الأحد، صفر 06، 1430

ليس في الأمر عجب في جمادى أو رجب

التاريخ :12-8-2008م
تعليقاً على مرافعات الدكتور حامد البشير إبراهيم
قاد البروفسير إبراهيم أحمد عمر لواء التعريب بالجامعات فور تقلده لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي ، وبنى فلسفته تلك على موجهات التوجه الحضاري مبرراً مسلكه الرجعي بأن الدراسات الجامعية والبحوث العلمية من الضروري أن ترتبط بقضايا المجتمع ووسائل كسب عيش المواطن ، وأن اللغات الأجنبية التي تدرس بها في الجامعات هى الحائلة دون تحقيق هذه الغاية ، الطرح مقبول والفلسفة سليمة ، إلا أن الوسيلة رجعية إنكفائية وهدامة في نفس الوقت ، وكان بالإمكان إزاحة هذا الحائل بتنشيط التعريب بعد أن تيسرت وسائله بإستحداث الترجمة الإلكترونية وتوفر وسائط النشر الرقمي ، سبب هذه الرمية كما يقول د. البوني المادة البحثية الثرة والتي أتحفنا بها العالم المقتدر الدكتور حامد البشير إبراهيم خلال مرافعاته القيمة للحقيقة والتاريخ ، إفادتنا العظيمة من نشر هذا البحث تأكيد للنظرة الثاقبة لبروفسير إبراهيم أحمد عمر رغم أخفاقه في تحقيق الهدف بإختيار وسلية معاكسة لتيار العصر ، إن غادر أكاديميو السودان مربع السلبية وسائد التكاسل ، وأجهد القليل منهم في ترجمة ونشر بحوثهم العلمية كما فعل دكتور حامد البشير لتغير واقع المجتمع السوداني رأساً على عقب.

يعتبر مقال الدكتور حامد البشر المنشور بعنوان أول الحرب الكلام (1-5) الهمس جهراً العنف القادم من كردفان ، حُجة دامغة على أهل المركز أحزاباً وعساكر مجتمعين على كلمة سواء أن تظل الأطراف طرفا و ألا يكون الهامش متناً ، منذ الأيام الأولي لإنتفاضة جمادى رجب 1986 وأهل دارفور ينبهون حكام المركز بان هنالك شجر مريب تسير بإتجاه الإقليم الغربي (كردفان دارفور) وقد إعتبروه توجسات وأوهام مرجفون ، نفس الموقف وذات العقلية تكررت في بداية إندلاع الثورة المسلحة بدارفور عام 2003م ، لذا يشاطرني الكثيرون الرأي أن المشير سوار الذهب رغم إحترامنا له إلا أنه ليس مؤهلاً للعب أي دور في الحياة السياسية مستقبلاً في السودان والأفضل له أن يركز جهوده في ترقية خدمات منظمة الدعوة الإسلامية ويستمتع بالحج والعمرة المتيسر له.
تأمل معي قارئ الكريم هذه الإفادة التي وردت في المرافعة (واصل السيد يوسف بخيت حديثه: "بأنهم حضروا من دارفور للخرطوم في وفد من اعيان الولاية (الموحدة حينذاك) لتهنئة قادة الثورة بقيادة المشير عبد الرحمن سوار الذهب. وبالتهنئة بالثورة البيضاء وأيضاً لإسداء النصح للقادة الجدد بتحديد الخيارات الوطنية الأنسب والاصلح للمستقبل والانحياز لها لصالح السودان الواحد. وزاد السيد يوسف بخيت قائلاً: "لقد التقينا بالسيد سوار الذهب وهنأناهم بنجاح الثورة وذكرنا لهم ضرورة الإبتعاد عن الانحيازات السياسية وضرورة الالتزام بالفترة الانتقالة وضرورة إعطاء أولويه لدارفور في التنمية القومية خاصة بعد سنوات الجفاف الكالحة الذي ضرب الاقليم في الثمانينيات. وفوق ذلك أكدنا لـه وقوف أهل دارفور خلف الثورة.) إنتهى الإقتباس.

والمعلوم بالضرورة أن سوار الذهب لم يوافق على تولي زمام الأمور إلا تحت ضغط مكثف وتهديد بأنه سوف يتم تجاوزه إذا لم يجرؤ على إستلام السلطة ، وإن المشاورات وسط تنظيمات المجتمع المدني وأحزاب المعارضة إستمرت لعدة أيام قبل السادس من أبريل رجب 86 والأمر الذي يدحض دعاوي المشير سوار الذهب بأن الإنتفاضة حدثت صدفة لذا تم تشكيل المجلس العسكري الإنتقالي من الوحدات الموجودة بالمركز كما أوضحه د. حامد البشر في النص التالي (وعلى صعيد آخر أوضحنا لـه تضجرنا وعدم رضاءنا بل وإحباطنا من عدم وجود ممثل واحد من دارفور في المجلس العسكري الانتقالي وربما في مجلس الوزراء أيضاً. فأوضح لهم السيد سوار الذهب بعد أن أمن على كل نقاطهم المذكورة سابقاً، أوضح لهم بأن اختيار أعضاء المجلس العسكري الانتقالي قد تم بمحض الصدفة وأن جميع الاعضاء كان قد تم إختيارهم من قادة الوحدات العسكرية في العاصمة القومية في وقت الانتفاضة وليس على أساس الأقاليم أو الجهات التي ينحدر منها أعضاء المجلس العسكري الانتقالي) إنتهي الإقتباس

حتى إن سلمنا بمبرر المشير سوار الذهب بأن ذلك يعتبر دليل إدانة للمركز حيث يؤكد هذا الإعتراف بأن أبناء دارفور مهمشون بالقوات المسلحة ، كما يهمش نشطائهم بدواوين الحكومة ، يكلفونهم بقيادة العمليات بجهات القتال أما التواجد (من الوجد) أو المكوث بالخرطوم فإن ذلك يخص ضباط بمواصفات معنية لا تنطبق عليهم.

الديمقراطية الثالثة التي تلت حكومة سوار الذهب الخاملة يشهد لها التاريخ والكتاب الأسود (كمان) بأنها أتاحت أكبر فرصة لأبناء غرب السودان (دارفور كردفان) لتولي حقائب وزارية ، وفي إعتقادي أننا في ربوع الهامش يهمنا الصلاحيات والسلطات الإقليمية أكثر مما يهمنا توزير نشطاء سياسيين يسلط سيوف الجهوية والعنصرية فوق رؤوسهم بينما غيرهم يفعل ذلك بصورة فجة ودن حياء ، وما يعزز هذا الموفق أن وزير الثروة الحيوانية خلال ذلك العهد كان من أبناء دارفور وحين سلمته وزارة المالية تعويضات الرعاة الذين نفقت مواشيهم وتضرروا من الجفاف والتصحر ، إستحى من تعويض أهله والجميع يعلم لمن صرفت تلك التعويضات وتعلمون كذلك في أية بقعة من السودان جر الجاف بكلكله الخشن دون رحمة ، فالتوزير لن يفيدنا وإنما الإنعتاق من أقابيل المركز وتحرير مقدراتنا الإنتاجية والإنمائية ، بفك أحتكار تجارة الحبوب الزيتية والصمغ العربي ، ومنح صكوك تصدير حصرية للماشية ، رفع الحظر على التنقيب عن المعادون البحث عن الثروات في باطن الأرض ، وفرض الرسوم والعتاوات الإعتباطية ، فقط أجبروا لنا ضرر ما إغترفته أيديكم الآثمة ودعوننا وشأننا فلسنا عشاق ضوضاء أو عاشقي الزحام والتلوث.

في تعليق له على منفستو حركة كاد KAD أعتقد أن الدكتور حامد البشير إبراهيم قد تعجل في تقيّمه لثورة دارفور بقوله (ويقيني ان ما حققته دارفور عن طريق الحرب لم يكن بحجم الدمار الذي أحل بالمجتمع وبمؤسساته وبالبنية التحتية وبالنسيج الإجتماعي وبالثقافة المحلية المشبعة بالغنى والتنوع والإثراء للحياة السودانية. إن خيار الحرب هو إختيار لطريق مقفول خاصة في مواجهة نظام همه البقاء بأي ثمن ولو على أشلاء كل أجزاء الوطن ماعدا موطئ قدميه ) إنتهى الإقتباس.

صحيح أن ثمة خسائر لا يكمن تعويضها بثمن مثل إنتهاكات الشرف التي مارسته الأوغاد المناكيد من أعوان النظام ، إلا أن الأنفس الطاهرة التي صعدت إلى بارئها ، والدماء الزكية التي أريقت ليست غالية من أجل التحرر من سطوة المركز المتعاظم ، بيد أنني أشاطره الرأي والنصح لأهلنا بكردفان بعدم إدارة معارك مع النظام داخل أراضيهم ، لأن ذلك يخدم مخطط الطغمة الحاكمة الآن والذي يستهدف جهويات بعينها ويبرمج لتدميره إنساناً وأرضاً بغية الحفاظ على التوازن العرقي وضمان إسمرار حكم المركز لأجيال أُخر ، وقد أفصح وزير دفاع النظام بكل وضوح عن مكنونات أنفسهم خلال إجتماع مشهود حضره جمع غفير من أبناء جلدته بالمملكة العربية السعودية تناقلتها عدة أقلام حرة ، فضل الفريق عبد الرحيم حسين فض فه أجانب على إخوته أبناء الغرب ، إن كان بمقدور أهلنا في كردفان مواجهة النظام في مركزه بعيداً عن عوائلهم ومكتسباتهم فهذا الخيار لهم ، و إلا فليبحثوا عن وسائل أخرى والعاقل من إتعظ بغيره ، كما قال عالمنا الجليل حامد عبد الله البشير (إن خيار الحرب هو إختيار لطريق مقفول خاصة في مواجهة نظام همه البقاء بأي ثمن ولو على أشلاء كل أجزاء الوطن ماعدا موطئ قدميه) إنتهى الإقتباس.

ليس مستبعداً أن يتكرر ذات السيناريو في الإتنفاضة المرتقبة سوءا كانت إنتخابية أو جهاداً مدنياً ، طالما أن قادة التنظيمات السياسية لا تزال هي هي ، وليس في الأمر عجب في جمادى أو رجب كما تغنى أديبنا كبولي ، هذه المرة سوف يكون شرطنا الدفع مقدما.

ليست هناك تعليقات: