من الزمان ، أولا فوز الحزب الديمقراطي المعادي لنظام الخرطوم في الإنتخابات الأمريكية مؤخراً ، وتولي هلاري كلنتون وسوزان رايس لأهم منصبين تأثيراً على السياسات الخارجية ثانياً إنخفاض عائدات البترول بسبب تدني أسعاره بصورة دراماتيكية عالمياً في وقت يتوقع فيه شدة الحصار الدولي على النظام خاصة بعد إجهازه على المشروعات الزراعية وإستغنائه عن الصادرات غير البترولية ، ثالثا إحتمال صدور أمر توقيف رئيس النظام من محكمة لاهاي ، رابعاً قد بات من المؤكد تأجيل الإنتخابات عن موعدها النصف الثاني من العام المقبل مما يعني أن البلاد سوف تعيش في فراغ دستوري وأخيراً تصريح القيادي البارز بالحركة الشعبية إدوار لينو بأن الجنوب سوف يعلن إنفصاله من داخل برلمانه ، هذا التصريح لم يأتِ من فراغ ، وإعلان الحركة عن إستعدادها لخوض الإنتخابات على كافة المستويات ما هو إلا تضليل فالإنتخابات مستحلية بإستحالة توفيق أوضاع أبيي والمواجهة الدولية المتصاعدة من قبل المؤتمر الوطني ، إعلان إنفصال الجنوب قبل حل معضلة أبيي لا يستطيع أحد التكهن بمآلاته وأن تحريك نظام الخرطوم لآلياته إلى جنوب كردفان بغرض التصدي لهجوم محتمل من حركة العدل والمساواة ما هو إلا تضليل آخر والأرجح أن القوات المسلحة تتحسب لمثل هذه الإحتمالات ، لقد تعاظمت هذه المعطيات على يافوخ رئيس النظام الأمر الذي جعله متنرفزاً شديد الحنق على الجميع يائسا ينتظر الميتة المُجيّه ولكن أنى له ذلك ، إنه يسعى لجني الشوك من العنب ، إن كان المشير يعلم أن رئيساً واحداً في العالم قد إغتصب السلطة ومات ميتة مجُيّه فليذكرنا به.
كفى بالمرء عيبا أن يرَ الموت شافيا وحسب المنايا أن يكنّ أمانيا
ibrahimbasham@yahoo.com

ليست هناك تعليقات: