الجمعة، صفر 04، 1430

تداعيات فض الشراكة بين الإنقاذ والحركة

عيد الشارع السوداني هذا العام لم يعد كما عاد بل عاد بشئ فيه تجديد ، قرار القيادة السياسية للحركة الشعبية التي هجرت مقرها بالمقرن وإعتكفت بجوبا عاصمة الجنوب القاضي بالانسحاب من حكومة الوحدة الوطنية هذا القرار المباغط شغل الناس عن مراقبة رؤية هلال العيد وتتبع فتاوى وزير الأوقاف ، فالصرخات التي كانت تطلقها الحركة الشعبية قبل قرارات جوبا الأخيرة لم يعيرها أحد أية إهتمام لتكرارها وروتينيتها منذ عقد الشراكة بينها ونظام الإنقاذ قبل أكثر من عامين ، حتى إستدعاء الوزراء والمستشارين إلى جوبا لم يتنبأ الشارع بمآلاتها والحقيقة أن الحركة برعت في التكتم على نواياها بشأن هذه الخطوة الغير مسبوقة وتصريحاتهم كانت مضللة للرأي العام بالتأكيد على إستمرار الشراكة لذا فقد شكلت قرارات جوبا مفاجأة مذهلة إنتشى لها الجميع ، حقيقة قدم صقور الحركة أحلى هدية للشارع السياسي أحال أعيادها إلى منتديات دافئة تعلوها النشوة والأمل في النيل من النظام المعطون في الغطرسة لسنين عددا ينشد هاديهم يا جبل ما هزك ريح وأن سفينتهم لا ولن تأبه بالعواصف ، هذا الحدث إختصر قائمة الأمنيات الطيبات التي يسردها المعايدون عادة للغوص بدون مقدمات في التكهنات بمآلات فض الشراكة والسيناريوهات المتوقعة.

المفاجأة طوقت حكومة الوحدة الوطنية المزعومة والشماتة تحاصر كوادر حزب المؤتمر الوطني ، التوقيت قاتل والظرف دقيق ، عطلة العيد أهدرت أيام من موعد إنعقاد مفاوضات سرت ، ووزير الخارجية المزدوج الولاء والذي خدم المؤتمر الوطني بصورة فاق تصور قادته الأمر الذي أغرى رئيس النظام بالتغول على صلاحيات نائبه الأول الفريق سلفا كير للحؤول دون مغادرته للوزارة شكل جزء من خميرة الأزمة ، هذا الوزير وجد نفسه مرغما على البقاء بجوبا أمام تكشير أولاد قرنق والإلتزام بقرارهم السياسي بل دفع به للتفاكر مع قادة ثوار دارفور بصفته القيادية في الحركة وليس وزير خارجية حكومة الوحدة الوطنية الجوفاء ، لا أشك أن الوزير لو علم بالمقلب لتحايل على دخول الفخ كما فعل في مؤتمر ياي العام الماضي ، متبقي أقل من اسبوعين من مفاوضات سرت ولا ندري كم يوم تحتاجه قادة الحركة لدراسة رد المؤتمر الوطني ومن يتوسط لتقريب وجهات النظر ووزير الخارجية معني بشكل أو بآخر بالمفاوضات ، وفي مثل هذه الأجواء من المؤكد أن د.نافع سوف يذهب إلى ليبيا لحضور الجلسة الإفتتاحية ثم العودة للخرطوم لإفساد التقارب السياسي بين الحركة وأحزاب المعارضة الوطنية هذا أن لم تأجل المفاوضات وفي حال تمتع الحركة بشراكة فاعلية المأمول من الوزارة المرتقبة أن تطالب بإعادة النظر في ملف قضية دارفور وتمحيص وفد حكومة الوحدة الوطنية المفاوض ومن المفترض نزع الملف من د.نافع الذي يجمع الخلق على عدم أهليته للمهام وتداول البرنامج المطروح لتسوية قضية شعب دارفور التي تعتبر القضية المركزية للبلاد بشفافية.

إتخاذ قرار الإنسحاب جاء بعيد عودة الكوماند باقام اموم من الولايات المتحدة الأمريكية التي أعقبت عودة القائد ياسر عرمان الذي لم يخفِ حنقه من التآمر على إلغاء عضويته بالبرلمان وبعد ترقي القائد الثائر والمنافس الرئاسي الخطير إلى منصب نائب رئيس الحركة ، رفع أخطر كروت المواجهة في وجه حزب المؤتمر الوطني في هكذا ظرف تعني بجلاء إنتصار أولاد قرنق وصقور الحركة وقد تصدر الثلاثي لجنة إدارة الأزمة لاحقا مع الشريك الملتوي مما يعني أن اللعب في المرحلة القادمة سوف يكون (دافورياً) خشناً والمدة المتبقية من الإنتخابات يستدعي تسجيل أهداف سريعة ليست بالضرورة أن تكون نظيفة ، سبق أن قلنا أن كلما إقترب موعد الإنتخابات إنعدمت العقلانية للنظر إلى القضايا العالقة وقد كان.
معضلة ابيي لا حل لها مع حقن الدماء إلا بإبقائها في برزخ بين الشمال والجنوب ببترولها ونقوقِها ومسيريتها ، إنسحاب قوات حكومة الشمال من آبار النفط في الولايات الجنوبية بلا شك سوف تكشف المستور وهو ما رفضه دكتور الجاز وتمترس بوزارة الطاقة والمؤتمر الوطني يتمني إنفصال الجنوب دون كشف المستور في أمر البترول الذي يعريه أمام العالم وهذا ما يعني أن الفريق سلفا كير رجع إلى نقطة التمسك بوزارة النفط أو تركها للشريك الجشع ولو إستشار وقته رفاقه أولاد قرنق كان اوفق له من إستشارة بونا ملوال الذي لم يطأ الجمر ولم يعرف الأحراش ، تلكأ إنسحاب قوات حكومة الشمال من آبار ولاية الوحدة التي تسيطر عليها قبلة وزير الخارجية الغامض الولاء والمتهم سلفا بالسعي لتكوين حزب خاص به في ولايات أهله الشلك مؤازرا للمؤتمر الوطني وقد شكل الفريق سابقا لجنة للتقصي في هذا الإتهام ، أضف إلى ذلك تواجد عدة فصائل جنوبية موالية لنظام الخرطوم خارج الإنضباط وإعلان وزير الدفاع عبد الرحيم حسن أنهم قد إكتفوا ذاتياً من الأسلحة التقليدية وعلى وشك تدشين طائرة هجومية بدون طيار بالطبع موجه للجنوب والغرب كل هذه التداعيات زادت من شكوك قادة الحركة الشعبية من أن نظام الإنقاذ تسعى للإلتفاف على إتفاق نيفاشا رغم تأكيدات قادته بالتمسك به.

الحركة الشعبية أجلت سيف الإنسحاب من غمضها وإعادته دون إتخاذ خطوات جادة من المؤتمر الوطني سوف تفقدها هيبتها وتخدش جديتها وكما أسلفت ان ابيي لا حل لها بضربة لازب والإنسحاب من آبار النفط تعني تعرية النظام وإتخاذ خطوات جادة في إتجاه التحول الديمقراطي الذي تذكرتها الحركة مؤخرا بعد أن شاركت هي نفساها في إجازة تشريعات مخلة في هذا الشأن بمبررات غير مقنعة ، هذه النغمة الجديدة شئ فضفاض والحركة لم تلتفت لها إلا من اجل التعداد السكاني الذي يمهد للإستفتاء على تقرير المصير ، عيه من المتوقع أن تشكل وزارة جديدة على عجل ويغادر الوزير أكول خميرة العكننة ووزير العدل الخامل الذي أخفق في موائمة التشريعات مع الدستور الإنتقالي بإهدار وقته وتبديد طاقته في شتائم المنظمات العدلية الدولية وقد يطلق صراح بعض المعتقلين السياسيين وتشكيل لجان رئاسية لمتابعة ترسيم الحدود وإعادة جدولة إنسحاب القوات من آبار النفط ، ذلك كل شي مع (طبطبة) من الولايات المتحدة وشركاء الإيجاد بعدها تعود الحركة إلى شريكها وتدور الساقية إلى مأزق آخر.

دون شك قد تطرقت القيادة السياسية خلال إجتماع جوبا في إمكانية إعلان إنفصال الجنوب من طرف واحد بعد أن أكتملت مؤسساتها التشريعية لاحقا إذا إستمر المؤتمر الوطني في المراوغة والتعنت إلا أن هذه الخطوة لم تحل مشاكل الجنوب سلميا في ظل إستمرار معضلة ابيي وترسيم الحدود التي تحدد مآلات حقول النفط والأفضل للحركة التعاون من قادة المعارضة لهزيمة المؤتمر الوطني داخل صناديق الإقتراع بعدها قد تنفصل بسلاسة أو تتوحد بعزة وإحترام.

ليست هناك تعليقات: