الأحد، صفر 06، 1430

الخرطوم لم تسلم ولاهاي لن تتراجع فما المخرج؟ - 16-7-2008م

المعادلة صعبة والخيارات المطروحة للطرفين أصعب ، والمخرج الأوحد ضيق تحفه المخاطر وتكتنفه المحاذير ، بالطبع لاهاي ومن ورائها المجتمع الدولي قد عجمت خياراتها قبل رمي الخرطوم بهذا السهم الفتاك ، و إستعدت لردة الفعل وجهزت الرمح القاضية إذا دعت الضرورة ، إما الخرطوم تبدو أنها صنفت القاضي لويس أوكامبو المقيم بلاهاي (دينحاق) من جنس السيد يان برونك ممثل الأمين العام للأمم المتحدة السابق بالخرطوم والمنتمي لنفس المدينة على ما أظن ، والذي تمكنت الخرطوم من إبعاده من أراضيها ومن منصبه أيضاً بمجرد تدوين إنطباعه الخاص عن الجيش السوداني في مذكراته اليومية ، من الواضح أن نظام الخرطوم لم تجهد نفسه في معرفة كنه المؤسسات الدولية وكيفية التعامل معها رغم إنفرادها بالحكم لما يقارب العقدين من الزمان ، وما يدلل هذا الإعتقاد وصف دبلوماسيين دوليين لمندوب السودان بالأمم المتحدة السفير عبد المحمود عبد الحليم (بالصعلوكي) وهو المعني تحديداً بتقديم النصح المؤسسي لقيادة نظامه وتحذيرهم من مغبة اللعب بالنار مع لاهاي.

في الوقت الراهن حتى إن أبدى رئيس النظام رغبة المثول لدى لاهاي فإنه حزبه ومعظم التنظيمات والقادة السياسيين بالخرطوم لا يسمحون له بذلك ، رغم أن الكثيرون منهم يمارسون النفاق السياسي بإستثناء السيد نقد والشيخ الترابي ، وبهذا الموقف المؤزرة أصبحت قوى المعارضة مدنية للحزب الحاكم ، فهو مكسور الخاطر ومجبر على إيفاء إستحقاقات التحول السلمي للسلطة ، ومرغم على عدم التفكير في اللجؤ للأساليب الفاسدة لكسب الإنتخابات ، وقد يزهد في الفوز بها ، إذ أنه لا يتوقع أن يصوت الشعب السوداني لحزب قادته مطلوبون دولياً ناهيك عن بشاعة ممارساته ، كما أن حتمية حل قضية شعب دارفور ومشاركتهم في الإنتخابات تعني النصر المبين لقوى الهامش.

الأكثرية داخلياً وإقليمياً يرفضون إمتثال رئيس النظام وفي الوقت نفسه يجمعون على أن الرفض ليس حلاً للمشكلة كونه لا يزال ممسكاً بزمام الأمور ويجب إمهاله لحل المعضلة أس الأزمة وأن غادر السلطة تصبح المسألة شخصية وهذا قد يدفعه للتمسك بها لأطول مدى ممكن ، أو الحصول على ضمانات من المجتمع الدولي بعدم ملاحقته مطلقاً ، ومن الموارد مساومته بتسليم أحمد هارون وعبد الرحمن كوشيب ، يضاف إليهما بقية الإحدى عشر متهما ، على أن يزعم قضاة لاهاي أن الأدلة غير كافية لإصدار أمر قبض على رئيس الخرطوم وتنتهي المسألة إلى عند هذه النقطة ، ومثل هذه المساومة سوف يحدث أزمة أخلاقية عويصة داخل أروقة الحزب الحاكم بالخرطوم ، يفضي إلى إستقطاب حاد ، قد يدعم الغرب أحدى أجنحة الحزب أمثال صلاح قوش أو السيد على عثمان طه لتولى قيادة المرحلة ، وبما أن السيد قوش يتمتع بولاء قيادات الأجهزة الأمنية المجهزة والمدربة تدريباً عالياً ، إضافة لعلاقة الخاصة بالإستخبارات المركزية الأمريكية CIA فمن المرجح أن يكون هو رجل المرحلة إذا إضطرت دول الغرب إلى هذا الخيار.

ومن الخيارات المحتملة للاهاي إصدار أمر القبض وتأجيله لمدة عام لإفصاح المجال لحلحلة قضية دارفور وتسوية الخلافات الخاصة بأبيي ، حينها قد يضطر النظام بتأيد من القوى السياسية الشمالية لتأجيل الإنتخابات لعدم جاهزية التشريعات والأوضاع الأمنية الأمر الذي يدفع بالحركة الشعبية لإعلان إنفصال الجنوب من طرف واحد ، ولا يمكن فصل مصادقة برلمان الجنوب قبل عدة أسابيع على إنشاء منظومة دفاع جوي خاص بالحركة والعمل على تطوير قدرات الجيش رغم أن الخطوة غير منصوص عليها في نيفاشا التي تحرص علتها المجتمع الدولي ، وفي حال إنفصال الجنوب وإستمرار الخرطوم في تحدي الأسرة الدولية فإن الأخيرة قد لا تتردد في اللجؤ لإستخدام القوة للقضاء على نظام الخرطوم الأصولي الذي يزعزع الإستقرار الإقليمي ولم تتوان في تقديم الدعم اللوجستي للدول المعادية للغرب أمثال إيران وسوريا.

من الجائز أن سهم لاهاي سوف يخفض أناس ويرفع آخرين بالخرطوم ، متوقع أجراء تعديلات في طاقم المستشارين بالقصر وسفارات السودان بدول الغرب قد يطال (الصعلوك) ، وعلى الصعيد الدارفوري ، بغفلة إعلامية من قادة حركة العدل المساواة ، وضعت إعلام النظام المسنود بالإعلام المصري المأجور حزب المؤتمر الشعبي والحركة في خندق واحد على خلفية الجراح الغائرة التي أحدثتها عملية الذراع الطويل في جسم النظام ، والجرح الحي الذي أحدثه سهم لاهاي ، تمكنت إعلام النظام من فصل العملية عن مطالب أهل دارفور لعدم إشراك حركة العدل والمساواة رفقائهم من ثوار دارفور وتلقيهم التأييد من حزب المؤتمر الشعبي فقط ، واضف إلى ذلك إعلانهم المستمر أن الهدف من العملية إعتزام تغيير النظام بدلاً من إضعافه وثنيه عن حرق أنسان دارفور وأرضه الطاهر ، أثر هذا التحول توجهت الأنظار داخلياً ودولياً إلى دائرة الأستاذ عبد الواحد محمد نور بعد تسلل غريمه منى آركو مناوي من القصر إلى حيث أتى تاركاً وراءه ابوجا وحسكنيته ، إلا أن السيد عبد الواحد بإفتقاره إلى المرونة الكافية وتمترسه في إطار ضيق قد لا يصلح كقيادي يمكن الدارفورين من الإلتفاف حوله ، ومن الجائز عن تبحث المجتمع الدولي عن شخصيات اُخر ليست في سماء الخرطوم فحسب بل فضاء دارفور أيضاً.

أشهى الثمار التي قد تسقطها سهم لاهاي على الشعب السوداني ولو بعد حين ، مغادرة النظام للسلطة وعدم تفكير غيرهم في سرقة الشرعية ، ومشاركة الجميع في إدارة شئون البلاد ، أما الثمرة التي آن خطافها فهي إستحاقاقت أهل دارفور العادلة.

ليست هناك تعليقات: