الاثنين، صفر 14، 1430

ماذا بعد مهاجرية ؟

لم يخيب أخوتي الثوار حدسي فقد أبديت قلقي من عراك محتمل فيما بينهم بدافع توسيع الحواكير المحررة في مقال نشر قبل أيام قلائل من إندلاع أحداث مهاجرية المؤسفة مؤخرا بين حركة العدل والمساواة وفصيل السيد مني ، أشرت إلى أن نظام الإنقاذ قد إفتقد الأنياب المعنوية التي تؤهل قواته للتمادي في التنكيل بالأبرياء وأن مكمن التخوف ينبثق من تناحر ثوري محتمل في غياب التفاهم بين القيادات الميدانية والسياسية للثوار بشأن مآلات الأوضاع المترتبة على إصدار قرار محتمل لتوقيف رئيس النظام من محكمة الجنايات الدولية.

ولعل ما حدث في مهاجرية ليس هو أسوأ التوقعات لكون أن فصيل السيد مني محسوب على النظام أكثر من ثورة التحرر والإنعتاق عن سطوة المركز ، وأن القيادات الميدانية التي إشتركت في الأحداث كليمها في وقت ما كان تحت قيادة مني أي أن أحداث مهاجرية في أوضح تجلياته مواجهة بين قيادات فصائل أبوجا الذين فشل مني في التوفيق بين نزواتهم.

مضى على إتفاق أبوجا الموقع في مايو 2006 حوالي الثلاث سنوات والسيد كبير مساعدي الرئيس في غرار نفسه لا يعرف أين يقف مع حكومة الوحدة الوطنية المزعومة أم مع الثورة ، أما بالنسبة لغالبية أهل دارفور وخاصة الثوار منهم فإن إتفاق أبوجا ما هو إلا محاولة لبيع الثورة بثمن بخس للنظام ، يتضح ملامح هذه المساومة الرخيصة في إصرار السيد كبير مساعدي الرئيس على أن تكون أبوجا هي أساس لأي إتفاق مقبل مع الحركات الثورية الأصيلة ، يكرر هذا المطلب وهو يعلم علم اليقين خواء الإتفاق الذي وقع عليه إنتصاراً لنفسه والإنتحازيين من أعوانه.

حوالي ثلاث سنوات والسيد منى داخل القصر ولم يكن من زمرته ، المشير رئيس النظام يشيح بوجه عنه ويتجهمه الرئيس التنفيذي دكتور نافع وأصبح من المكشوف أن السيد مني يراهن على رئاسة الأستاذ على عثمان طه والذي لا يستبعد إدخاره كبير المحاربين ليوم كريه وسداد ثغر في داخل القصر أو خارجه.

السيد مني يريد أن يلعب على حبلي الثورة والنظام ، دون أن يدفع ثمن لأحد منهما والحال كذلك وجد نفسه لا في العير ولا وفي النفير ، وما يمكن أن يتعلمه السيد كبير مساعدي الرئيس من أحداث مهاجرية المؤسفة هو أن أساليب القمع الميداني ليس بذات الفاعلية داخل القصر ، فالآن هنالك الفرحون والشامتون من أعوانه الذين لم يعرف يكيف يسوسهم في الميدان و من شرفات القصر.

العسكريون وحدهم على يقين أن للميدان منطقه وأن للحرب حساباته ، ومن مواقعنا كمدنين لا نرى مبرر لإستيلاء حركة العدل والمساواة على مهاجرية بتلك التكلفة الباهظة من أرواح ودماء المدنين الأبرياء الثوار الشرفاء من الطرفين.

ومن المفارقات أن تتعارك قوات الثوار في مهاجرية بينما تشن مليشيات الجنجويد غارات وحشية على "حلة علي" شمال شرق الضعين على بعد بضع كيلومترات من ميدان المعركة والتي كانت تحت سيطرة السيد مني ضمن منطقة حسكنيته التي تخلى عنها للنظام لتحرقها عن بكرة أبيها رغم جميل أهلها الذين أحسنوا وفادته وأغدقوا عليه النعم خلال إنعقاد مؤتمره الكارثة ، تخلى عن أهل حلة علي وتركها لمليشيات النظام الغادرة لتعيس فيها الفساد بشكل منظم تحت سمع وبصر قواته النظامية المتمركزة بكثافة في مدنية اللعيت جارالنبي.

إختيار مهاجرية كحلقة أضعف من حلقات الحواكير الثورية بلا أدنى شك سوف يثير توجس الحركات الأخرى مع تنامي القدرات العسكرية لحركة العدل والمساواة سيما وأن قياداتها السياسية والميدانية ما إنفكت تردد أنهم الوحيدون في الساحة وعلى النظام أن تتفاوض معهم كطرف والفصائل الأخري كطرف على أقل تقدير، بإعتبار أن فصيل مني قد إستلم نصيب حركة التحرير وما تبقي هو من نصيب حركة العدل والمساواة ، يبدو أن هذا المنطق غير سليم لأن هنالك فصائل من الحركتين موقعة على إتفاق أبوجا رغم إختلاف أحجامها وفاعليتها.

ولعل لهذا التحول في إستراتجيات حركة العدل والمساواة قد يفرض تكتلات وسط حركات وفصائل دارفور الثورية الأخرى ميدانيا وسياسيا خلال المرحلة المقبلة قد تكون بدافع الإستقواء أو حفظ التوازن الثوري .

الحصل حصل في مهاجرية ، بيد أن مبادرة حركة العدل والمساواة بالإنسحاب المشروط بتحريم المنطقة على الجميع ووضعها تحت الحماية الدولية تستحق الإشادة بها ، حيث أنني قد ناشدت في مقال سابق عقب أحداث معسكر كلمة المؤلمة أن تضع الأسرة الدولية معسكرات النازحين تحت حمايتها وإلا فعلى الثوار تأسيس نيوسايت New Site بدارفور ليستظل بفيئه النازحين والمهجرين قسرياً ، من هذه القناعة أعتقد أن وضع مهاجرية تحت الحماية الدولية أرحم لأهلها من أية جهة أخرى.

كما نأمل أن يستنسخ الفكرة في المناطق الملتهبة الأخرى مثل كلمة وقريضة وشعرية وطويلة ومتورد ولبدو بأن تنزع من يد النظام سلمياً وتسلم للقوات اليناميد ، لا أشك في قدرة الثوار على إنتزاع هذه المناطق من براثن النظام ولكن من القسوة أن يدفع أهلنا الأبرياء ثمن ذلك رغم أنهم يقتلون بصورة مستمرة على أيدي الغدر والخسة داخل المعسكرات.
الحصل حصل في مهاجرية ولكننا نناشد الثوار الميدانيين أن عودوا لجادة الثورة والمتمثلة في شل تحركات قوات النظام وقدراتها على مهاجمة الأبرياء والإعتداء على العزل وحماية النازحين والمهجرين قسراً ، والدفاع عن المكتسبات الثورية ميدانياً ، وهذه أهداف مشروعة ما حرصتم على نظافة اليد وفوهات البنادق لأن النظام وحشي وغير شرعي ، دماؤكم وحواكيركم الثورية محرمة عليكم كحرمة المساومة بمأساة أهاليكم أو التساهل مع الأوباش مصاصي الدماء.

المجتمع الدولي سوف يكرر ما أغترفه من خطأ في أبوجا بتركيز جل إهتمامه بالسيد مني أركو مناوي كرجل الميدان الأقوى ، أن ظن أن توقيع إتفاق مع حركة العدل والمساواة سوف ينهي الحرب في دارفور ويجلب السلام للسودان ، هذه المرة يجب أن تحرص الأسرة الدولية على مشاركة الجميع و مباركتهم لأي إتفاق ، ليس الثوريين وحدهم بل كافة مكونات المجتمع الدارفوري.

حتى اللحظة ما أشبه اليوم بالبارحة لذا نرفع أكف الضراعة للمولي أن يقيض لهذه القضية العادلة من جهات منصفة تتصدى لحلها بتجرد في القريب العاجل ولكن.

ليست هناك تعليقات: